لم يعد انقطاع التيار الكهربائي مشكلة خدمية فحسب بالنسبة إلى أصحاب ورش النجارة والعاملين فيها، بل تحول إلى عامل يهدد استمرار العمل ومصدر رزق عشرات العمال الذين يعتمدون على آلات كهربائية لإنجاز أعمالهم اليومية.
فالتذبذب المستمر في تجهيز الكهرباء، إلى جانب ارتفاع كلفة تشغيل المولدات، دفع بعض أصحاب الورش إلى تقليص ساعات العمل وتسريح عمال، فيما اضطر آخرون إلى رفض طلبات أو تأخير تسليمها.
داخل إحدى ورش النجارة في بغداد، يقف العمال بانتظار عودة التيار الكهربائي، بعدما توقفت المناشير والمكائن الكهربائية التي لا يمكن تشغيل معظمها إلا بالطاقة الكهربائية. يقول العامل احمد ابراهيم لـ "طريق الشعب"، إن ساعات العمل الفعلية أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه سابقا.
ويضيف "نأتي إلى الورشة صباحا وننتظر الكهرباء. عندما تنقطع لا نستطيع تشغيل المناشير والمكائن، وإذا شغّلنا المولدة تكون الكلفة عالية على صاحب الورشة".
ويشير العامل إلى أن توقف العمل لا يعني خسارة الوقت فقط، بل يؤثر مباشرة في أجور العمال، خصوصاً العاملين بالأجر اليومي، موضحا أن "اليوم الذي تتوقف فيه الورشة يعني بالنسبة لنا يوما من دون دخل".
المولدة ليست حلا
ويواجه أصحاب ورش النجارة خياراً صعباً بين التوقف عن العمل أو تشغيل المولدات، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وكلفة الصيانة. ويقول صاحب ورشة للنجارة (سيد مالك) إن تشغيل المولدة لفترات طويلة يرفع كلفة الإنتاج، الأمر الذي يصعب معه الحفاظ على أسعار مناسبة للزبائن.
ويضيف: "نحن نستخدم مكائن تحتاج إلى طاقة كهربائية كبيرة ومستقرة. الطاقة الكهربائية المتوفرة تصل بفولتية ضعيفة، الأمر الدي يسبب أضراراً للمكائن. أما تشغيل المولدة طوال ساعات الدوام فهو مكلف جداً خاصة مع ارتفاع أجور العاملين والإيجار الشهري للورش".
ويؤكد أن استمرار الوضع دفعه إلى تقليل عدد العمال، بعد أن صارت الورشة غير قادرة على توفير ساعات عمل كافية للجميع.
تسريح العمال
ولا تقتصر آثار أزمة الكهرباء على أصحاب الورش، إذ يدفع العمال الثمن الأكبر عندما تتراجع ساعات العمل أو تتوقف الورش عن الإنتاج. ويقول العامل قدامة ثامر إنه فقد عمله بعد أن قرر صاحب الورشة تقليص عدد العاملين بسبب تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل.
ويذكر: "كنت أعمل في الورشة منذ سنوات، لكن صاحب العمل قال إن العمل لم يعد كما السابق، وإن المصاريف أصبحت أكبر من قدرة الورشة. في النهاية تم تسريحي مند شهرين، وأصبحت أبحث عن عمل آخر". ويشير إلى صعوبة العثور على فرصة بديلة في ظل تراجع نشاط كثير من الورش، مؤكدا أن "العامل لا يملك خياراً عندما تتوقف الورشة، إما أن ينتظر بلا أجر أو يبحث عن عمل آخر".
خسائر تتجاوز الورشة
ويؤكد أصحاب المهن أن أزمة الكهرباء تؤثر في سلسلة العمل بأكملها، بدءاً من النجار والعامل، وصولاً إلى الزبون الذي يضطر إلى الانتظار فترة أطول لاستلام طلبه. كما أن ارتفاع تكاليف التشغيل ينعكس على أسعار طلبات الزبائن. ويقول أبو عقيل وهو صاحب ورشة نشاجرة إن استمرار الانقطاعات "يقتل المهنة تدريجياً"، لأن الورشة تحتاج إلى كهرباء مستقرة كي تعمل بكامل طاقتها، مشيراً إلى أن العامل لا يستطيع تحقيق إنتاج جيد إذا كان جزء كبير من يومه يضيع في انتظار عودة التيار الكهربائي.
وبينما تتكرر الوعود بمعالجة أزمة الكهرباء، تبقى ورش النجارة أمام واقع يومي قاس: آلات متوقفة، طلبات متأخرة، تكاليف متزايدة، وعمال مهددون بفقدان وظائفهم. وفي ظل غياب حلول مستقرة، لا تبدو الكهرباء بالنسبة إلى هؤلاء مجرد خدمة أساسية، بل شرطا مباشرا لاستمرار العمل والحفاظ على مصدر رزقهم.