ناقشت الندوة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «طريق الشعب» الحادي عشر، التي حملت عنوان «أهمية التنوير الاقتصادي الرقمي»، واقع الاقتصاد العراقي وأبرز الاختلالات الهيكلية في إدارة الدولة والسياسات المالية والنقدية، وسط تحذيرات من استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية والإنفاق التقليدي وتراجع استقلالية المؤسسات الاقتصادية.
أدار الندوة الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، واستضافت الدكتور مجيد الجبوري والدكتور علي دعدوش. وتناولت إصلاح الموازنة العامة وترشيد الإنفاق الحكومي وتطوير الأنظمة المالية وتعزيز دور الخبرات الاقتصادية في رسم السياسات العامة.
التنوير الرقمي.. يوسّع دائرة المعرفة الاقتصادية
ابتدأ عبد ربه حديثه بالإشارة إلى أن الاقتصاد الرقمي أصبح جزءاً مهماً من الحياة الاقتصادية، وامتد تأثيره إلى حياة المواطن البسيط.
وقال أن الوسائل التقليدية لم تعد كافية لإيصال المعلومات الاقتصادية، وأن التنوير الرقمي أخرجها من نطاق المختصين إلى عموم المجتمع، إذ بات المواطنون، ومنهم غير المتعلمين، يرغبون في معرفة موضوعات مثل الموازنة والسياسة النقدية والسياسة المالية، وأتاحت الأدوات الرقمية فهم هذه المفاهيم على نطاق أوسع.
التحول الرقمي: ركيزة تحتاج.. إلى تشريعات وبنية تحتية وثقافة
فيما رأى د. مجيد الجبوري أن التحول الرقمي ركيزة أساسية لبناء الاقتصاد العراقي، لكنه يتطلب تطوير المنظومة التشريعية بما ينسجم مع متطلباته، واستثمار قدرات المؤسسات المالية، وتوجيه التطور التكنولوجي توجيهاً صحيحاً.
وقال إن الاقتصاد العراقي يعاني أزمات متعددة طالت مفاصل إدارة الدولة، وإن المواطن بات الضحية المباشرة لسياسات تراكمت أخطاؤها سنوات؛ ففي كثير من دول العالم لا يشعر المواطن مباشرةً بتفاصيل السياسات المالية والنقدية، أما في العراق فأي ارتباك اقتصادي أو سياسة مالية خاطئة أو نقدية متخبطة تنعكس عليه أولاً.
وحذّر من أن تراكم المشكلات واتساع فجوتها، في ظل فكر اقتصادي متخلف وأدوات عشوائية، قد يقود إلى مرحلة يصبح فيها الانهيار الاقتصادي واقعاً يصعب تداركه.
التنوير الاقتصادي والرقمي
من جهته، قال د. علي دعدوش إن التحول الرقمي مهم في المجتمعات المتقدمة، لكنه مرتبط بتطور البنية التحتية للدولة وبالانتقال من التعاملات النقدية إلى الإلكترونية، ومنها الدفع بالبطاقات.
وأضاف أن العراق لا يمتلك حالياً البنية اللازمة لإنجازه كما ينبغي، وأن الوصول إليه يتطلب بناء ثقافة مجتمعية تبدأ بالتنوير الاقتصادي والرقمي ولا تقتصر على فئة دون أخرى.
وضرب مثالاً بالمواطن الذي يتقاضى راتبه ويحتاج إلى معرفة كيفية الحصول على أمواله وحماية نفسه من الاحتيال، مشيراً إلى اتصالات مواطنين يسألون عن عدم تمكنهم من سحب رواتبهم أو العثور عليها في حساباتهم، وهو ما يعكس، برأيه، نقصاً في الثقافة المصرفية والرقمية.
وانتقد دعدوش فرض التحول الإلكتروني على المواطنين فجأةً في الحكومة السابقة دون تهيئتهم، مؤكداً أنه لا يتحقق بين ليلة وضحاها؛ فحتى المجتمعات المتقدمة لم تنتقل إليه دفعة واحدة، وفي سويسرا، بحسب قوله، فئات تعارضه، ولا سيما من كبار السن. وأوضح أن التحول يسهم على مستوى الدولة في ترشيد النفقات وتقليل المعاملات الورقية وأعبائها المالية والإدارية.
