ضمن فعاليات اليوم الثاني من مهرجان طريق الشعب، عُقدت ندوة حوارية تناولت واقع الحريات في العراق، بمشاركة الدكتور فارس حرام، والدكتور سيف السعدي، والناشط علي صاحب، وأدارها الصحفي بسام عبد الرزاق.
واستهل عبد الرزاق الندوة بالقول إن موضوع الحريات، على الرغم من أنه حظي بنقاش واسع في محطات عديدة، لا يزال ملفاً مفتوحاً يستدعي مواصلة البحث والنقاش، مشيراً إلى أن آخر المؤشرات الخاصة بتصنيف حرية الصحافة وضعت العراق في المرتبة 162 من أصل 180 دولة.
وأضاف أن هذا المؤشر يمثل دلالة مقلقة تجعل ملف الحريات حاضراً بإلحاح، رغم تناوله المستمر في أوساط النخب، متسائلاً عن أسباب عدم تحول النقاش بشأنه إلى فعل مجتمعي مستمر بين الناس، بدلاً من اقتصاره على الندوات والجلسات والمحاضرات، خصوصاً في ظل المؤشرات التي تعكس خطورة الواقع.
التركيبة الأيديولوجية للمعارضة
من جانبه، قال د. فارس حرام إن أفضل مدخل لفهم مسألة الحريات في العراق يتمثل في العودة إلى التركيبة الأيديولوجية للمعارضة التي واجهت نظام صدام حسين، موضحاً أن الغالبية العظمى من تلك القوى لم تنطلق في معارضتها من قيمة حرية التعبير، كما لم تكن الديمقراطية بحد ذاتها منطلقاً أيديولوجياً لها.
وأضاف أنه أشار في مناسبات عديدة إلى أن مراجعة أدبيات وسلوك الأحزاب والقوى السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003 وحتى الآن تكشف عن وجود أحزاب تتسم إدارتها بطابع شخصي، إذ استمر بعض الأشخاص في مواقعهم الحزبية حتى مع ظهور تراجع واضح في إمكاناتهم الجسدية والذهنية، وكأن الحزب أصبح علامة مسجلة باسم شخص، لا مؤسسة سياسية قائمة بذاتها.
وأوضح حرام أنه إذا استبعدت الأحزاب والتيارات السياسية التي لا تؤمن بالديمقراطية، والتي قد تتداول مفهوم الشورى بصورة محدودة في أدبياتها، وانتقلنا إلى القوى التي تصف نفسها بالعلمانية أو المدنية أو القريبة من الأجواء الديمقراطية، فإننا سنجد المفارقة ذاتها.
واستشهد بحزب المؤتمر الوطني العراقي الذي ظل يقوده أحمد الجلبي حتى وفاته، وحزب الوفاق الذي يقوده إياد علاوي، مع وجود توجه لتهيئة ابنته لخلافته، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تقوده عائلة الطالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتسم هو الآخر بطابع القيادة العائلية. أما الأحزاب في المناطق الغربية، فقال إنها غالباً ما تكون شخصية ومؤقتة، وأقرب إلى الكيانات ذات الطابع التكتيكي.
وبين أن هذه الأحزاب تفتقر إلى المؤسسات الحزبية الحقيقية، مستثنياً بعض التجارب التي تمتلك قدراً من التنظيم المؤسسي، وتتيح حضور الشباب ومنحهم فرصاً في الانتخابات، على الرغم من وجود ملاحظات على تجربتها، إذ يمكن تداول إدارتها خارج إطار الاحتكار الشخصي.
أحزاب غير ديمقراطية تحمي الديمقراطية؟
وتابع أن العراق أمام أحزاب لا تمارس الديمقراطية داخل مؤسساتها، ثم يُنتظر منها أن تحمي الديمقراطية أو تؤسس نظاماً ديمقراطياً أو تصون الحريات، معتبراً أن هذه المطالبة تنطوي على مفارقة، إذ لا يمكن مطالبة تلك الأحزاب بما يتعارض مع طبيعة أيديولوجيتها وممارساتها، وإنما ينبغي النظر إلى ما تتيحه من فرص لبناء الدولة، والعمل على تعريتها ومواجهتها وكشف فسادها. وهذا، بحسب تعبيره، هو الجانب الأيديولوجي من أزمة الحريات.
