تشير البيانات الرسمية إلى تضخم سنوي نسبته 3.3 في المائة، بينما تكشف أسعار السلع الأساسية في الأسواق العراقية عن واقع معيشي أكثر قسوة، مع ارتفاع كلف الغذاء والنقل والخدمات وتراجع القدرة الشرائية للأسر. وتأتي هذه الزيادات في ظل ارتفاع كلف الشحن واضطرابات التجارة العالمية، بالتزامن مع أعباء الرسوم والجبايات وتحديات الرقابة على الأسواق، ما يضع أصحاب الدخول الثابتة أمام ضغوط متزايدة ويجعل الراتب ينفد قبل نهاية الشهر.
ففي بغداد، لا يحتاج المرء إلى نشرة اقتصادية ليعرف أن الغلاء اشتد؛ يكفيه أن يذهب إلى السوق. فلتر الزيت الذي كان يكلفه ألفي دينار في المتوسط خلال 2025 أصبح يقترب من 3000 دينار في آب 2026. وطبقة البيض الأحمر التي كانت بخمسة آلاف دينار صارت بسبعة آلاف ونصف. كيس الرز المستورد ارتفع من عشرة آلاف إلى ثلاثة عشر ألفاً، وكيلو لحم الغنم من ستة عشر ألفاً إلى اثنين وعشرين ألفاً. وحتى علبة السكائر، التي قد تبدو تفصيلاً صغيراً في حساب الأسرة، سجلت في بعض أنواعها ارتفاعاً يقترب من ضعف سعرها السابق.
رقم رسمي هادئ
بيانات وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء تقول إن التضخم السنوي بلغ 3.3 في المائة في تموز 2026، وبعد أن انطلق من الصفر في كانون الثاني، قفز إلى 4.3 في المائة في نيسان، ثم تراجع وتذبذب بين 3 و3.3 في المائة في الأشهر التالية. أرقام تبدو، على الورق، ضمن حدود "معقولة" مقارنة بتجارب تضخم جامح في دول أخرى. لكن المشكلة أن هذا المؤشر يُحسب على سلة من 333 سلعة وخدمة، تمثل نحو 88 في المائة من إنفاق الأسر، وهو ما يعني أن التوسط الإحصائي يذوّب فيه ارتفاعات حادة في مواد أساسية - كالزيت واللحوم والبيض - داخل معدل عام أكثر لطفاً. بعبارة أخرى: الرقم الرسمي مطمئن أكثر من واقع فاتورة السوق، لأن ما يهم الأسرة ليس المعدل العام بل الأصناف التي تشتريها كل يوم.
كلفة المعيشة
وقال الخبير الاقتصادي خالد الجابري، إن الأسرة العراقية تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرتها الشرائية، مشيرا إلى أن متوسط ما تتحمله الأسرة مقابل الخدمات الأساسية يقدر بنحو 636 إلى 665 ألف دينار شهريا.
وأضاف الجابري أن هذه النفقات تشمل التعليم والصحة والنقل والطرق والإنترنت والاتصالات ومياه الشرب والكهرباء والخدمات البلدية، وهي لا تتضمن الإنفاق الأساسي على الغذاء والملبس والسكن وبقية الاحتياجات، مبينا أن إجمالي كلفة المعيشة قد يقترب من 1.5 مليون دينار شهريا للأسرة.
وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار وتذبذب سعر الصرف يؤديان إلى تآكل القوة الشرائية للدخل، ما يجعل الأسر أكثر حساسية تجاه أي زيادة جديدة في الضرائب والرسوم والجبايات.
ودعا الجابري الحكومة إلى مراجعة الرسوم والجبايات غير الضرورية، وتخفيف كلفة تأسيس وتشغيل الشركات، وتبسيط الإجراءات الجمركية والتجارية، إلى جانب توجيه الدعم والإعفاءات نحو الشرائح الأكثر تضررا.
وأكد أن زيادة الإيرادات لا ينبغي أن تكون الأولوية الوحيدة خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، داعيا إلى سياسات تحافظ على الطلب والاستهلاك والنشاط الاقتصادي، بالتوازي مع إصلاحات مالية وهيكلية تدريجية.
وشدد على ضرورة إعادة معايرة السياسة الاقتصادية بما يضمن الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، وخفض كلفة ممارسة الأعمال، وحماية النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
أزمة عالمية حقيقية
وليس من الانصاف، تحميل الفشل الداخلي وحده كل تبعات الغلاء. فثمة عامل خارجي واضح وموثّق يتمثل في اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، التي رفعت كلف شحن البضائع القادمة من الصين إلى موانئ الخليج والعراق ارتفاعاً حاداً، وأخّرت وصولها أسابيع بل شهوراً. هذا واقع موضوعي يضغط على أي اقتصاد يعتمد بهذا القدر على الاستيراد، والعراق منهم.
