اخر الاخبار

تتحدث الحكومة العراقية عن زيادة الطاقة الإنتاجية من النفط الخام إلى 10 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة، غير أن بلوغ هذا المستوى من الإنتاج لا يرتبط بحجم الاحتياطيات المتاحة فقط، انما يتطلب، بحسب مختصين، منظومة متكاملة تبدأ من تطوير الحقول ورفع كفاءتها، وتمتد إلى البنية التحتية والنقل والخزن والتصدير، فضلاً عن متغيرات سوق النفط العالمية والتزامات العراق ضمن أوبك+، الأمر الذي يفتح نقاشاً حول واقعية المدة الزمنية المحددة لتحقيق هذا الهدف.

طموح انتاجي جديد

في آب الماضي، تحدثت الحكومة عن استهداف إنتاج يتراوح بين 7-10 ملايين برميل يومياً خلال ست سنوات، قبل أن تعلن في 14 أيلول الجاري هدف الوصول إلى 10 ملايين برميل يومياً خلال خمس سنوات، بالتوازي مع التوسع في استثمار الغاز المصاحب وتوسيع رقعة الاستكشافات النفطية.

ويتزامن ذلك مع تحرك عراقي داخل أوبك+ لإعادة النظر في أساس احتساب حصته الإنتاجية، إذ يسعى العراق إلى اعتماد خط أساس يبلغ نحو 6 ملايين برميل يومياً، في وقت يبلغ سقف إنتاجه الحالي ضمن الاتفاق 4.431 مليون برميل يومياً.

ولا يقتصر التحدي على زيادة إنتاج الحقول، إذ تحتاج هذه الزيادة المستهدفة في الإنتاج إلى توسعة منظومة النقل والخزن والتصدير ورفع قدرة منافذ تصريف الخام وتنويعها.

كما أن الحكومة تربط خطط زيادة الإنتاج بالتوسع في استثمار الغاز المصاحب، فيما تتضمن بعض المشاريع الاستثمارية الكبرى تطوير النفط ومعالجة مياه البحر وتوفير الطاقة، بما يعكس ارتباط زيادة الإنتاج بتطوير منظومة الطاقة المساندة للحقول.

وطبقا لمتخصصين، فان الوصول إلى 10 ملايين برميل يومياً يتقاطع مع أربعة عوامل رئيسية، تضم سرعة تطوير الحقول، وتوفير البنية التحتية اللازمة، والحصة الإنتاجية التي تسمح بها أوبك+، وقدرة الأسواق العالمية على استيعاب الكميات الإضافية.

تحديات إنتاجية وتصديرية

في هذا الصدد، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، أن وصول العراق إلى إنتاج 10 ملايين برميل من النفط يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة، يمثل هدفاً طموحاً أكثر من كونه واقعياً، ضمن الإطار الزمني الحالي، مشيراً إلى أن التحدي لا يتعلق بوفرة الاحتياطيات النفطية، وإنما بتحويلها إلى طاقة إنتاجية مستدامة.

وتقول السعدي لـ"طريق الشعب"، إن الوصول إلى 10 ملايين برميل يومياً، في ظل إنتاج حالي بحدود 4 ملايين برميل، يعني إضافة أكثر من 5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في تطوير حقول غرب القرنة والرميلة والزبير ومجنون وغيرها، فضلاً عن أعمال الحفر والمنشآت السطحية وشبكات النقل.

ويضيف أن "تحقيق هذه الزيادة يتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، بالتزامن مع توفير المياه والغاز والكهرباء اللازمة لدعم عمليات الإنتاج"، مبيناً أن "القدرة الفنية وحدها لا تكفي للوصول إلى هذا المستوى، إذ تبقى حصة العراق ضمن أوبك+ وظروف السوق العالمية عوامل حاسمة في تحديد الإنتاج الفعلي".

ويشير إلى أن سعي العراق إلى رفع خط أساسه في أوبك+ إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً "يعكس حجم الفجوة بين الطاقة الإنتاجية المستهدفة والقدرة الفعلية على تسويق الكميات المنتجة"، لافتاً إلى أن "رفع الطاقة الإنتاجية لا يعني بالضرورة إمكانية تصريف كامل هذه الكميات في الأسواق".

ويجد السعدي أن "التصدير يمثل تحدياً إضافياً، في ظل عدم امتلاك العراق حالياً بنية تصديرية قادرة على التعامل مع 10 ملايين برميل يومياً"، مشيراً إلى الحاجة إلى"توسعة الموانئ الجنوبية وخطوط الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات، إلى جانب تنويع منافذ التصدير عبر تركيا وغيرها".

