بين ساعات الانتظار الطويلة في الشوارع، وارتفاع نفقات التنقل، وتأخر الوصول إلى أماكن العمل، تحولت الازدحامات المرورية في بغداد إلى عبء يومي تتجاوز آثاره حدود الحركة والسير. ولا يقتصر الأمر على الوقود والوقت، بل يمتد إلى الإنتاجية الاقتصادية وجودة حياة المواطنين، فيما يترك التوتر المتكرر في الطرق انعكاساته على الراحة النفسية والعلاقات اليومية.
ويربط مختصون تفاقم المشكلة بسوء التخطيط وتوزيع المؤسسات والخدمات، فيما تبرز الحاجة إلى حلول تتعامل مع الازدحام بوصفه قضية اقتصادية واجتماعية ونفسية، لا مجرد أزمة مرورية.
الكلفة الاقتصادية تتجاوز المليار سنوياً
يقول رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، أن الاختناقات المرورية تمثل تحدياً اقتصادياً يؤثر في سوق العمل وكفاءة النشاط الاقتصادي.
وقال الغراوي لـ"طريق الشعب" إن العاملين يفقدون جزءاً من وقتهم اليومي في الطرق المزدحمة، بدلاً من استثماره في العمل والإنتاج، مشيراً إلى أن تقريراً دولياً يعود لعام 2023 أورد أن الموظفين في المدن الكبرى يخسرون نحو 100 إلى 150 ساعة سنوياً بسبب الازدحامات، فيما قد تتراوح الخسائر الاقتصادية المرتبطة بها بين 2 و5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول.
وأضاف أن تداعيات الازدحام تتجاوز الوقت الضائع، إذ يؤدي استهلاك الوقود خلال التنقل البطيء والتوقف المتكرر إلى زيادة نفقات النقل والخدمات اللوجستية، ما يضيف أعباءً مالية على المواطنين والشركات.
ولفت الغراوي إلى أن تقديرات الكلفة الاقتصادية للازدحامات في المدن الكبرى قد تصل إلى مليار أو ملياري دولار سنوياً، نتيجة هدر الوقت واستهلاك الوقود ونفقات صيانة البنية التحتية، مؤكداً أن صعوبة الوصول إلى أماكن العمل تنعكس سلباً على ساعات العمل الفعلية وكفاءة استخدام الموارد البشرية.
وتبرز هذه المعطيات، بحسب ما طرحه الغراوي، أهمية التعامل مع الازدحامات بوصفها قضية اقتصادية لا مرورية فحسب، لما تتركه من آثار على إنتاجية العاملين وكلف النشاط اليومي.
سوء التخطيط والتوزيع الإداري
من جهته، يقول الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن إن الازدحامات المرورية في بغداد لا ترتبط بالطرق وحدها، بل تتفاقم أيضاً بسبب سوء توزيع الدوائر الحكومية وغياب التخطيط الاقتصادي والإداري، مشيراً إلى أن جمع المؤسسات التي يحتاج المواطن إلى مراجعتها في منطقة واحدة من شأنه تقليل التنقل وتخفيف الضغط على الشوارع.
ويضيف حسن لـ"طريق الشعب" إن بعض المناطق، مثل أبو غريب، تضم دوائر متعددة يمكن للمواطن إنجاز معاملاته فيها من دون الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة، لافتاً إلى أن جمع دوائر البلدية والضريبة والتسجيل العقاري في مواقع متقاربة من شأنه تقليل استخدام السيارات واستهلاك الوقود والوقت.
ويشير الى أن معالجة الازدحامات لا تقتصر على إنشاء الجسور والطرق الجديدة، بل تتطلب أيضاً إعادة النظر في توزيع المؤسسات الحكومية، مستشهداً بوجود دوائر تستأجر مباني في مناطق مختلفة، رغم امتلاك الدولة عقارات يمكن الاستفادة منها لتقليل النفقات وتحسين الخدمات.
ويبين حسن أن خسائر الازدحامات لا تقتصر على الوقود والطاقة، بل تمتد إلى تعطيل مصالح المواطنين وإهدار ساعات العمل، فضلاً عن ضعف كفاءة إنجاز المعاملات بسبب محدودية ساعات العمل الفعلية وانقطاع الكهرباء أو توقف الأنظمة الإلكترونية.
ويكشف، استناداً إلى متابعته لعمل بعض الدوائر العقارية، عن مشكلات تتعلق بتأخر فتح الشبابيك المخصصة لإنجاز المعاملات، رغم بدء الدوام الرسمي، موضحاً أن بعض المواطنين يراجعون دوائر تخدم مناطق واسعة، ما يزيد الضغط عليها ويطيل مدة الانتظار.
