اخر الاخبار

يصل الراتب إلى يد العامل مرة في الشهر، لكن سرعان ما يتوزع بين أجور النقل والفواتير والطعام والتعليم ومصاريف المنزل، ليجد كثيرون أنفسهم أمام دخل ينتهي قبل أن ينتهي الشهر. ومع ثبات الأجور لسنوات مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، لم تعد المشكلة في مقدار ما يتقاضاه العامل فقط، بل في مقدار ما يستطيع هذا الدخل أن يشتريه فعلياً!

أجور العاملين متدنية جدا

تقول رؤى خلف، ناشطة سياسية وحقوقية، إن دراسة بحثية أعدتها بشأن أجور العامل العراقي أظهرت أن الحد الأدنى للأجور لم يعد يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم الاقتصادي.

وتوضح خلف لـ"طريق الشعب" أن الحد الأدنى للأجر، وفق تقديرات الدراسة، يفترض أن يتراوح بين مليون ونصف ومليونَي دينار عراقي شهرياً، حتى يتمكن العامل من تغطية تكاليف المعيشة الأساسية، من الماء والكهرباء والنقل وبقية الاحتياجات اليومية.

وتضيف أن التعليم أيضاً لم يعد مجانياً بالكامل، حتى في المدارس الحكومية، في ظل اضطرار كثير من الأسر إلى دفع أجور النقل المدرسي وتكاليف أخرى مرتبطة بالتعليم.

وتشير إلى أن الحد الأدنى لأجر العامل غير الماهر يبلغ حالياً نحو 350 ألف دينار، وهو مبلغ لا يتناسب مع تكاليف المعيشة، لافتة إلى أن المشكلة لا تقتصر على العمال، إذ إن أصحاب الشهادات أيضاً يتقاضون في حالات كثيرة أجوراً متقاربة، ما يجعل الفارق بين المؤهلات والأجور محدوداً.

راتب لا يسد متطلبات اساسية

تعمل سما في محل ملابس في بغداد براتب شهري يبلغ 450 ألف دينار، إلا أن جزءاً كبيراً منه يذهب إلى أجور النقل، التي تصل إلى نحو 150 ألف دينار شهرياً.

وبين العمل والجامعة، تحاول سما توزيع ما يتبقى من راتبها بين أقساط دراستها ومصاريفها اليومية، إلى جانب مساهمتها في نفقات المنزل، إذ لا يكفي راتب والدها لتغطية احتياجات الأسرة، خصوصاً مع التزامه بدفع إيجار البيت.

وتقول سما إن راتبها ينقسم بين أكثر من حاجة أساسية، فلا تستطيع التعامل معه كدخل شخصي بالكامل، فهناك الجامعة والنقل ومصاريف المنزل التي تشارك فيها أسرتها. ومع مرور أيام الشهر، تجد نفسها مضطرة إلى حساب مصروفها بدقة وتأجيل بعض احتياجاتها إلى وقت آخر.

وتوضح سما أن راتبها لا يتيح لها فرصة للتخطيط للمستقبل أو ادخار أي مبلغ، إذ يُنفق بالكامل على متطلبات الحياة اليومية، لتجد نفسها مع نهاية كل شهر من دون مبلغ يمكن الاحتفاظ به أو الاعتماد عليه عند الحاجة.

انخفاض القوة الشرائية

من جهته، يقول الباحث الاقتصادي عبد الله نجم إن مشكلة الأجر في العراق لا تتعلق فقط بانخفاض قيمة الراتب، وإنما بوجود فجوة متزايدة بين نمو الدخول وتكاليف المعيشة، موضحاً أن بقاء الحد الأدنى للأجور عند مستوى ثابت لسنوات يعني أن الأجر الاسمي قد يبقى كما هو، لكن قيمته الحقيقية تتراجع كلما ارتفعت أسعار السلع والخدمات.

ويبين نجم لـ"طريق الشعب" أن العامل لا ينفق دخله على الغذاء وحده، بل يواجه مجموعة من النفقات الثابتة وشبه الثابتة، مثل السكن والنقل والتعليم والصحة والخدمات، وهي نفقات لا يمكن خفضها بسهولة، لذلك فإن ارتفاعها يضغط مباشرة على الجزء المتاح من دخل الأسرة للادخار أو الإنفاق على احتياجات أخرى.

ويشير إلى أن انخفاض القوة الشرائية لا ينعكس على مستوى معيشة العامل فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد بصورة أوسع، لأن انخفاض الدخل الحقيقي يحد من قدرة الأسر على الاستهلاك والادخار، مؤكداً أن ذلك يدفع العامل إلى البحث عن عمل إضافي أو زيادة ساعات العمل لتغطية النفقات، ما يجعل الأجر غير الكافي عاملاً مؤثراً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسرة.

ويضيف نجم أن معالجة فجوة الأجور تحتاج إلى النظر إلى الأجر باعتباره مؤشراً اقتصادياً متغيراً، وليس رقماً ثابتاً، عبر مراجعة الحد الأدنى للأجور بصورة دورية وفق مؤشرات واضحة تشمل التضخم وكلفة المعيشة والإنتاجية، مع مراعاة قدرة أصحاب العمل، ولا سيما المشاريع الصغيرة، على تحمل أي زيادة في كلفة العمالة.

ويؤكد نجم أن رفع الأجور وحده لا يعالج المشكلة إذا استمرت كلفة السكن والنقل والخدمات بالارتفاع، لذلك ينبغي أن تترافق سياسة الأجور مع سياسات تستهدف خفض تكاليف المعيشة، لأن زيادة الدخل قد تفقد جزءاً من أثرها إذا التهمتها الزيادات السعرية في السلع والخدمات الأساسية.

خبير اقتصادي: فجوة تصل إلى 3000 في المائة!

من جهته أكد الخبير الاقتصادي والاكاديمي د. نبيل المرسومي أن إعادة تنظيم سلم الرواتب في العراق باتت ضرورة ملحّة لمعالجة الفجوة الكبيرة بين رواتب الموظفين والمتقاعدين، محذراً من انعكاسات ذلك على العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي.

وقال المرسومي، إن الحد الأدنى لرواتب الموظفين يبلغ نحو 300 ألف دينار شهرياً، مقابل نحو 9 ملايين دينار كحد أعلى، ما يعني وجود فجوة تصل إلى 3000 بالمئة، وهذه تكون أكبر بكثير عند احتساب الامتيازات والمخصصات في بعض الوزارات.

وأضاف أن رواتب المتقاعدين تشهد تفاوتاً واضحاً أيضاً، إذ يبلغ الحد الأدنى نحو 500 ألف دينار، فيما يصل الحد الأعلى إلى 4 ملايين دينار شهرياً، بفجوة تصل إلى 800 بالمئة.

وأشار المرسومي إلى أن هذه الأرقام تعكس خللاً واضحاً في توزيع الرواتب وضعفاً في تحقيق العدالة الاجتماعية، فضلاً عن مساهمتها في هدر المال العام وخلق بيئة قد تساعد على تفشي الفساد وتعميق الفوارق داخل المجتمع.

وشدد على أهمية وضع سلم جديد للرواتب يحقق قدراً أكبر من العدالة بين الموظفين، مع مراعاة طبيعة الأعمال والمخاطر والمهارات المختلفة، بما يسهم أيضاً في ترشيد النفقات العامة.