لكن الفارق الجوهري هو أن الأزمة العالمية تفسر سبب ارتفاع كلفة "استيراد" السلعة، ولا تفسر بالضرورة سبب غياب أي رقابة على كيف تُترجم هذه الكلفة إلى سعر نهائي في السوق المحلي، ولا تُبرر تزايد الجبايات والرسوم في توقيت لا يقل قسوة عنها. فحين تتزامن أزمة خارجية بحجم مضاعفة كلف الشحن مع أزمة داخلية بحجم غياب الشفافية في السياسة المالية، فإن من يدفع الفاتورة مضاعفة هو، كالعادة، المواطن ذو الدخل المحدود.
ارتفاع كلف النقل
الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي يقول إن اضطراب حركة التجارة العالمية أدى إلى تأخيرات كبيرة وارتفاعات حادة في كلف نقل البضائع من الصين إلى موانئ الخليج والعراق، محذراً من انعكاس ذلك على حركة التجارة والأسواق وأسعار السلع.
ويضيف الهاشمي أن كلفة شحن الحاويات من الصين إلى ميناء جبل علي ارتفعت من نحو 1,800–2,000 دولار قبل الحرب إلى 8,000–8,300 دولار حالياً، أي أكثر من أربعة أضعاف مستوياتها السابقة.
ويشير الى أن أجور النقل من الصين إلى ميناء الدمام ارتفعت بدورها من نحو 1,700–2,200 دولار قبل الحرب إلى 10,700–11,100 دولار حالياً، مع تسجيل بعض العروض مستويات أعلى، ما يعني ارتفاع الكلفة إلى نحو خمسة أضعاف مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ويبين أن كلفة النقل من الصين إلى ميناء أم قصر ارتفعت من نحو 4,000–5,000 دولار قبل الحرب إلى 10,800–11,300 دولار حالياً، مع وصول بعض العروض إلى نحو 11,700 دولار، لتتجاوز الكلفة ضعف مستوياتها السابقة.
ويلفت الهاشمي إلى أن التأثير لم يقتصر على كلف الشحن، إذ امتد إلى زمن وصول البضائع، حيث ارتفعت مدة وصول الحاويات من الصين إلى جبل علي مثلاً من 23 يوماً إلى نحو 60 يوماً، ومن الصين إلى الدمام من 29 يوماً إلى 67 يوماً، فيما ارتفعت مدة الوصول إلى ميناء أم قصر من 33 يوماً إلى نحو 87 يوماً - أي أن السلعة تصل متأخرة وأغلى في الوقت نفسه.
ويخلص الهاشمي إلى أن ميناء أم قصر يواجه، وفق هذه المعطيات، ارتفاعاً كبيراً في كلف الشحن بالتزامن مع زيادة مدة وصول البضائع، الأمر الذي يضاعف انعكاس اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز على حركة التجارة والأسواق العراقية.
أصوات من الشارع
ويرفض حيدر عبد الواحد، موظف حكومي، أن يُختزل الأمر في سعر سلعة بمفردها؛ فالزيادة، كما يصفها، امتدت إلى الغذاء والنقل والخدمات معاً، بينما ظل الدخل الثابت جامداً في مكانه.
ويقول إن ما يزعجه ليس رفع الجبايات بحد ذاته - فهو لا يعترض على أي إجراء يخدم إيرادات الدولة أو الخدمات العامة - بل غياب أي تفسير واضح لهذه الزيادات ولمبرراتها، وعدم وجود دراسة تُبيّن أثرها على أصحاب الدخول المحدودة والمتقاعدين وصغار الكسبة.
وفي الطرف الآخر من السلسلة، يجد صاحب المحل كرار محمود نفسه محاصراً من الجهتين: كلفة شراء البضاعة والنقل والإيجار ترتفع قبل أن تصل السلعة إلى رفّه، والزبون في المقابل يرى فقط السعر النهائي الذي يضطر التاجر لتمريره إليه. وهو تفصيل مهم يُفكك خطاباً شائعاً يحمّل التاجر مسؤولية الغلاء بمفرده، بينما الحقيقة أن العامل والتاجر الصغير كليهما ضحية لحلقة تبدأ من أعلى، من كلفة الاستيراد وسياسات الجبايات، ولا تنتهي إلا في جيب من لا حول له ولا قوة في تحديد الأسعار.
أما نور حسين، موظفة تعيل اسرتها، فتصف الأمر بدقة أكثر إيلاماً: ليست المشكلة في ارتفاع سعر مادة واحدة، بل في تراكم زيادات صغيرة تتحول في نهاية الشهر إلى عجز حقيقي، يدفع الأسرة إلى تأجيل حاجات أو الاستغناء عنها كلياً.
وتقول: إن المواطن ليس طرفاً في القرارات الاقتصادية التي تُتخذ باسمه، فكيف يُطلب منه أن يتحمل نتائجها بمفرده؟
اقتصاد ريعي هشّ
ما تكشفه هذه الشهادات يعكس خللاً بنيوياً أعمق في اقتصاد لا يزال أسير الريع النفطي؛ فالثروة النفطية، في حالات كهذه، لا تتحول تلقائياً إلى تحسين مستقر في مستوى معيشة غالبية السكان، ولا إلى شبكة حماية اجتماعية تُخفف من وطأة الصدمات الخارجية - سواء كانت أزمة شحن عالمية أو تقلبات في أسعار السلع. الدولة، في غياب هذه الشبكة، تنكفئ إلى وظيفة تحصيل الجبايات أكثر من انكفائها إلى وظيفة ضبط السوق، فتترك للسوق وحده مهمة تحديد كلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة، وهي المهمة الأخطر التي لا ينبغي تركها لمنطق العرض والطلب حصراً في اقتصاد هش كهذا.