ويؤكد أن تقليل هذه الخسائر يتطلب حلولاً إدارية واقتصادية واضحة، من بينها إعادة توزيع الدوائر الحكومية، واستثمار العقارات المملوكة للدولة، وتحسين كفاءة العمل داخل المؤسسات، إلى جانب تطوير شبكة الطرق، داعياً الجهات المعنية إلى الاستماع إلى المقترحات الفنية التي يمكن أن تسهم في الحد من الهدر اليومي للوقت والموارد.
عامل مؤثر في كلف السلع والخدمات
وبحسب المختص في الشأن الاقتصادي عبد الله نجم، فإن الازدحامات تمثل كلفة اقتصادية يومية لا تقتصر على الوقت الذي يقضيه المواطن في الطريق، بل تشمل الوقود المستهلك، وكلف تشغيل المركبات، وتعطيل ساعات العمل، وتأخر وصول البضائع والخدمات، مبيناً أن تراكم هذه الخسائر يؤثر في كفاءة النشاط الاقتصادي، حتى إن لم تظهر بصورة مباشرة في الحسابات المالية.
يقول نجم في تعليق لـ"طريق الشعب" إن تحديد حجم الخسائر الاقتصادية في العراق يتطلب دراسة محلية تقيس عدد ساعات التأخير، ومعدلات استهلاك الوقود خلال أوقات الذروة، وأعداد المركبات المستخدمة يومياً، فضلاً عن قيمة الوقت المهدور وكلف النقل التجاري. وأظهرت دراسة منشورة عام 2026، تناولت تأثير الازدحام في استهلاك الوقود والانبعاثات في بغداد باستخدام المحاكاة، أن ارتفاع مستويات الازدحام يرتبط بزيادة استهلاك الوقود، لكنها لم تقدم تقديراً نقدياً شاملاً للخسائر الاقتصادية على مستوى المدينة.
ويعلق نجم، أن هذه الكلف تنعكس على الأفراد وأصحاب الأعمال بطرق مختلفة؛ فالمواطن يتحمل نفقات إضافية نتيجة طول مدة التنقل، فيما تواجه الشركات ارتفاعاً في كلف نقل البضائع وتوزيعها وتأخر وصولها إلى الأسواق، وقد تدفع هذه الأعباء بعض الأنشطة التجارية إلى رفع أسعار خدماتها أو سلعها، بحسب طبيعة النشاط وقدرته على استيعاب التكاليف، ما يجعل الازدحام عاملاً من العوامل المؤثرة في الكلفة النهائية للسلع والخدمات.
ويتابع أن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على إنشاء الجسور وتوسعة الشوارع، بل تتطلب تطوير النقل العام، وتحسين إدارة حركة المرور، وإعادة تنظيم مواقع الدوائر الحكومية بما يقلل حاجة المواطنين إلى التنقل بين مناطق متباعدة، إلى جانب اعتماد تخطيط حضري يراعي توزيع السكان ومراكز العمل والخدمات.
ويختتم بالقول إن وضع حلول مستدامة للازدحامات يتطلب الانتقال من المعالجات الآنية إلى التخطيط القائم على البيانات، عبر قياس حجم الاختناقات وأسبابها وكلفها بصورة دورية، لتحديد أولويات الإنفاق العام وتوجيه الاستثمارات إلى المشاريع الأكثر قدرة على تقليل الهدر الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين.
مصدر ضغط نفسي يومي
من جانبها، تقول الأخصائية النفسية بلقيس الزاملي إن الازدحامات المرورية المتكررة لا تقتصر آثارها على إهدار الوقت، بل قد تتحول إلى مصدر ضغط نفسي يومي، خصوصاً عندما يضطر الأشخاص إلى قضاء ساعات طويلة في الطرق مع القلق من التأخر عن العمل أو المواعيد والالتزامات العائلية.
وتوضح لـ"طريق الشعب"، أن الوقوف لفترات طويلة في الازدحامات، مع الضوضاء وارتفاع درجات الحرارة والشعور بفقدان السيطرة على الوقت، قد يزيد التوتر والعصبية والإرهاق، وينعكس على قدرة الشخص على التركيز وأداء مهامه اليومية. وقد تنتقل آثار هذا الضغط إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية، عندما يعود الشخص إلى منزله وهو متعب أو سريع الانفعال.
وتضيف أن تكرار هذه التجربة يومياً قد يقلل الوقت المتاح للراحة والنوم والأنشطة الشخصية، ويزيد الشعور بالإجهاد، ولا سيما لدى الأشخاص الذين ترتبط أعمالهم بمواعيد صارمة أو الذين يضطرون إلى التنقل لمسافات طويلة.
وتؤكد أن التعامل مع هذه المشكلة لا ينبغي أن يقتصر على مطالبة الأفراد بضبط أعصابهم، بل يتطلب حلولاً تقلل ساعات الانتظار وتوفر وسائل نقل أكثر كفاءة، لأن تخفيف الضغط المروري يساعد على تحسين جودة الحياة اليومية ويمنح الأفراد وقتاً أكبر للراحة والاستقرار النفسي.