ويلفت إلى أن "زيادة الإنتاج يجب أن تترافق مع معالجة الغاز المصاحب وتوفير كميات كبيرة من المياه المستخدمة في الحفاظ على ضغط المكامن، فضلاً عن تأمين الكهرباء والبنية التحتية"، مؤكداً أن "مشاريع الغاز والمياه ليست ثانوية، بل تمثل شروطاً أساسية لأي توسع نفطي كبير".

ويبيّن السعدي أن "رفع الإنتاج إلى 10 ملايين برميل يومياً لا ينبغي أن يكون هدفاً بحد ذاته، وإنما يجب أن يرتبط بهدف تعظيم الإيرادات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي"، موضحاً أن "زيادة الإنتاج بكميات كبيرة في حال تراجع الطلب أو أسعار النفط قد لا تحقق للعراق العوائد المتوقعة".

ويرجح أن يكون "رفع الطاقة الإنتاجية إلى حدود 6–7 ملايين برميل يومياً خلال السنوات المقبلة أكثر واقعية، مع الاحتفاظ بطاقة فائضة يمكن استخدامها وفق ظروف السوق وحصة العراق في أوبك+"، معتبراً أن "الوصول إلى 10 ملايين برميل يومياً يمكن أن يمثل هدفاً استراتيجياً بعيد المدى، وليس بالضرورة هدفاً إنتاجياً خلال خمس سنوات".

نفط الوسط: تلبية حاجة المحطات والمصافي

وأعلنت شركة نفط الوسط، امس الأربعاء، عن توقيع عقود لبيع النفط وضخه عبر الخط الاستراتيجي ومنافذ البصرة، فيما كشفت عن خطة لزيادة الإنتاج وتلبية حاجة المحطات والمصافي خلال الأيام القادمة.

وقال مدير عام الشركة، محمد ياسين حسن، إن "شركة نفط الوسط كانت تنتج 160 ألف برميل يومياً قبل أزمة التصدير، حيث بلغ الإنتاج في عام 2023 نحو 90 ألف برميل يومياً، وارتفع الإنتاج في عام 2025 إلى 160 ألف برميل يومياً"، مؤكداً، أن "أزمة التصعيد العسكري في المنطقة أدت إلى انخفاض إنتاج النفط".

وأضاف، أن "إنتاج الشركة حالياً يبلغ 100 بالمئة، وفي بعض الأحيان أكثر، بحسب حاجة المحطات والمصافي"، مستدركاً بالقول: "لدينا طموح لزيادة الإنتاج بحسب حاجة السوق ومبيعات شركة "سومو" خلال الأيام المقبلة".

وأشار إلى أن "هناك عقوداً موقعة لبيع النفط بالتراكات (الصهاريج أو الحوضيات)، حيث ستعمل الشركة على إنتاج النفط وضخه عبر الخط الاستراتيجي أو عبر منافذ البصرة، فيما ستقوم شركة تسويق النفط (سومو) ببيعه".

.. وحقل القيارة

كما تتجه خطط تطوير حقل القيارة إلى رفع معدلات الإنتاج وتعزيز الاستفادة من الخام المنتج، بالتزامن مع متابعة مشروع إنشاء المصفى المتكامل في الحقل.

وقال مكتب وكيل وزارة النفط لشؤون الاستخراج، إن “وكيل وزارة النفط لشؤون الاستخراج، نصير عزيز جبار، استقبل مسؤولي شركة سننغول الأنغولية المستثمرة لحقل القيارة في محافظة نينوى وحضر كل من مدير عام شركة نفط الشمال وكالةً، وعدد من المسؤولين في الجهات المعنية”.

عدد من الشروط

من جانبه، أكد الخبير النفطي حمزة الجواهري، أن الوصول إلى إنتاج 10 ملايين برميل من النفط يومياً يتطلب فترة زمنية أطول من خمس سنوات، مرجحاً أن تمتد عملية تطوير الطاقة الإنتاجية إلى 7 أو 10 سنوات وربما أكثر. فيما أشار إلى امتلاك العراق حقولاً جديدة واحتياطيات كبيرة يمكن أن تسهم في تحقيق هذا المستوى من الإنتاج.

وقال الجواهري في حديث مع "طريق الشعب"، إن "الوصول إلى إنتاج 10 ملايين برميل يومياً خلال خمس سنوات يمثل مدة قصيرة، لأن عمليات تطوير الحقول تحتاج إلى وقت أطول، ولا سيما أن جزءاً من الزيادة المستهدفة سيأتي من حقول جديدة ما زالت تحت التقييم".

