اخر الاخبار

العراق وتجنب تداعيات الحرب

حول تداعيات الحرب الأمريكية ـ الإيرانية على العراق، كتب محي الأنصاري مقالاً لموقع مؤسسة المجلس الشرق أوسطي للشؤون الدولية، أشار فيه إلى أن التصعيد العسكري المتواصل بين واشنطن وطهران قد يكون مقدمة لمواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، ما يستدعي من دول المنطقة رفع مستوى جاهزيتها لحماية مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية.

توهان الدولة

ويرى الكاتب أن بغداد، التي تُعد من أكثر عواصم المنطقة عرضة لتداعيات هذه التطورات، لا تزال محكومة بنظام سياسي غارق في خلافات هامشية ومعالجات سطحية، يعجز عن التعامل مع جذور الأزمات الجسيمة ومتعددة الأوجه التي تلوح في الأفق. ويعزو ذلك إلى أسباب عديدة، من بينها تأثيرات الحرب على الاقتصاد والموارد المالية للعراق، وهشاشة بنية الدولة، وتعدد مراكز اتخاذ القرار، وعدم حصر السلاح بيدها، فضلاً عن خطر اندلاع مواجهات خارجة عن السيطرة مع الفصائل المسلحة، أو لجوء واشنطن إلى التراجع عن قرارها سحب قواتها في الموعد المُحدد، بذريعة حاجة شركاتها إلى الحماية أو ضرورة مراقبة الالتزام بالاتفاقيات الموقعة معها.

ويعرب الكاتب عن اعتقاده بأن "القدرة الداخلية على الصمود" في العراق تُعاني ضعفاً بنيوياً، جراء أزمة ثقة بين الكتل السياسية، وما قد تفضي إليه من ارتباك مؤسّسي وعجز عن إدارة مؤسّسات الدولة أو الإمساك بالقرارات الحسّاسة. ويضاف إلى ذلك خطر انزلاق البلاد إلى أزمة اقتصادية عميقة ومقلقة، نتيجة إغلاق مضيق هرمز والتراجع الحاد في صادرات النفط العراقية، التي تشكّل عائداتها نحو 90 في المئة من موازنة الدولة. ومن شأن ذلك شلّ قدرة الحكومة على إيجاد حلول سريعة لمشكلة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية، ويضعف قدرتها على احتواء غضب شعبي قابل للانفجار في أي لحظة، ولا سيما إذا طال أمد الأزمة. كما تواجه الحكومة تضاعداً بحدّة التوتر في علاقاتها مع المجتمع الدولي ودول الجوار، بوصفه أحد المخاطر التي أفرزتها الحرب، مما يهدد بدخول بغداد إلى ما يشبه عزلة خارجية، من دون أوراق قوة كافية في الداخل.

سلام دائم أم حرب قادمة؟

ويشير الكاتب إلى أنه في الوقت الذي تكثّف فيه الولايات المتحدة حشدها العسكري في الشرق الأوسط، ويرفع فيه الكيان الإسرائيلي مستوى جاهزيته العسكرية تمهيداً للمشاركة المباشرة في أي حرب قادمة، خاصة مع توق نتنياهو لذلك، في محاولة للخروج من مأزقه الداخلي عشية الانتخابات، يتوقع أن يكون العراق من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذا التصعيد. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة رئيس الحكومة على تنفيذ تعهداته لترامب بتجنيب بلاده المشاركة في الحرب والقيام بحصر السلاح بيد الدولة، وربما لن تتاح له فرص أخرى لشراء الوقت.

ويحذر الكاتب من مخاطر تدهور علاقة الحكومة بالإطار التنسيقي، بعد أن شهدت توتراً على خلفية حملة مكافحة الفساد التي انطلقت مؤخراً من جهة، ومن ترسخ قناعة لدى المتعاملين مع بغداد بأن ميلها إلى الاكتفاء بتشكيل لجان تحقيق رداً على شكاواهم يكشف عجز المؤسّسات الرسمية عن فرض سيطرتها على الأرض، ويرسل إشارة لا لبس فيها إلى أن قرار الحرب والسلم بات خارج سلطة مؤسّسات الدولة من جهة أخرى. ويرى الكاتب أن الحكومة بحاجة ماسة إلى إدراك أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل التردد بل تتطلّب انتقالاً فورياً إلى التخطيط الاستراتيجي والتحرّك العاجل، من دون الوقوع مجدداً في الحسابات الخاطئة التي جعلت العراق يلاحق الأحداث بدلاً من استباقها وحماية مصالحه الوطنية.

قبل فوات الأوان

ويطرح الكاتب عدداً من المقترحات لتجنيب البلاد هذه المخاطر، وفق رؤيته، من بينها إنشاء مركز رفيع المستوى لإدارة الأزمات، ورفع مستوى جاهزيتها لحماية البنى التحتية الحيوية، وتشديد المراقبة على الحدود، وتفعيل قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن وطهران وعواصم الخليج، فضلاً عن حشد موقف سياسي داخلي موحّد لمواجهة التحديات، ومنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، والإبقاء على قرار الحرب والسلم بيد الدولة، التي حين تعجز عن منع استخدام أجوائها وأراضيها، وتفشل في تعزيز مناعتها الداخلية، يُنظر إليها على أنها عاجزة عن ممارسة سلطة فعلية، ما قد يرغمها على دفع جزء من كلفة الصراع او يجعلها إحدى ضحاياه.