وانتقل حرام للجانب التشريعي، موضحا أن بول بريمر عطل، بموجب الأمر الإداري الذي أصدره بشأن حرية التجمع في العراق، مجموعة من المواد القانونية الواردة في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وهي المواد 220 و221 و222، التي كانت تحظر أو تقيّد التجمع العام، بسبب تعارضها مع مفهوم الحريات وحرية التجمع.
وأضاف أن مشروع قانون حرية التعبير لا يشير إلى استمرار تعطيل هذه المواد بل ينص في خاتمته على إعادة العمل بكل ما لم يرد بشأنه نص في القانون الجديد من أحكام قانون العقوبات، معتبراً أن هذه العبارة خطيرة، وربما لم ينتبه إليها كثيرون، لأنها قد تعني إعادة العمل بالمواد 220 و221 و222.
وأشار إلى وجود مواد أخرى تتصل بالحريات، من بينها المادتان 243 و226، مبيناً أن القوى السياسية التي تقود الحكم في العراق، سواء كانت دينية أم علمانية، تتشارك في مواقفها من الحريات، وتسير في بعض ممارساتها على نهج القوى التي عارضتها سابقاً. وقال إن بعض من عارضوا الأنظمة المستبدة أصبحوا يمارسون الاستبداد بأنفسهم، ويضعون ألغاماً في مشاريع القوانين المتعلقة بالحريات، وهي أدوات تستخدمها الأنظمة المستبدة عادة للسيطرة على الفضاء العام.
وأوضح أن من أبرز هذه الألغام استخدام عبارات من قبيل الآداب العامة وسمعة الدولة والرموز السياسية والدينية والطقوس المقدسة، وغيرها من المصطلحات التي ترتبط بمجموعة واسعة من العقوبات الجزائية.
وبين أن المفاهيم المجردة يمكن استخدامها بصورة طبيعية في الخطاب السياسي، فعندما يصعد ناشط سياسي إلى الجماهير ويطالب بالحرية والديمقراطية، لا يمكن إخضاع خطابه لسلسلة من التعريفات الدقيقة ومطالبته بتحديد المقصود بكل مفهوم على حدة.
وضرب مثالاً بمسودة قانون الجرائم المعلوماتية، موضحاً أن مشاريع القوانين تعتمد عادة أسلوب وضع باب بعنوان التعريفات، يتضمن المصطلحات ذات الطابع التقني، لكنها تتجاهل عمداً المفردات المرتبطة بالأحكام الجزائية، وهي مفردات تتسم بطابع تجريدي.
ولفت إلى أنه لا يوجد، في مشاريع القوانين المقدمة إلى البرلمان حتى الآن، قانون يتضمن توضيحاً إجرائيا لمعنى عبارة الآداب العامة، إذ لا توجد قائمة محددة بالأفعال التي تتعارض معها، أو بالأفعال التي تسيء إلى الدولة أو تمس سمعتها، رغم ارتباط هذه المصطلحات بأحكام جزائية.
30 تعريفا لقانون الجرائم المعلوماتية
وأضاف أن قانون الجرائم المعلوماتية يتضمن ثلاثين تعريفا ذات طابع تقني، مثل الحاسوب والبيانات والمحتوى والتوقيع الرقمي والابتزاز، لكنه لا يقدم تعريفاً لمصطلحات الآداب العامة والحياء وأمن الدولة والجهة المعادية والنعرات والفتن الطائفية، رغم ورودها في القانون وارتباط بعضها بعقوبات قد تصل إلى السجن المؤبد.
وتساءل حرام عن الجهة التي ستملك السلطة التقديرية في تفسير هذه المصطلحات وتحديد المقصود بها، محذراً من أن منح القاضي سلطة تقديرية واسعة في هذا المجال، في وقت تسعى فيه قوى السلطة إلى البقاء في الحكم لأطول مدة ممكنة، يفتح المجال أمام استخدام المفاهيم المجردة للسيطرة على المجال العام، وهو ما وصفه بأنه من سمات الأنظمة المستبدة.
واستعاد حرام تجربة قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، داعياً إلى مراجعة مواده والنظر في حجم المفاهيم المجردة التي يتضمنها، والتي تصل العقوبات المرتبطة بها إلى حد الإعدام.