واستذكر أن التحويلات التجارية جرت من عام 2004 أو 2006 حتى عام 2022 عبر الهاتف مباشرة، قبل أن تتغير الآليات عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي الذي دفع نحو اعتماد نظام «سويفت».
وقال إن إلزام التجار بفتح حسابات مصرفية رسمية زاد الشمول المالي، لكنه لم يجرِ كما ينبغي، إذ استغل بعض أصحاب النفوذ التحول في عمليات فساد، منها غسل الأموال، مستفيدين من اختلالات الاقتصاد العراقي.
موازنة متضخمة وتخطيط مالي ضعيف
انتقل الجبوري إلى السياسة المالية، معتبراً أنها تواجه مشكلات كبيرة في إعداد الموازنة الاتحادية، في وقت يعاني فيه العراق عجزاً مالياً وأزمة مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في مضيق هرمز. ووصف الموازنة المطروحة، البالغة نحو 217 تريليون دينار، بالمتضخمة، مؤكداً أنها لا تعكس بصورة واقعية مشكلات الاقتصاد، في غياب إجراءات جدية لضغط الإنفاق وإلغاء النفقات الكمالية.
وقال إن العراق كان بوسعه، في ظل الأزمة، اعتماد موازنة أكثر واقعية تتراوح بين 158 و160 تريليون دينار، مع حصر الإنفاق التشغيلي في حدود مدروسة.
ولفت إلى أن المشكلة لا تتعلق بحجم الإنفاق وحده، بل بقدرة الدولة على الصرف وتحقيق الإيرادات، فالاقتصاد يعتمد على النفط بنسبة تصل إلى 95%، والبلاد تواجه صعوبات في تصديره.
وتساءل عن جدوى موازنة ضخمة في هذه الظروف، مؤكداً أن التخطيط المالي ينبغي أن يستند إلى الإيرادات المتوقعة فعلاً لا إلى تقديرات مبالغ فيها.
وشدد دعدوش على أن الاقتصاد العراقي يعاني اختلالاً هيكلياً، يتمثل في غياب اقتصاد سوق متكامل، والاعتماد على سلعة واحدة هي النفط لتمويل بنود الموازنة، واستمرار أسلوب إعدادها التقليدي رغم تغير المعطيات.
وأشار إلى أن مشروع موازنة 2027 تضمن عجزاً معلناً بنحو 43 تريليون دينار، لكن حساباته تشير إلى إمكانية تحوله إلى فائض يصل إلى 4 تريليونات، موضحاً أن الموازنات التقليدية قد تصدر بعجز وتنتهي بفائض بسبب طبيعة بنودها وآليات الصرف، ولأن الإنفاق فيها لا يرتبط دائماً ببرامج منتجة تحقق عوائد.
موازنة البرامج والأداء
وقال الجبوري إن وزارة المالية تتجه إلى اعتماد موازنة البرامج والأداء، لكن الموازنة العراقية ما تزال تمزج بينها وبين موازنة البنود بسبب الرواتب والتخصيصات التي لا يمكن التخلي عنها في النظام التقليدي. وبحسب ما عرضه، اقتصر التطبيق على وزارة الكهرباء ومحافظتي الديوانية وصلاح الدين، ولا تتجاوز موازنة البرامج والأداء، وفق الأرقام التي ذكرها، نحو 50 تريليون دينار، متسائلاً عن قدرة هذه الخطوة المحدودة على إحداث نقلة نوعية في قطاع الكهرباء. وأيّد المبدأ بوصفه خطوة إيجابية، ودعا إلى اعتماده تدريجياً وسنوياً بتخصيص 23 إلى 25 في المائة من الموازنة له، ثم زيادة النسبة وصولاً إلى التطبيق الكامل.
وتساءل دعدوش عن طبيعة البرامج المدرجة ضمن وزارتي الكهرباء والتعليم في موازنة 2027 وعن العوائد التي يُفترض أن تحققها.
