اخر الاخبار

العراق.. هل من نهاية للفساد؟!

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً للكاتب غيث عبد الأحد حول هذا الموضوع، ذكر فيه أن بوابات المنطقة الخضراء، المصنوعة من الفولاذ المدرّع والمدعومة بعوارض أفقية وأعمدة خرسانية وجدران واقية من الانفجارات، تحرسها قوات مدججة بالسلاح، غالباً ما تُغلق عند ظهور أولى بوادر الاحتجاجات في الشوارع، سواء بسبب تردي خدمات الكهرباء أو البطالة أو غيرهما، مما يؤدي إلى اختناقات مرورية هائلة تستمر لساعات، بالنسبة إلى غالبية سكان بغداد الذين لا يملكون تصاريح دخول المنطقة الخضراء.

إغلاق وإجراء مختلفان

لكن إغلاق البوابات فجر 28 حزيران، وانتشار دبابات أبرامز في أرجاء المنطقة، ومنع سكانها من المغادرة، لم يكن لقمع احتجاجات شعبية، بل لتنفيذ حملة اعتقالات طالت نحو 50 شخصاً، بينهم 12 نائباً في البرلمان ومسؤولون كبار، إضافة إلى مصادرة مئات الملايين من الدولارات نقداً وكميات من الذهب والمجوهرات من منازلهم.

وقوبلت الاعتقالات بحالة من "الشماتة" العراقية العارمة، إذ توحد العراقيون، على اختلاف انتماءاتهم ومذاهبهم وأعراقهم وخلفياتهم الاجتماعية، في مواجهة فاسدين من قادة الأحزاب السياسية الحاكمة ورجال الأعمال وقادة عسكريين. ويبدو أن الوعود التي قطعها رئيس الحكومة الجديد، يوم تنصيبه، بمكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، تكاد تكون جدية، رغم افتقاره، كرجل أعمال ثري، إلى الخبرة السياسية، ورغم أن سلفيه السابقين بدآ ولايتيهما بمبادرات مماثلة انتهت بغرقهما وحكومتيهما في اتهامات بالفساد.

ونقل الكاتب عن مصدر حكومي قوله إن ما جرى (ليس مجرد إجراء روتيني يقوم به أي رئيس وزراء)، بل يمثل تفكيكاً للإمبراطوريات المالية للأحزاب السياسية القائمة على فساد واضح، ويبعث برسالة إلى جميع السياسيين بشأن ما يمكن أن يحل بهم.

تقاسم المغانم

وذكر الكاتب أن تكليف الزيدي برئاسة الحكومة جاء بعد أشهر من المفاوضات، وهي ممارسة مألوفة تتكرر بعد كل انتخابات منذ عقدين، يجري خلالها تقاسم المغانم في ظل نظام المحاصصة. وتشهد هذه المساومات صراعاً بين المتنفذين وتبادل التهديدات والاتهامات، بهدف زيادة حصصهم من الوزارات ومؤسسات الدولة المربحة وتحويلها إلى إقطاعيات حزبية وأدوات لنهب المال العام. وتستكمل المساومات على المناصب العليا، وتوضع أسعار لكل منها؛ فوكيل وزير النفط، مثلاً، يعادل عدداً من المدراء العامين في دوائر التعليم والصحة والثقافة.

واستشهد الكاتب بتصريح خبير دولي استعانت به إحدى الحكومات السابقة لإصلاح النظام وتطهيره، قال فيه إن الأحزاب أنشأت (دولاً داخل الدولة)، ربما سبع أو ثماني دويلات مصغرة، تستنزف ما بين 5 و10 في المائة من قيمة كل عقد حكومي.

وأشار إلى غياب شروط واضحة لاختيار المرشحين للمناصب، إذ يمكن أن يكونوا أعضاء في الحزب المعني أو تابعين له داخل جهاز بيروقراطي متهالك، تُستخدم لوائحه لعرقلة معاملات الدولة، من إصدار بطاقة الهوية إلى توقيع العقود بمليارات الدولارات، حتى تُدفع الرشوة اللازمة لإنجازها.

وكان من بين هؤلاء المرشحين مهندس شاب يدعى عدنان الجميلي، صعد سريعاً ليصبح وكيلاً لوزير النفط، ووُصف في وسائل إعلام محلية موالية للحكومة بأنه كفاءة شابة ونزيهة وقادرة على إنهاء سنوات سوء الإدارة. لكنه اعتُقل لاحقاً وصودرت أمواله بتهم تتعلق بسرقة 34 مليون دولار و137 مليار دينار و376 كيلوغراماً من الذهب، فضلاً عن نحو 40 عقاراً في بغداد ومحافظات أخرى.

ولا يُعرف ما إذا كان الجميلي العقل المدبر لعمليات الفساد أم أنها دُبرت لمصلحته، لكنه بدأ، منذ وصوله إلى وزارة النفط، بجني عمولات ضخمة من العقود والمشاريع، وتحويل مسارات شحنات الوقود، كما استخدم لنقل ملايين الدولارات إلى مرشحين في الانتخابات الأخيرة.

مستقبل غامض

وأشار الكاتب إلى أنه وعلى مدى أشهر عديدة، بحث المحققون عن قضية فساد يمكن كشفها للعلن دون أن تؤدي تداعياتها إلى إسقاط النظام السياسي القائم برمته منذ عام 2003. وكانت قضية الجميلي مثالية لهذا الغرض؛ إذ تورط فيها عدد من السياسيين البارزين، لكنها لم تصل إلى حد تسمية كبار زعماء

الأحزاب أو المجازفة بما ستكون عليه ردود فعل الفصائل المسلحة. ويبدو أن من أهداف الحملة ـ حسب المقال ـ ايقاف الأحزاب عن نهب مقدرات الدولة، ووضع حد للأزمات المستمرة المتعلقة بالوقود والكهرباء والمياه وغيرها من التفاصيل اليومية.

وأخيراً، تساءل الكاتب عما إذا كانت الحملة ستُثمر عن نتائج ملموسة وجدية، يتحول بعدها العراق إلى دولة طبيعية قادرة على الإصلاح، أم أنها ستكون - في أحسن الأحوال - مجرد إجراء تجميلي، وهو ما رجحه المقال!