الولايات المتحدة والغاز العراقي
لموقع (Oil Price)، كتب سيمون واتكينز مقالاً حول خطط الولايات المتحدة لبناء موطيء قدم جديد لها في مجال الطاقة في العراق، أشار فيه إلى أن المشاريع التي تنوي واشنطن تنفيذها في هذا البلد تشبه إلى حد كبير بعض الأحداث التاريخية التي أعادت تشكيل السوق النفطية العالمية بشكل جذري، دون أن يلاحظها أحد في حينها، مثل الاتفاق الضمني بين الرئيس روزفلت والملك السعودي عبد العزيز في عام 1945، وكذلك استراتيجية "الغموض البنّاء"، التي تبناها نيكسون وكيسنجر بالاتفاق مع الرياض في عام 1973 للحد من نفوذ الدول العربية على سوق الطاقة العالمي. وقد يندرج ضمن هذا السياق الإعلان عن مشروع جديد، غامض ظاهرياً، في العراق، تنفذه الولايات المتحدة بهدوء ودون أي دعاية.
مشروع الغاز المسال
وفي التفاصيل، أشار الكاتب إلى أن العمليات ستبدأ في الربع الثاني من عام 2027 من محطة استيراد الغاز الطبيعي المسال قيد الإنشاء في العراق، والتي تتولى تطويرها وتمويلها وتشغيلها شركة Excelerate Energy الأمريكية، وهي الشركة التي وقّعت منذ فترة اتفاقية متكاملة مع وزارة الكهرباء بميزانية أولية قدرها 450 مليون دولار، كمقدمة لاحتكار هذا المجال، حيث ستكون الشركة المطور التجاري الوحيد لمشروع البنية التحتية العائمة للغاز الطبيعي المسال في ميناء خور الزبير، وستتولى إدارة جميع الأعمال، وتكون المورد الرئيسي لشحنات الغاز الطبيعي المسال، جامعةً بين البنية التحتية وتوريد الوقود في عقد واحد.
ويتوقع أن تقوم الشركة بإعادة تحويل 500 مليون قدم مكعب قياسي من الغاز يومياً، مع التزام العراق بسحب يومي لا يقل عن 250 مليون قدم مكعب قياسي. ومن المهم جداً الإشارة في هذه المرحلة إلى أنه، بموجب القانون الدولي، ستقوم الشركة بنشر أفراد الأمن وإنشاء البنية التحتية والتجهيزات الأمنية ذات الصلة التي تراها ضرورية لحماية استثماراتها على أرض الواقع، بعد موافقة الحكومة العراقية.
أسباب الاهتمام
وذكر الكاتب أن العراق كان دائمًا محل اهتمام واشنطن، كما يتضح من أنشطتها العلنية والسرية هناك منذ عام 2003، سواءً بسبب النفوذ الإيراني الواسع فيه أو بسبب العلاقة الوثيقة التي تربطه مع الصين، والتي ترسخت في "الاتفاقية الإطارية العراقية الصينية" الموقعة عام 2021. وادعّى الكاتب أن هذه العلاقة قد منحت الصين نفوذاً كبيراً على اثنين من أهم طرق عبور النفط والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، مضيقي هرمز، الذي يمر عبره ما يصل إلى 30 في المائة من نفط العالم و20 في المائة من غازه، وباب المندب، الذي يشهد ما يصل إلى 12 في المائة من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم و8 في المائة من شحنات الغاز الطبيعي المسال. ولهذا كان طبيعياً أن تسعى واشنطن إلى أن تحل محل بكين كشريك رئيسي لبغداد، التي قد تكون مصدر الطاقة الطارئ الرئيسي في العالم وبديلاً لجزء من الغاز الروسي.
وعزا المقال قيام واشنطن بإنشاء أحد أهم مراكز الغاز الطبيعي المسال في العالم في العراق، إلى سعي الولايات المتحدة للسيطرة على الغاز، ولتقليص النفوذ الإيراني. كما إنها تعتبر دخول العراق طرفاً في الاتفاقيات الإبراهيمية، وسيلة فعالة لوقف استراتيجية الصين الرامية إلى توسيع دورها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط من خلال "مبادرة الحزام والطريق".
سلاطين الغاز
وبسبب العقوبات المفروضة على روسيا، والأضرار التي ألحقتها إيران بإنتاج الغاز في قطر، والتي كانت تاريخياً واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال عالمياً، باتت الولايات المتحدة تتمتع بموقع قوي يسمح لها بدفع هذه الاستراتيجية القائمة على الغاز الطبيعي المسال، وان تكون أكبر مصّدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بتحويل نحو 18 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي إلى غاز طبيعي مسال، بينما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن تتضاعف الطاقة التصديرية بحلول عام 2031.
وربما يستمر ذلك لسنوات، حيث أعلنت قطر أن إصلاح الأضرار التي لحقت بالكامل بمنشآت حقل الغاز العملاق (نورث دوم) في مدينة رأس لفان الصناعية سيستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات، وهو ما ستكون له تداعيات كبيرة على قدرة الإمارة على تصدير الغاز الطبيعي المسال خلال هذه الفترة.
وأختتم المقال بعبارة قديمة تقول "إذا أمسكت بهم من موضع قوتهم، فسوف تتبعك قلوبهم وعقولهم"، والتي نقلها عن مسؤول أوربي، مؤكداً أن ترامب يعرف أن السيطرة على الطاقة هي الوسيلة لتحقيق ذلك، وإن على العالم الحصول على احتياجاته من الطاقة من الولايات المتحدة، طالما بقي مضيق هرمز مغلقاً.