وقال إن الانتقال من الموازنة التقليدية خطوة مقبولة، وإن دولاً بلغت أساليب أكثر تقدماً كالموازنة الصفرية، لكن الأساس معرفة العائد الذي يحققه كل دينار تنفقه الدولة. وأضاف أن الهدر لا يقتصر على السرقة المتعمدة، بل يشمل إنفاق الأموال دون آلية تحقق عائداً منها، فتضيع الموارد دون بلوغ الأهداف.
وزارة المالية وحساب الخزينة
ورأى الجبوري أن دور وزارة المالية لا ينبغي أن يقتصر على توزيع إيرادات النفط وتغطية الرواتب، فأمامها موارد وأدوات يمكن تنشيطها، منها الضرائب والجمارك والمنافذ الحدودية وأملاك الدولة.
وقال إن الموازنة العامة لم تستند منذ عام 1989 إلى سياسة مالية حقيقية مرسومة وفق رؤية اقتصادية متخصصة، عازياً ذلك إلى استمرار أفكار تقليدية متخلفة.
وأوضح أن الوزارة تحولت عملياً إلى جهة تتسلم الإيرادات النفطية ثم تطلب من البنك المركزي تحويل الدولار إلى الدينار وتمويل حساباتها، وأنها تحتاج إلى عقول مالية متخصصة قادرة على رسم سياسة مالية فعلية.
وعن حساب الخزينة الموحد، أوضح أن الوزارة بدأت تطبيقه عام 2023، لكنه ما زال متعثراً ولم يشمل جميع وحدات الإنفاق، إذ تقدّر نسبة تطبيقه بنحو 85 في المائة.
ويشمل النظام وحدات الإنفاق الممولة مركزياً، وتعاد المبالغ التي لا تُصرف خلال عشرة أيام إلى الخزينة العامة، ما يتيح للوزارة مراقبة الصرف الفعلي ويحد من الهدر. لكنه أشار إلى ثغرات، منها عدم التمييز بين الأمانات التي تعود ملكيتها إلى المواطنين ويحق لهم استردادها والمبالغ التي تمولها الخزينة إنفاقاً نهائياً، وعدم الفصل بوضوح بين أموال الوزارة وأموال الأشخاص والجهات الأخرى. وشدد على أن تطوير أنظمة الإدارة المالية يتطلب بنية تحتية قادرة على استيعابها، داعياً إلى الاستفادة من خبرات شركات أجنبية متخصصة في الأنظمة الضريبية والمحاسبية وغيرها، ومؤكداً أن الاعتراف بالتأخر في هذا المجال ليس عيباً بل خطوة ضرورية للمعالجة.
الدينار الرقمي والثقة بالمصارف
وطرح عبد ربه موضوع الدينار الرقمي، مشيراً إلى أن البنك المركزي تحدث عن المشروع قبل أن تظهر أفكار تتعلق بسحب أموال المواطنين وإعادة إصدارها بعد حذف الأصفار، بحيث يتسلم المواطن مقابل مليون دينار، على سبيل المثال، نصف المبلغ نقداً والنصف الآخر رقمياً. وتساءل عما إذا كان ذلك يعالج مشكلة الأموال المخزونة في المنازل، أم أن المشكلة تكمن في ضعف ثقة المواطنين بالمصارف وفي افتقار المجتمع إلى ثقافة التعامل مع الدينار الرقمي.
وأجاب دعدوش بأن العراق لا يمتلك حتى الآن البنية المطلوبة للتحول إلى الدينار الرقمي، مستذكراً أن محافظ البنك المركزي السابق الدكتور علي العلاق أجابه بذلك حين سأله عن أسباب عدم الانتقال إليه. وأوضح أن البنية لا تعني الأجهزة والمعدات فحسب، بل الكوادر البشرية والموارد أيضاً، وأن اعتماد جزء من المبلغ نقداً والآخر عبر البطاقات لا يحل مشكلة الثقة بالمصارف، خصوصاً بعد العقوبات والإجراءات التي طالت بعضها، ومنها مصرف الطيف ومصرف التنمية.