وقال إن محكمة الثورة كانت تصدر أحكاماً بالإعدام على أساس معاداة الثورة والحزب، من دون وجود نص، بحسب علمه، يجرّم هذين الفعلين في قانون العقوبات المذكور، معرباً عن أمله في أن يصحح القانونيون هذه المعلومة إذا كانت غير دقيقة.
وأوضح أن مصطلحي معاداة الثورة ومعاداة الحزب لم يكونا منصوصاً عليهما في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، رغم استخدامهما أساساً لإصدار أحكام بالإعدام من قبل محكمة الثورة.
وتساءل عن المقصود بمفهوم الثورة، مبيناً أن هذا المصطلح لم يكن محدداً بصورة ثابتة، وأن البعثيين، عندما كانوا يروجون لحكمهم في ستينيات القرن الماضي، قدموا الثورة بوصفها مشروعاً للتغيير الاجتماعي والسياسي.
وأضاف أن مفهوم الثورة في أدبيات حزب البعث ارتبط آنذاك بالتغيير السياسي والحفاظ على الديمقراطية وإقامة علاقات مفتوحة مع العالم ومواجهة الاستعمار العالمي وتحرير فلسطين، إلى جانب مجموعة من المفاهيم التي جُمعت تحت هذا العنوان.
وأوضح أن هذا المفهوم شهد تغييرات بعد عام 1979، عندما تسلم صدام حسين الحكم، إذ كان من أبرز المعاني المرتبطة بالثورة آنذاك التخلص من سيطرة رجال الدين على الحكم، وهو ما كان البعثيون يطلقون عليه وصف الاتجاهات الرجعية. وأشار إلى أن الأدبيات البعثية كانت تصف التوجهات الدينية بالرجعية، وكان خطابها يقوم على مواجهة هذه التوجهات والقضاء عليها، بمعنى إنهاء سيطرة رجال الدين على الحكم.
مفهوم الثورة
وتساءل حرام: أين أصبح مفهوم الثورة في ظل هذه التحولات؟ وتابع أن الأنظمة المستبدة تستخدم المفاهيم المجردة في مراحل معينة بصورة تكتيكية، وتعيد توظيفها بما يتناسب مع توجهاتها السياسية.
واختتم حرام مداخلته بالتحذير من أن مشاريع القوانين المعروضة حالياً على مجلس النواب، التي يجري العمل على إقرارها، تتضمن مفاهيم مجردة وملغمة، داعياً إلى مواصلة رفع الصوت لإيقاف هذه التشريعات، وفضح القوى السياسية التي تقوم أدبياتها، بحسب تعبيره، على عدم احترام الرأي الآخر والحريات، بل وحتى عدم احترام الديمقراطية.
المعادلة العراقية
بدأ د. سيف السعدي مداخلته بالعودة إلى النقطة التي انتهى إليها د. فارس حرام، المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، مستشهداً بمقولة للكاتب يوسف إدريس عن إحاطة المواطن العربي بشرطين، قائلاً إن المواطن العراقي محاط بشرط السلطة، وشرط الجمهور الزبائني والمؤدلج والعقائدي.
وأوضح أن هذا الأمر يتجلى بوضوح عند النشر في مواقع التواصل الاجتماعي أو الصحف والفضائيات، حيث يواجه ما يُنشر كماً كبيراً من النقد والانتقاد، في ظل عدم التمييز أحياناً بين المفهومين، مشيراً إلى أن كثيراً من هذه الموضوعات تندرج تحت طائلة المادة 226 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
وأضاف أن هناك انحرافا في التعامل مع هذا الملف، مبيناً أنه يتفق مع القول إن مرحلة ما بعد عام 2003 شهدت انفتاح المجال أمام مختلف الجهات والأفراد لامتلاك وسائل إعلامية وفضائيات، لكن ذلك لا يبرر التعميم. واستشهد بما قاله الكاتب السوري جورج طرابيشي من أن الديمقراطية ليست ثمرة برسم القطف، وإنما بذرة برسم الزرع، وهي تحتاج إلى مراحل حتى يتماهى المجتمع معها.
