تحاول الحكومة العراقية، اجراء حوارات مباشرة مع الجانب الأميركي لبحث استثناء العراق من الحظر الأميركي المفروض على شركات الطيران الإيرانية "لدواعٍ إنسانية"، بما يضمن استمرار الرحلات المرتبطة بالعلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين.
يأتي هذا التحرك بعد أيام قليلة فقط من إعلان الحكومة المنبثقة عن الإطار التنسيقي وتحالف إدارة الدولة التزامها الكامل بقرار وزارة الخزانة الأميركية بإيقاف تشغيل شركات الطيران الإيرانية على مستوى العالم، وفي وقت تلوّح فيه فصائل مسلحة وأطراف سياسية بالتحرك عبر الاحتجاجات والاعتصامات داخل المطارات العراقية رفضاً للقرار.
الطلب العراقي، بحسب ما أعلنته الحكومة، لا يسعى إلى التراجع عن الامتثال للعقوبات الأمريكية، بل إلى تخفيف أثرها على فئات محددة من المدنيين، في ملف تتشابك فيه الحسابات الدبلوماسية مع واشنطن بضغوط داخلية متصاعدة من قوى مقرّبة من طهران.
كيف وصل الملف إلى هذه النقطة؟
القرار الأميركي صدر يوم الاثنين 21 أيلول، حين أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن جميع شركات الطيران الإيرانية في العالم ستتوقف عملياً عن العمل بحلول الأربعاء 23 أيلول، محذراً أن أي جهة تزوّد طائرة إيرانية هابطة بالوقود أو تقدّم لها خدمات الهبوط أو تبيع تذاكرها ستتعرض للاستبعاد من النظام المالي المرتبط بالدولار.
وفي اليوم نفسه، أفاد مصدران حكوميان عراقيان بأن بغداد ستنفّذ الحظر امتثالاً لقرار الخزانة، ليصبح العراق بذلك السبّاق عالمياً في الإعلان عن التنفيذ.
على الأرض، استغرق التطبيق الفعلي بضعة أيام: فبحلول الجمعة 25 أيلول، امتثلت المطارات العراقية الحيوية بالكامل. ففي مطار النجف، توقفت نحو 18 رحلة يومية كانت تُسيّرها 9 شركات طيران إيرانية مختلفة، بينما أعلنت شركة "ماهان إير" الإيرانية إلغاء رحلاتها إلى مطاري أربيل والسليمانية في إقليم كردستان بعد إبلاغها بمنعها من التسيير. ومن الجانب الإيراني، أعلنت هيئة الطيران المدني الإيرانية إلغاء رحلاتها بين طهران وبغداد ومسقط اعتباراً من منتصف ليل الأربعاء، مع محاولة تحويل الرحلات المتجهة إلى بغداد نحو مطار النجف بدلاً منها.
دول أخرى طبّقت الحظر
العراق لم يكن الحالة الوحيدة، وإن كان الأسرع في الإعلان فقد أعلنت الخطوط الجوية الأذربيجانية أن باكو علّقت استقبال رحلات شركات الطيران الإيرانية اعتباراً من 22 أيلول، بسبب حزمة العقوبات الأميركية الجديدة.
كما حظرت دخول شركات الطيران الإيرانية عبر أراضيها اعتباراً من 21 أيلول، أي في اليوم نفسه لإعلان بيسنت.
اما تركيا فالتزمت بشكل جزئي أولاً؛ فبعد حزمة عقوبات 8 أيلول التي استهدفت "ماهان إير" بتهمة شراء طائرات بوينغ 777 عبر شبكة تحويل مرّت بالإمارات وعُمان، منعت أنقرة هذه الشركة بالتحديد من التحليق إليها، بينما ظلت شركات إيرانية أخرى قادرة على التشغيل بين البلدين "حالياً" بحسب مسؤول تركي. بالتوازي، أوقفت الخطوط الجوية التركية (الناقل الوطني) جميع رحلاتها الخاصة إلى إيران حتى آذار/ مارس 2027 على الأقل.
طيران الإمارات ايضا أوقف رحلاته إلى طهران، وعلّقت "لوفتهانزا" و"النمساوية" رحلاتهما من وإلى إيران حتى 24 تشرين الأول على الأقل، وعلّقت الخطوط القطرية رحلاتها بسبب قيود على المجال الجوي مع جدولة مؤقتة للعودة في 29 تشرين الثاني - وإن كانت هذه الحالات مرتبطة بمخاوف تشغيلية وأمنية أوسع، إضافة إلى مخاطر العقوبات، لا بقرار مباشر لحظر شركات إيرانية من الهبوط في تلك الدول.
الاحتقان الداخلي في العراق
الامتثال السريع للحكومة العراقية لم يمرّ دون رد فعل داخلي. فبعد يوم واحد من تطبيق الحظر في المطارات، وصف معاون الأمين العام لحركة "النجباء"، حسين الموسوي (24 أيلول)، عدم استقبال الطائرات الإيرانية بأنه "انبطاح لقرارات المحتل الأميركي"، بينما اعتبر فصيل "كتائب حزب الله" أن الشركات التي طبّقت الحظر "خانعة" للقرارات الأميركية، ودعا العراقيين إلى "كسر" هذا الحصار. وبحلول (26 أيلول)، تصاعد الموقف إلى مستوى أعلى، بإعلان فصائل وأطراف سياسية عزمها التحرك عبر الاحتجاجات والاعتصامات داخل المطارات نفسها، وهو الضغط الذي يبدو أنه دفع الحكومة إلى موازاة الامتثال بطلب الاستثناء الإنساني الذي فتحت به هذه القصة.
حملة أمريكية متصاعدة منذ الصيف
قرار 21 أيلول لم يكن معزولاً، بل حلقة أخيرة في حملة عقوبات أمريكية متدرجة استهدفت قطاع الطيران الإيراني منذ أشهر: تهديد أولي في 28 أيار بمنع الطيران الإيراني من الوقود وخدمات الهبوط، ثم إطلاق حملة "النبذ الاقتصادي" في 24 آب بعقوبات على قرابة 60 كياناً وشخصاً وسفينة، شملت خمسة قطاعات من ضمنها الطيران، مع تحديد جدول زمني لكل دولة لقطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وإلا واجهت إجراءات أحادية من الخزانة. وكل ذلك جرى في ظل حرب أميركية-إسرائيلية على إيران بدأت في 28 شباط 2026، وأنهكت اقتصاد العراق نفسه مسبقاً عبر إغلاق مضيق هرمز وشبه توقف صادراته النفطية التي تمثل نحو 90 في المئة من واردات ميزانيته العامة.