العقوبات المصرفية وإصلاح القطاع
وقال دعدوش إن العقوبات المصرفية ينبغي أن تُقرأ في ضوء علاقة المصارف العراقية بالنظام المالي الدولي؛ فالاحتياطي الفيدرالي يفرض متطلبات لمكافحة الفساد وغسل الأموال معمولاً بها في مختلف دول العالم، لكن بعض العقوبات، بحسب تقديره، ارتبطت أيضاً بتعامل مصارف عراقية مع إيران خارج منظومة «سويفت». وأضاف أن الشركات التي قيّمت المصارف، ومنها «أوليفر وايمان» وشركة أخرى، لم تجد، وفق ما أشار إليه، ثغرات تتعلق بغسل الأموال في بعض الحالات، وكان التعامل مع إيران من بين أسباب العقوبات. ورأى أن معالجة الملف تتطلب تفاهمات بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة والاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأميركية، مشيراً إلى أن حجم التجارة بين العراق وإيران يبلغ نحو 12 مليار دولار، يتعلق نحو 4 إلى 5 مليارات منها بالتعاملات الحكومية والباقي بالقطاع الخاص. ولفت إلى أن تغيير وجهة الاستيراد والتجارة لا يتم بين ليلة وضحاها، لأن العائلات اعتادت منتجات معينة قد لا تجد بدائلها بسهولة، والتجار يحتاجون إلى وقت لإيجاد طرق نقل وأسواق ومصادر بديلة ودراسة جدواها.
وأشار عبد ربه إلى أن عدداً من الاقتصاديين يرون أن الإصلاح الاقتصادي يبدأ من القطاع المصرفي، وأن الحديث عن التنمية والاقتصاد الرقمي والدينار الرقمي لا يكون واقعياً في غياب نظام مصرفي متطور. وتوقف عند ما وصفه بالمفارقة، إذ رشحت «أوليفر وايمان» سبعة مصارف، منها مصرف التنمية، للعمل ضمن المرحلة الأولى من الإصلاح، ثم تعرض المصرف للعقوبات، متسائلاً عن السبب في ظل غياب إجابات واضحة، بحسب قوله، من البنك المركزي والاقتصاديين والسياسيين.
وفي رده، رأى الجبوري أن إصلاح النظام المصرفي ليس سهلاً، وأنه يبدأ بمنظومة تشريعية وقانونية تحدد صلاحيات المصارف الحكومية والأهلية. وتساءل عن استقلالية رؤوس أموال المصارف الأهلية، مشيراً إلى أن عدداً منها تأسس، بحسب تقديره، على حصص حزبية وأموال مرتبطة بأحزاب وعائلات لا على أموال حرة. وقال إن الجهات المالية الأميركية والاحتياطي الفيدرالي قادران على معرفة مصادر أموال المصارف ومالكيها وكيفية انتقال الملكية، وإن «أوليفر وايمان» تضع مسارات مالية وقانونية يفترض أن تلتزم بها المصارف. ورفض القول إن هذه الشركات تؤثر في القرار السياسي الأميركي بشأن العقوبات، معتبراً أن المنظومة المالية الأميركية تعمل وفق أسس مؤسسية، وأن على العراق بناء منظومة مماثلة تقوم على وضوح مصادر الأموال والملكية والرقابة، وهو ما يتطلب ترسانة تشريعية حقيقية يتحمل مجلس النواب مسؤولية سنّها.
استقلالية البنك المركزي
قال الجبوري إن البنك المركزي يعاني خللاً يتعلق بالتبعية السياسية، متسائلاً عن سبب بقاء منصب المحافظ بالتكليف سنوات، وعن استقلالية المؤسسة ما دامت الحكومة تتولى تعيينه. وأوضح أن الدستور جعل البنك هيئة مستقلة مسؤولة أمام مجلس النواب لا تابعة للسلطة التنفيذية، وأن تعيين المحافظ من البرلمان يفترض أن يضمن شخصية قوية لا تنحاز إلى طرف سياسي ولا تخضع لضغوط الحكومة. وأشار إلى أن تغيير سعر الصرف كان يجري أحياناً بموافقة المحافظ حين تتجه الحكومة إلى ذلك، مستذكراً موقف المحافظ الأسبق الدكتور سنان الشبيبي، الذي رفض، بحسب قوله، الاستجابة لضغوط الحكومة المتعلقة باستخدام احتياطي البنك أو خفض قيمة الدينار.