النتيجة معادلة غير متكافئة يعيشها المواطن يومياً: يبيع قوة عمله بأجر محدد سلفاً، ثم يكتشف أن قيمة هذا الأجر تتبدد شهراً بعد آخر أمام أسعار لا يملك أي تأثير على تحديدها. وحين ينتهي الراتب قبل منتصف الشهر، فإن ما يبدو "غلاء أسعار" في العنوان يتحول في جوهره إلى قضية توزيع للثروة.
ماذا يمكن أن تفعل الدولة؟
في مواجهة هذا الخلل البنيوي، لا تُترك المعالجة رهينة للتوصيف وحده. الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسين يرى أن معالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية تتطلب مسؤولية مباشرة من الجهات الحكومية والتشريعية، محذراً من أن السياسات المتبعة قد تقود إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي بدلاً من تحسين الواقع المعيشي للمواطن.
ويشير حسين، في حديثه لـ"طريق الشعب"، إلى أن الدستور العراقي نص في مواده المتعلقة بالحقوق والحريات على ضمان الحياة الحرة الكريمة وتوفير مقومات العيش والسكن الملائم، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه النصوص الدستورية إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطن.
وينتقد حسين وجود خلل في بعض عمليات الاستيراد، ولا سيما استيراد مواد استهلاكية لا تحقق، بحسب رأيه، منفعة حقيقية للمواطن، مبيناً أن استمرار استيراد سلع غير صالحة أو منخفضة الجودة يمثل هدراً للأموال ويحمّل الاقتصاد مبالغ كبيرة كان يمكن توجيهها إلى قطاعات أكثر أهمية.
ويرى أن حماية المستهلك يجب أن تكون في صلب السياسة الاقتصادية، داعياً إلى اعتماد قائمة من السلع الغذائية الأساسية وتسعيرها ضمن حدود مناسبة لقدرة المواطن الشرائية، مع تشديد الرقابة على الأسواق ومنافذ البيع، وعدم ترك أسعار السلع الأساسية بالكامل لتقلبات السوق.
وفي ما يتعلق بالاستيراد، يدعو حسين إلى سياسة أكثر توازناً تقوم على تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على مناشئ محددة، بما يقلل من مخاطر انقطاع السلع أو ارتفاع أسعارها نتيجة الأزمات الخارجية، محذراً في الوقت نفسه من أن تحقيق وفرة في السلع لا يكفي وحده إذا كانت تلك الوفرة تأتي على حساب صحة المواطنين أو التهام جيوبهم، وهو ما يستدعي إخضاع المواد المستوردة لرقابة وفحوصات دقيقة، لأن أي خلل في هذا الجانب قد يحوّل المشكلة الاقتصادية إلى مشكلة صحية أكثر خطورة.
لماذا لا يكفي "ترشيد الإنفاق"؟
الخطاب الحكومي السائد، حين يواجه بهذا الغلاء، يميل إلى دعوة المواطن لـ"ترشيد إنفاقه"، وكأن المشكلة في سوء تقدير الأسرة لأولوياتها، لا في غياب سياسة تحمي دخلها من التآكل. هذا الخطاب يعكس المعادلة: فالأزمة ليست في كيفية إنفاق أسرة راتبها الثابت، بل في أن هذا الراتب نفسه لم يعد يوازي كلفة المعيشة، بصرف النظر عن مدى "ترشيده".
المعالجة الحقيقية، إذن، لا تبدأ من نصائح استهلاكية للمواطن، بل من مساءلة السياسة الاقتصادية نفسها: لماذا لا تُربط الأجور والحد الأدنى للدخل بمعدلات التضخم الفعلية بدل أن تبقى جامدة سنوات؟ لماذا تُفرض جبايات ورسوم جديدة دون أن يُفسَّر للمواطن أين تذهب هذه الأموال وكيف تنعكس على الخدمات التي يحصل عليها؟ ولماذا لا توجد رقابة فعلية تحاسب الاحتكار والمضاربة في سلاسل التوريد الداخلية، بدل ترك السوق يمرر كل ارتفاع خارجي - مهما كان مبرراً - إلى المستهلك مباشرة، وربما بأكثر من قيمته الحقيقية؟
الأزمة العالمية في الملاحة البحرية واقع موجود ويستحق أن يُعترف به بصدق، لا أن يُستخدم غطاءً شاملاً يُسكت كل سؤال عن المسؤولية الداخلية. فالخارج يرفع الكلفة، لكن الداخل - بسياساته، بشفافيته أو غيابها، بحمايته الاجتماعية أو تخلّيه عنها - هو من يقرر أخيراً كم من هذه الكلفة سيُحمَّل على كاهل من لا خيار له سوى أن يدفع.