وأشار إلى التجربة الأوروبية مثالاً، إذ احتاجت أوروبا، بعد القرن السادس عشر، إلى نحو خمسمائة عام للوصول إلى مفهوم الديمقراطية، مروراً بمعاهدة وستفاليا وحرب الثلاثين عاماً، وصولاً إلى ما انتهت إليه اليوم.
وفي المقابل، وصف السعدي المعادلة العراقية بأنها معكوسة، متسائلاً عما إذا كان العراق يمتلك نظاماً ديمقراطياً، ومجيباً، بصفته باحثاً، بأن النظام ديمقراطي من الناحية الشكلية، لكنه كليبتوقراطي وأوليغارشي من حيث المضمون.
وبالعودة إلى ما طرحه الدكتور فارس، قال إن السلطة عندما تسعى إلى تعزيز نفوذها، بدلاً من تعزيز النظام الديمقراطي، تتجه إلى تشريع قوانين تتعارض مع المادة 38 من الدستور العراقي، التي تستند إليها حرية الرأي والتعبير.
وأوضح أن المادة المذكورة جاءت بصيغة مطلقة، مستندة إلى قاعدة قانونية تقضي بأن المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد نص يقيده، إذ كفلت حرية الرأي والتعبير بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، فيما تناولت في فقرتها الثالثة حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، ونصت على تنظيمها بقانون.
تحايل على النصوص الدستورية
وأضاف أن هناك محاولة للتحايل على النص الدستوري من خلال تنظيم حرية الرأي والتعبير بقانون، في حين أن عبارة ينظم بقانون وردت في الفقرة الثالثة المتعلقة بحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، ولم ترد في الفقرة الأولى الخاصة بحرية الرأي والتعبير. ولفت إلى أن المختصين بإمكانهم الاعتراض على هذا التوجه وتقديم طعن أمام المحكمة الاتحادية لإبطال التشريع.
وضرب مثالا على ذلك بمشروع قانون حق الحصول على المعلومة، مشيرا إلى وجود قانون مماثل في الأردن يحمل الرقم 47 لسنة 2007، وأن المشرّع العراقي، بحسب ما يبدو، نقل كثيراً من نصوصه في مشروع القانون المطروح حالياً، الذي مرّ بالقراءة الأولى، وما زال بحاجة إلى قراءتين ثانية وثالثة قبل التصويت عليه.
وقال إن عنوان القانون يبدو إيجابياً، إذ يمنح الصحفي أو المختص أو الناشط حق الحصول على المعلومة، وفق ما تنص عليه المادة الثانية، لكن المادة 11 تحدد المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها، ومنها المعلومات الاقتصادية والعسكرية والتجارية والعقود والعمولات وغيرها.
وتساءل عن طبيعة المعلومات التي سيتمكن المواطن والصحفي من الوصول إليها فعلياً في ظل هذه الاستثناءات، قائلاً إن الأمر قد ينتهي إلى إتاحة معلومات الأنواء الجوية فقط، متسائلاً عن الفائدة المرجوة من قانون يحمل عنوان حق الحصول على المعلومة، بينما تفرض مواده قيوداً واسعة على هذا الحق.
تقييد حرية الرأي والتعبير
ورأى أن ذلك يعكس توجهاً لدى المشرّع نحو تقييد حرية الرأي والتعبير، مستشهداً بمقولة توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية، التي تقول إن خوف الحكومات من الشعب هو الحرية، فيما خوف الشعب من الحكومات هو العبودية، مضيفاً أن المعادلة في العراق تسير، بحسب وصفه، بالاتجاه المعاكس.
وفي سياق حديثه، أشار السعدي إلى قرار المحكمة الاتحادية رقم 23 لسنة 2020، المتعلق بتفسير حرية الرأي والتعبير وما يرتبط بالمادتين 38 و46 من الدستور العراقي، مبيناً أن المادة 38 تتضمن ثلاث فقرات سبق أن تناولها، فيما تنص المادة 46 على عدم جواز تقييد الحريات الواردة في الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءً عليه، على ألا يمس ذلك جوهر الحق أو الحرية.
وأضاف أن المادة 13 من الدستور تنص أيضاً على عدم جواز سن قوانين تتعارض مع أحكام الحقوق والحريات الواردة فيه، إلا أن الواقع يشهد توجهاً نحو تشريع قوانين تتعارض مع حرية الرأي والتعبير.