وأكد أن البنك المركزي في دول العالم مستقل عن السلطة التنفيذية، ولا ينبغي أن تفرض عليه جهة حكومية سياسة نقدية بعينها، أو أن يتحول إلى محطة لتلبية حاجة وزارة المالية من العملة وخصم السندات والحوالات. وأضاف أن الاستقرار النقدي يتطلب بناءً إدارياً ومؤسسياً قوياً يمنح المحافظ الصلاحيات اللازمة ويختار لهذا الموقع شخصية كفؤة ومستقلة. وانتقد التغييرات المتكررة في سعر الصرف، مشيراً إلى سلسلة ذكر أنها انتقلت من 18 إلى 22 ثم 30 ثم 45 قبل العودة إلى 50، وعدّها تخبطاً في إدارة السياسة الاقتصادية وانعكاساً خطيراً على مستقبل المواطنين، متسائلاً عن دور مجلس النواب في مراقبة هذه السياسات وتعيين شخصية اقتصادية كفؤة ونزيهة وقوية القرار، ومؤكداً أن الاستقلالية لن تتحقق ما دامت الحكومة تهيمن على مؤسسات يفترض أن تكون مستقلة.
من جهته، قال دعدوش إن البنك المركزي ليس معزولاً عن الدولة وعليه المشاركة في معالجة الأزمات، لكن ينبغي التمييز بين التدخل المسؤول في أوقات الأزمات وتحميل السياسة النقدية نتائج الأخطاء المتراكمة في السياسة المالية. وتساءل عن جدوى احتياطيات أجنبية تتجاوز 100 مليار دولار في وقت تواجه فيه البلاد أزمة، مشيراً إلى أن الاحتياطيات ليست أرقاماً محفوظة، بل ترتبط بقدرة البنك على حماية الاقتصاد عند الضرورة، دون أن يعني ذلك تحميله مسؤولية أزمات سببتها السياسات الحكومية.
واستذكر تجربة عام 2016، حين تعاون البنك المركزي مع الجهات الحكومية لمعالجة تداعيات الأزمة التي أعقبت الحرب على تنظيم داعش، ولجأ إلى ما وصفه بـ«التمويل النقدي» (Monetary Financing)، وهو إجراء أشار إليه صندوق النقد الدولي لاحقاً. وبيّن أنه كان ضرورة في ذلك الظرف، مستحضراً أفكار الاقتصادي جون مينارد كينز بشأن تدخل الحكومة في أوقات الكساد، على أن يكون التدخل مؤقتاً ومشروطاً وينتهي بزوال أسباب الأزمة. لكنه أضاف أن الحكومة توسعت فيه بعد عام 2016 حتى أصبح خصم حوالات الخزينة بنداً أساسياً في تمويل عجز الموازنة، متسائلاً عن انسجام ذلك مع استقلالية البنك. وأشار إلى أن المحافظين الذين تعاقبوا على البنك بين عامي 2020 و2026 جرى تغييرهم ثلاث مرات وكانوا يتولون مناصبهم بالوكالة، معتبراً أن ذلك ينعكس سلباً على استقلالية المؤسسة النقدية.
الرواتب ودورة المال والركود
أوضح دعدوش أن رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية تمثل نحو 47 في المائة من الموازنة الجارية، وليست الكتلة الأكبر فيها، إذ يذهب الباقي إلى المشتريات والتحويلات وبقية أبواب الإنفاق. وحذر من أن تأخر صرف الرواتب ثلاثة أشهر قد يؤدي إلى اضطراب اقتصادي واسع، لأن الموظف يتوجه بعد استلام راتبه إلى السوق، فيحرك دورة المال وينعكس ذلك على القطاع الخاص الذي يعتمد جزء كبير منه على الإنفاق الحكومي. وقال إن القطاع الخاص العراقي لا يمتلك، بحسب وصفه، قاعدة إنتاجية مستقلة كافية، ولذلك يتأثر نشاطه مباشرة بتراجع الإنفاق الحكومي.
