اخر الاخبار

ربما لم يكن الكثيرون يتخيلون أن يحصل حلف الناتو على "جائزة صلح وستفاليا الدولية" بحجة أنه يضمن "الأمن والسلام" ويخدم "قضية السلام"؛ وذلك حسبما صرح فريدريش ميرتس المحسوب على شركة "بلاك روك"، أكبر شركة لإدارة الأصول والاستثمارات في العالم خلال حفل تسليم الجائزة.

في الأول من تشرين الأول الحالي. أكتوبر، مُنح حلف الناتو في مدينة مونستر الألمانية "جائزة صلح وستفاليا الدولية" لعام 2026. وقد تسلّم السكرتير العام للحلف، مارك روته، الجائزة نيابةً عن الحلف، بينما ألقى المستشار الألماني وزعيم الحزب الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتس كلمة اشادة باسم الحزب، أكد فيها ان حلف الناتو يمثل ضمانة للأمن والسلام. وكان ميرتس عضوا في لجنة التحكيم التي ضمت أبرز شخصيات النظام السائد، بما في ذلك رئيس جمهورية المانيا الاتحادية فرانك فالتر شتاينماير.

 خلافاً للانطباع الذي أريد عكسه من خلال الحضور الإعلامي ومشاركة السياسيين في لجنة التحكيم، فإن الجهة المانحة لهذه الجائزة —وهي "الجمعية الاقتصادية لويستفاليا وليبه. تُعد جمعية خاصة تضم في صفوفها جماعات ضغط (لوبي) تابعة للمجمع الصناعي العسكري؛ ومن الأمثلة على ذلك عضو لجنة التحكيم وعضو المجلس الإشراف لشركة "راينميتال للصناعات العسكرية، وزعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأسبق سيغمار غابرييل.

وقبل حفل منح الجائزة بيوم واحد، صرح روته لقناة "ايرو نيوز": "لم تكن أوروبا قادرة على تحييد القدرات النووية الإيرانية؛ لم نتمكن من ذلك. لكننا سنمتلك القدرة على فعل ذلك خلال عشر سنوات؛ إذ يمكننا القيام به، وعلينا القيام به.

كما ينبغي أن تقع على عاتقنا مسؤولية التعامل مع الحوثيين في البحر الأحمر، وليس على عاتق الأمريكيين ".

سجل حافل بالغزو

في 24 مارس 1999، شنّ حلف الناتو حرباً جوية ضد جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية آنذاك، وذلك دون تفويض من مجلس الأمن الدولي. استمر تساقط القنابل لمدة 78 يوماً، بدعوى الحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية؛ إلا أن المصالح المادية وعواقبها تظل ماثلة للعيان خلف شعارات حقوق الإنسان: مناطق خاضعة للوصاية، واقتصادات تابعة، ودساتير مفصّلة على أسس عرقية، وإدارة مُسيَّرة من الخارج.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومجلس التعاضد الاقتصادي (الكوميكون)، طُرحت مسألة إعادة تشكيل الأوضاع في أوروبا الشرقية والجنوبية الشرقية. وقد مثّلت يوغوسلافيا آنذاك عنصراً معرقلاً؛ إذ كان جزء كبير من اقتصادها ما يزال خاضعاً للملكية الاجتماعية أو الحكومية، كما أن البلاد لم تكن تسعى للانضمام إلى حلف الناتو وحافظت على علاقات وثيقة مع روسيا.

وفي خضم حربٍ انتهكت القانون الدولي، أقرّ حلف الناتو -خلال قمة واشنطن في أبريل 1999- مفهوماً استراتيجياً جديداً نصّ على تنفيذ عمليات عسكرية خارج نطاق أراضي الحلف وتجاوز الغرض الدفاعي الذي كان يُروَّج له علناً. وكانت يوغوسلافيا بمثابة ميدان تجربة العقيدة الهيمنة الجديدة.

القنابل أولا ثم تأتي الجوائز

كانت حرب الناتو عام 1999 بمثابة اللبنة الأخيرة في عملية تفكيك يوغوسلافيا؛ فقد فتحت الباب أمام رأس المال الغربي ليدخل آخر اقتصاد غير مندمج في المنطقة، وأسست لوجود عسكري دائم عبر قاعدة "كامب بوندستيل"، كما أرست سابقة لانتهاك ميثاق الأمم المتحدة.

في 13 أيار 1999، وبينما كانت القنابل تتساقط، حصل توني بلير -أحد أكثر المحرضين حماسةً على الحرب- على جائزة "شارلمان" في مدينة آخن الألمانية.

وتلاه بيل كلينتون عام 2000، الذي وصف حرب كوسوفو في آخن بأنها "واحدة من أروع لحظات تحالفنا"، ثم خافيير سولانا عام 2007، الذي كان يشغل منصب الأمين العام لحلف الناتو عام 1999.

والآن، في الأول من تشرين الأول 2026، كرمت مدينة مونستر حلف الناتو نفسه بمنحه "الجائزة الدولية لسلام وستفاليا". وفي كلمته التكريمية، أشاد المستشار ميرتس بحلف الناتو باعتباره "أقوى قوة عسكرية في التاريخ"، معتبراً أنه "يخدم السلام". وهكذا، وباسم "سلام وستفاليا" -الذي كان في الأصل اتفاقية تنظيمية للإمبراطورية عام 1648 وليس سلاماً أوروبياً شاملاً- يجري الاحتفاء بحلف الناتو الذي دمر سيادة العديد من البلدان.

وقد هنأت منظمة "باكس كريستي للسلام التابعة للكنيسة الكاثوليكية في المانيا بسخرية، عندما اشارت للناتو باعتباره "أكبر حركة سلام في العالم"، بينما شبّه أحد المعلقين في صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ هذا التكريم بمنح جائزة للنباتيين إلى نقابة الجزارين.

لقد تمخضت حرب الناتو عن دويلات صغيرة قائمة على أسس عرقية عند أطراف الاتحاد الأوروبي؛ دويلات تحولت إلى مجرد امتدادات صناعية ومخزون للعمالة الرخيصة، خاضعة لشروط الانضمام للاتحاد ولوجود عسكري دائم. تستمر عملية إضفاء الطابع العرقي على السياسة لأنها تخدم الحكام وتحجب المسألة الطبقية.