وتابع أن قانون الجرائم المعلوماتية يقدم مثالاً على ذلك، لافتاً إلى أن المواد 23 و13 والفقرة السادسة تتضمن عبارات فضفاضة، من بينها عبارة بما لا يخل بالآداب العامة، التي تطرح تساؤلاً بشأن الجهة التي تحدد مفهوم الآداب العامة.
وأوضح أن ما يُعد مقبولاً في مكان ما قد يُنظر إليه بصورة مختلفة في مكان آخر، مستشهداً بمثال المرأة السافرة في بغداد، التي قد لا تواجه اعتراضاً على مظهرها، في حين قد يُنظر إلى الأمر بصورة مغايرة في النجف، ويُعدّ إخلالاً بالآداب العامة. وتساءل عن الجهة التي تضع هذا التعريف، ولماذا يكون الفعل مقبولاً في مكان ومرفوضاً في آخر.
واستشهد بمقولة تُنسب إلى مونتسكيو مفادها أن القانون يجب أن يكون كالموت، لا يستثني أحداً، معتبراً أن مشكلة تطبيق القوانين في العراق تكمن في الاستثناءات. كما أشار إلى مقولة أخرى تشبّه القوانين التي تصطاد الفقراء والضعفاء بشبكة العنكبوت، فيما يتمكن الأقوياء والأغنياء من الإفلات منها.
وقال إن هذا الأمر حاضر في الواقع العراقي، إذ يُطبّق القانون أحياناً وفق هوية الشخص أو موقعه السياسي ومقدار ما يمتلكه من نفوذ، مبيناً أن الشخص الذي لا ينتمي إلى جهة سياسية ولا يمتلك روافع أو إسناداً قد يواجه تطبيق القانون بحقه، في حين تختلف المعاملة في حالات أخرى.
وفي ما يتعلق بالدعاوى المرتبطة بالمادة 226، أشار السعدي إلى أن مجلس القضاء الأعلى يتجه، في كثير من الحالات، نحو تعزيز حرية الرأي والتعبير، وأنه أنصف في عدد من القضايا، كما فعلت محكمة التمييز الاتحادية.
وتطرق إلى حالات لمقدمي برامج تلفزيونية واجهوا عقوبات ودعاوى تتعلق بالإهانة، متسائلاً عن التعريف المحدد لهذا المفهوم، ولماذا يُعد انتقاد رئيس الجمهورية إهانة، في حين أن المادة 67 من الدستور تعرف رئيس الجمهورية بأنه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وتحدد مسؤولياته بالسهر على ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه.
قانون التظاهر والاجتماع السلمي
وتساءل عن إمكانية مناقشة تعطيل أحكام دستورية أخرى، من بينها المادتان 73 و81، وغيرهما من المواد التي لا يجري تطبيقها، مؤكداً أن من حق المواطنين والصحفيين مناقشة هذه المسائل وانتقادها.
وانتقل بعد ذلك إلى قانون التظاهر والاجتماع السلمي، مشيراً إلى وجود توجه نحو تقييد الحريات من خلال قوانين عقابية وجزائية، رغم أنها لم تُشرّع حتى الآن، معتبراً أن هناك نية لدى الفواعل السياسية والمشرّع للمضي في هذا الاتجاه.
وقال إن المعادلة العراقية تبدو معكوسة، فبالرغم من وجود نظام ديمقراطي، وهو ما عدّه أحد الأمور التي تحققت بعد تغيير عام 2003، تتجه الفواعل السياسية نحو تقييد حرية الرأي والتعبير التي يمارسها المواطنون عبر الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل.
وفي هذا السياق، أشار إلى قانون المطبوعات لعام 2006، الذي يفترض الاحتكام إليه في القضايا المتعلقة بحرية النشر والتعبير، بدلاً من اللجوء إلى قانون العقوبات العراقي، ولا سيما المادتين 433 و434، وإصدار أوامر الاستدعاء. وتساءل عن أسباب إصدار أوامر قبض مباشرة بحق صحفيين ينتمون إلى نقابة الصحفيين.
وأضاف أن قانون حقوق الصحفيين رقم 21 لسنة 2011 كفل مجموعة من الحقوق للصحفيين، موضحاً أن المادة الثامنة منه تتعلق بحق الصحفي في الحفاظ على مصادر معلوماته وممارسة مهنته من دون تقييد أو ممارسات من شأنها قمع الحريات.