وبين أن "الإمكانات النفطية لهذه الحقول كبيرة، كما أن بالإمكان زيادة إنتاج الحقول القديمة للوصول تدريجياً إلى الطاقة الإنتاجية المستهدفة".

وأضاف أن "رفع الإنتاج إلى هذا المستوى قد يحتاج إلى 7 أو 10 سنوات وربما أكثر"، موضحاً أن تحقيقه يتطلب بالتوازي تطوير البنية التحتية، بما في ذلك إنشاء خطوط أنابيب جديدة وتوسعة وتأهيل الخطوط القائمة، فضلاً عن تطوير الموانئ ومحطات الخزن وزيادة الطاقات التصديرية.

وأشار الجواهري إلى أن "العديد من عناصر البنية التحتية النفطية تعمل حالياً عند مستويات مرتفعة من طاقتها، ما يجعل تطويرها ضرورة مرافقة لأي زيادة كبيرة في الإنتاج"، مؤكداً أن "مشاريع تطوير الحقول وزيادة الإنتاج، يجب أن تسير بالتوازي مع مشاريع البنية التحتية النفطية".

ولفت إلى أن "العراق يمتلك حقولاً ذات إمكانات كبيرة، من بينها حقل الناصرية الذي تشير التقديرات الأولية إلى احتوائه على أكثر من 11 مليار برميل، إلا أن عمليات التقييم لم تستكمل بعد لتحديد الحجم النهائي للاحتياطي"، مشيراً إلى وجود حقول أخرى في المثنى والنجف وميسان وغيرها لا تزال بحاجة إلى استكمال عمليات التقييم.

وأوضح أن "بعض هذه الحقول يحتاج إلى حفر عدد كبير من الآبار التقييمية لتحديد حجم الاحتياطيات والإمكانات الإنتاجية بصورة دقيقة"، مبيناً أن تطوير هذه الموارد يتطلب وقتاً قبل تحويلها إلى طاقات إنتاجية فعلية.

وأكد الجواهري أن العراق "يحتاج إلى ترسيخ موقعه كمنتج نفطي كبير، وليس الاكتفاء بامتلاك الاحتياطيات”، مشيراً إلى أن إمكانية استيعاب الأسواق العالمية للكميات الإضافية من النفط ترتبط بتطور الطلب العالمي والنمو الاقتصادي في الدول المستهلكة.

وبيّن أن "العراق ينتج حالياً نحو 4.6 ملايين برميل يومياً، وأن مضاعفة الإنتاج إلى نحو 10 ملايين برميل لا تعني بالضرورة طرح كامل الكميات الإضافية في الأسواق العالمية"، موضحاً أن ذلك "يرتبط بالاتفاق مع أوبك وبمستويات الطلب العالمي وظروف السوق".

وأشار إلى أن "أوبك تؤدي دوراً أساسياً في موازنة السوق النفطية والحفاظ على مستوى سعري مناسب للمنتجين والمستهلكين"، لافتاً إلى أن معادلة الإنتاج والطلب تتغير تبعاً لحاجة السوق ومستويات النمو الاقتصادي عالمياً.

وأكد الجواهري أن "كلفة إنتاج النفط في العراق منخفضة مقارنة بالعديد من المنتجين، وأن التحدي الأساسي لا يكمن في تطوير الحقول النفطية بقدر ما يكمن في توفير الاستثمارات اللازمة للبنية التحتية المرافقة"، ومنها خطوط الأنابيب والخزانات والموانئ وزيادة طاقاتها التصديرية.

وفي ما يتعلق بمنافذ التصدير، أشار إلى أهمية تنويعها، لكنه أبدى تحفظاً على إنشاء خطوط أنابيب خارج الحدود العراقية، باستثناء مشروع يرتبط بطريق التنمية ويمتد باتجاه أوروبا عبر تركيا، معتبراً أن وجود شراكات دولية في مثل هذه المشاريع يمكن أن يوفر ضمانات أكبر لحمايتها واستمراريتها.

وخلص الجواهري إلى أن تحقيق هدف إنتاج 10 ملايين برميل يومياً يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها سرعة تطوير الحقول الجديدة، واستكمال تقييم الاحتياطيات، وتوسعة البنية التحتية النفطية، فضلاً عن قدرة السوق العالمية وأوبك على استيعاب الكميات الإضافية.