ولفت إلى أن الأسواق تواجه ركوداً وارتفاعاً في الأسعار، عازياً ذلك إلى «الركود التضخمي» وإلى القرارات الحكومية المتلاحقة، ولا سيما المرتبطة بنظام «أسيكودا»، إذ لا يكاد التاجر يتكيف مع قرار حتى يصدر قرار آخر يعدله أو يلغيه. وأضاف أن العراق يواجه كذلك إشكالية في توقيت تدفق الإيرادات النفطية وتوزيع الرواتب، فإيرادات النفط المباع في شهر معين قد تصل بعد شهرين، وصادرات آب بلغت نحو 5 مليارات دولار، وهو مستوى وصفه بالجيد، وكان يفترض أن ينعكس على انتظام تمويل الرواتب في تشرين الأول. غير أن رواتب بعض الوزارات لم تكن قد صُرفت حتى موعد حديثه، وهو ما اعتبره دليلاً على اضطراب دورة المال واختلالات هيكلية في الاقتصاد.
غياب الرؤية بعيدة المدى
أشار عبد ربه إلى أن الحديث عن سعر الصرف والإصلاح الاقتصادي لم يعد مقتصراً على المختصين، بل بات متداولاً في أوساط اجتماعية مختلفة. وتساءل عن سبب عودة الحديث عن الإصلاح مع كل أزمة، مستذكراً أنه برز في حكومة نوري المالكي عام 2008، ثم في حكومتي حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي، ويعود اليوم مع الأزمة الحالية.
وقال إن انتهاء الأزمة واستئناف تصدير النفط بصورة طبيعية وارتفاع الأسعار قد يؤديان إلى تراجع الاهتمام بالإصلاح كما حدث سابقاً، وإن المطلوب ليس التنظير أو تحميل حكومة بعينها المسؤولية، بل وضع رؤية وخطة استراتيجية طويلة الأمد.
وذكر أن وزارة التخطيط تطلب من الوزارات خططاً خمسية تتضمن أرقاماً وإحصاءات واستراتيجيات للحد من الفقر، لكن نسب الإنجاز تتراوح، بحسب ما ذكر، بين 3 و4 في المائة، وأن الجواب عند السؤال عن السبب أن الخطة لم تُقر بقانون فلا تلتزم بها الوزارات.
ورأى أن العراق يحتاج إلى اتفاق وميثاق سياسي بين الكتل يتضمن رؤية اقتصادية بعيدة المدى تمتد عشرين أو ثلاثين عاماً، على غرار ما تعتمده السعودية وإيران وتركيا.
وحذر من أن استمرار الاختلالات يهدد النظام السياسي نفسه، إذ يعتمد أكثر من 12 مليون مواطن على الرواتب أو الإعانات، متسائلاً عن قدرته على الاستمرار إذا تأخرت هذه المستحقات شهرين أو ثلاثة، ومعتبراً أن الجميع في سفينة واحدة مهددة بالغرق.
وفي تعقيبه، قال الجبوري إنه يتفق مع جزء كبير من الطرح ويختلف في جوانب أخرى، مستشهداً بالتجربة اللبنانية: فمنذ اتفاق الطائف استمرت الخلافات السياسية وبقيت الزعامات وأنماط الإدارة نفسها رغم تعدد المواثيق، متسائلاً عن النتائج التي بلغها الاقتصاد والقطاع المصرفي والسياسات المالية والنقدية في لبنان، ومعتبراً أن استمرار الخلافات وعدم معالجة الاختلالات البنيوية قادا إلى التدهور.
وحذر من انهيار الأنظمة السياسية التي تفتقر إلى مؤسسات تعمل وفق أسس دستورية ووطنية، وتتحول فيها مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة أشخاص وأحزاب وأجندات محددة. وقال إن غياب المؤسسات الحقيقية يجعل الانهيار أمراً حتمياً، وإن العراق لا يُختزل بزعيم سياسي لأن الزعماء يذهبون ويأتي غيرهم، فيما ينبغي أن تقوم الدولة على مؤسسات راسخة لا ترتبط بالأشخاص.
ورأى أن وصف القادة الحاليين بـ«الزعماء» لا يعكس حقيقة دورهم، فهم قادة أحزاب ينظرون إلى المصالح الحزبية قبل المصلحة الوطنية، في حين أن الزعيم الحقيقي يقدّم الوطن على الحزب والمصالح الشخصية ودعم الفاسدين.
