انطلاقاً من أن حصر السلاح بيد الدولة ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل قضية وطنية تمسّ سيادة العراق ومستقبله وأمن مواطنيه، أطلقنا مبادرة حوارية جمعت قوى سياسية وديمقراطية وفصائل مسلحة، لبحث هذا الملف الحساس بمسؤولية وصراحة، بعيداً عن لغة التخوين أو الإقصاء. وقد أكد اللقاءان أن اختلاف الرؤى والمواقف لا يحول دون التفاهم، وأن المصلحة الوطنية العليا يجب أن تتقدم على الاعتبارات الحزبية والفئوية والحسابات الآنية.
لقد برز حرصٌ عام على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، مع تباين واضح بشأن آليات التنفيذ وتوقيته والضمانات التي ينبغي أن ترافقه. ونرى أن هذا التباين لا ينبغي أن يكون سبباً لتعطيل الحوار، بل مدخلاً لمواصلته وتطويره، لأن القضايا الكبرى لا تعالج بالقرارات الانفعالية أو الشعارات، وإنما بالنقاش الهادئ وبناء التفاهمات القابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية أن يتوصل الحوار الوطني إلى فهم مشترك وواضح لمضمون ودلالة مصطلحات أساسية، في مقدمتها «حصر السلاح بيد الدولة» و«توحيد القرار الأمني والعسكري»، بما يزيل الالتباس في فهم هذه المفاهيم، ويجعلها أساساً عملياً للانتقال إلى خطوات وإجراءات واضحة ومدروسة لحصر السلاح بيد الدولة.
كما أن توحيد القرار الأمني والعسكري لا يعني فقط توحيد جهة إصدار الأوامر، وإنما تعزيز بناء القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية على أسس مهنية ووطنية، ورفع مستوى فاعليتها وقدرتها على حماية سيادة الدولة وأمن البلاد والمواطنين، بما يجعل الدولة قادرة على الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها الدستورية والأمنية.
إن حصر السلاح لا يتحقق بالضغط أو التهديد أو فرض الإرادات، بل من خلال تفاهم وطني شامل يضمن أن تكون قرارات الحرب والسلم والأمن والدفاع عراقية خالصة، تصدر عن مؤسسات الدولة الدستورية، وتخضع للقانون والرقابة والمساءلة، بعيداً عن التدخلات الخارجية أو ارتباط القرار الوطني بأي أجندة لا تنسجم مع مصالح العراق وشعبه.
ويتطلب ذلك توحيد القرار العسكري والأمني، وإنهاء ازدواجية الصلاحيات، وتنظيم جميع التشكيلات المسلحة ضمن إطار الدولة، وترسيخ دولة القانون والمواطنة، مع ضمان حماية المواطنين وحقوقهم وحرياتهم. كما يتطلب معالجة المخاوف والهواجس المتبادلة، وتوفير ضمانات سياسية وقانونية واضحة، وبناء الثقة بين مختلف الأطراف، واعتماد خطوات تدريجية ومدروسة وقابلة للتطبيق، بدلاً من فرض سقوف زمنية جامدة قد تزيد التوتر وتدفع نحو مزيد من الانقسام.
ولا يمكن فصل قضية حصر السلاح عن قضية بناء دولة مقتدرة وعادلة. فالدولة التي تطالب باحتكار القوة الشرعية مطالبة في الوقت نفسه بأن تكون حاضرة في حياة مواطنيها، قادرة على حمايتهم وتوفير حقوقهم وخدماتهم. ولذلك فإن مكافحة الفساد، وحماية المال العام، وتطبيق القانون دون انتقائية، وإصلاح المؤسسات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الخدمات الأساسية، وبناء اقتصاد منتج يوفر فرص العمل، كلها شروط ضرورية لتعزيز ثقة المواطنين بالدولة وتمكينها من فرض سلطتها الشرعية.
وكما يجب أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة، يجب أن يكون المال العام تحت حماية القانون وخاضعاً للرقابة والمساءلة. فلا يمكن بناء دولة مستقرة إذا بقيت مواردها عرضة للهدر والنهب، أو إذا شعر المواطن بأن القانون يطبق على فئة دون أخرى، أو أن النفوذ السياسي يحول دون محاسبة الفاسدين. إن سيادة القانون لا تتجزأ، وهي تشمل السلاح والمال والمؤسسات والحقوق والواجبات.
كما أكد الحوار أن السيادة لا تتجزأ، وأن حماية العراق تتطلب موقفاً وطنياً موحداً، وقراراً مستقلاً، وسياسة خارجية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة إنهاء وجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية، بما يعزز استقلال القرار الوطني ويكرّس سيادة العراق الكاملة، على أن يتم ذلك وفق تفاهمات وإجراءات رسمية تحفظ أمن البلاد ومصالحها العليا.
فالعراق ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ولا يجوز أن يكون أمنه أو قراره الوطني رهينة للصراعات الخارجية. ومن مسؤولية جميع القوى السياسية والاجتماعية أن تحمي استقلال القرار العراقي، وأن تجعل علاقات العراق الخارجية وسيلة لخدمة مصالحه، لا مدخلاً للتأثير في خياراته الداخلية.
إن مبادرتنا ليست تسوية مؤقتة، ولا محاولة لإلغاء الاختلاف أو تجاوز التعقيدات، بل هي مسعى لفتح مسار وطني جاد يعترف بالتنوع، ويحترم تعدد المواقف، ويبحث عن نقاط الالتقاء التي يمكن أن تجمع العراقيين. وما يجمعنا أكبر مما يفرقنا: الدولة، والسيادة، والقانون، والعدالة، وحماية المواطنين، والمصلحة الوطنية.
وعليه، ندعو إلى استمرار اللقاءات وتوسيع دائرة المشاركة فيها، وتشكيل مسارات عمل متخصصة تضم ممثلين عن القوى السياسية والمجتمعية والخبراء، لإعداد رؤية وطنية واضحة وخطة متدرجة لحصر السلاح وتنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع إصلاح الدولة ومكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون. كما ندعو إلى وضع آليات للمتابعة والتقييم، تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتحول دون بقاء الحوار في إطار البيانات والمواقف العامة.
إن الطريق إلى حصر السلاح وبناء الدولة ليس قصيراً ولا سهلاً، لكنه ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية، وحضرت المسؤولية الوطنية، وابتعد الجميع عن منطق الغلبة والإقصاء. فالعراق بحاجة إلى دولة واحدة، وقرار أمني وعسكري موحد، وسلاح خاضع لسلطة الدولة، ومال عام مصان، ومؤسسات تعمل لخدمة المواطن، لا لخدمة النفوذ.
وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن نمضي فيه بثبات، وبحوار مستمر، وبإيمان بأن مستقبل العراق لا يبنى إلا بإرادة أبنائه ووحدة قرارهم.
اللجنة التنسيقية
للحوار الوطني المدني
25 أيلول 2026