وأشار إلى أن جذور كثير من الاختلالات الاقتصادية والإدارية تعود إلى طبيعة النظام السياسي، لافتاً إلى الدعوات المطروحة لتعديل الدستور وتغيير النظام السياسي، ومنها دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى. ورأى أن النظام البرلماني بصيغته الحالية لم يحقق النجاح المطلوب، وأن الانتقال إلى نظام رئاسي خيار يستحق الدراسة، مستشهداً بالتجربة الفرنسية التي قال إن التحول فيها من نظام برلماني مقيد إلى نظام رئاسي أسهم في معالجة اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية.
وانتقد غياب الخبرة الاقتصادية عن بعض مواقع القرار، مشيراً إلى أن لجنة المالية النيابية، بحسب قوله، لا تضم اقتصاديين، وأن الكتل السياسية لا تمتلك رؤية اقتصادية قادرة على معالجة الاختلالات، متسائلاً عن مستقبل الاقتصاد خلال السنوات العشر المقبلة في ظل غياب التخطيط طويل الأمد، ومؤكداً أن الإصلاح لا يمكن أن يبقى مجرد رد فعل على الأزمات.
أما دعدوش فتوقف عند علاقة القوى السياسية بالخبراء، قائلاً إن الحكومة في عهد رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني دعت الاقتصاديين إلى اجتماعات بعد وقوع الأزمة للاستماع إلى آرائهم، متسائلاً عن سبب عدم الاستعانة بهم قبل وقوعها. وأضاف أن السياسيين والكتل واللجان البرلمانية لا يتواصلون مع الاقتصاديين إلا عند اشتداد الأزمات ثم ينقطع التواصل، في حين تمتلك دول قريبة من العراق خلايا اقتصادية وسياسية تستشير الخبراء باستمرار.
مقترحات الإصلاح
دعا دعدوش إلى تعزيز استقلالية البنك المركزي مع الحفاظ على التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، ودون تحويل البنك إلى أداة لتمويل عجز الموازنة عبر خصم حوالات الخزينة. وطالب بتعميم موازنة البرامج والأداء بدل اقتصار التجربة على وزارة أو محافظة أو محافظتين، لضمان عائد اقتصادي من كل دينار تنفقه الدولة.
واستشهد بقطاع الكهرباء، مشيراً إلى أن المواطنين ينفقون مبالغ كبيرة على المولدات الأهلية قدّر عائداتها السنوية بنحو 10 تريليونات دينار، في حين تبلغ نفقات وزارة الكهرباء نحو 20 تريليون دينار، وفق تقديره. ورأى أن هذه المقارنة تستدعي مراجعة كفاءة الإنفاق في القطاع، إذ تذهب تخصيصات إلى العقود والموارد البشرية في وقت تعاني فيه بعض المؤسسات بطالة مقنعة وضعف إنتاجية، حتى إن بعض الدوائر منحت أعداداً كبيرة من موظفيها إجازات مفتوحة لعدم الحاجة إليهم. وأضاف أن معالجة الأزمة تتطلب مراجعة خيارات إنتاج الطاقة، ومنها التحول من محطات تعتمد على الغاز المستورد إلى محطات تعمل بالنفط الأسود، ودراسة البدائل المحلية بدل الاعتماد على الاستيراد. وحذر من أن استمرار التخبط السياسي والاختلالات الهيكلية سيبقي الاقتصاد في دائرة الأزمات ما لم تتوافر إرادة حقيقية لإصلاحات شاملة.
وحدد الجبوري مقترحاته في ضغط الإنفاق الحكومي والابتعاد عن النفقات الكمالية وقصر الموازنة على النفقات الأساسية والضرورية، وإبعاد الهيئات المستقلة عن تدخل السلطة التنفيذية بما يضمن استقلال قراراتها، وترشيق المناصب القيادية وعدم التوسع في استحداث وزارات ومناصب لا تحقق جدوى إدارية واضحة.
وأشار إلى أن كلفة المناصب لا تقتصر على رواتب شاغليها، بل تمتد إلى ما تمنحه من نفوذ وتأثير في القرارات، مؤكداً أن كفاءة الدولة لا تقاس بحجم الرواتب التي تدفعها، بل بمدى امتلاكها إدارات حقيقية قادرة على النهوض بواقع الإدارة والاقتصاد.