وفي المقابل، لفت إلى استمرار التوجه نحو تشريع قانون الجرائم المعلوماتية، الذي سبق أن تناوله في مقال بعنوان «عنوان لا يشبه المضمون»، وكذلك مشروع قانون حق الحصول على المعلومة، الذي يرى أن عنوانه لا يعكس مضمونه، إذ تكشف قراءة مواده عن وجود قيود كثيرة على حق الوصول إلى المعلومات.
وربط السعدي هذا الموضوع بما أشار إليه الدكتور فارس حرام، داعياً إلى الانطلاق منه في النقاش، موضحاً أن أولى عمليات مصادرة حرية التعبير، برأيه، تمثلت في الالتفاف على إرادة الناخبين والشعب.
وبيّن أن المادة الخامسة من الدستور تنص على أن الشعب مصدر السلطات، وأن السيادة للقانون، إلا أن تفسير المادة 76 المتعلقة بالكتلة النيابية الأكثر عدداً، وفق قرار المحكمة الاتحادية رقم 25 لسنة 2010، نقل إرادة الشعب، بحسب تعبيره، إلى إرادة الكتل السياسية.
وتساءل عن الجهة التي تشكّل الحكومة، مشيراً إلى تصريح سابق لهمام حمودي، رئيس لجنة كتابة الدستور، قال فيه إن الكتلة التي تشكّل الحكومة هي الكتلة الفائزة في الانتخابات، بما يعني أن تشكيل الحكومة يرتبط بإرادة الشعب وحرية الناخب، وليس بإرادة الكتل السياسية.
وأضاف أن مصادرة إرادة الشعب بدأت من هذه النقطة، وربما قبلها، لكنه عدّ هذا التفسير أحد أبرز الانحرافات في مسار التعامل مع النصوص الدستورية.
وتناول السعدي كذلك قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015، مشيرا إلى أن أسماء الأحزاب وشعاراتها تبدو ديمقراطية، لكن التطبيق يكشف واقعاً مختلفاً، إذ لا يقبل بعض رؤساء الأحزاب التخلي عن مواقعهم أو إتاحة المجال لتداول رئاسة الحزب.
وأوضح أن المواد الثامنة و32 و42 من قانون الأحزاب تتناول تنظيم عمل الأحزاب وأهدافها وبرامجها، لكنه تساءل عن الجهة التي تحاسب هذه الأحزاب إذا أخفقت في تنفيذ برامجها.
وأشار إلى أن القانون نص في المادة 17 على وجود دائرة لشؤون الأحزاب السياسية، إلا أن هذه الدائرة، بحسب رأيه، لا تؤدي دورها بصورة فعلية، وهي غير مفعّلة.
واختتم السعدي مداخلته بالقول إن العراق يمتلك نصوصاً قانونية تنظم هذه القضايا، لكن التطبيق على أرض الواقع يجري وفق العرف السياسي، الذي أصبح يتقدم على النصوص القانونية، وعلى حرية الرأي والتعبير وغيرها من الحقوق.
وأكد أن القوانين التي يجري السعي إلى تشريعها تهدف، بحسب رأيه، إلى حماية الكيانات الحزبية من الانتقاد، موضحاً أن الحزب يؤيد حرية الرأي والتعبير عندما يتحدث، لكنه يعارضها عندما يتعرض للنقد، معتبراً أن هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر.
الاستبداد الانتخابي
من جهته، ذكر علي صاحب، أن ما يشهده العراق اليوم لا يمكن وصفه بالنظام الديمقراطي، بل هو أقرب إلى ما يُعرف في علم السياسة بـ«الاستبداد الانتخابي»، موضحاً أن البلاد تمتلك بعض الملامح التي حاولت أن تؤسس لنظام ديمقراطي، لكنها لم تكتمل، الأمر الذي يجعل الواقع أقرب إلى هذه الحالة.
وبين أن الاستبداد الانتخابي يعني وجود انتخابات تشارك فيها مجموعة من القوى السياسية، لكن هذه القوى نفسها تتكرر وتستمر في المشهد السياسي، وهو ما يختلف عن الديمقراطية القائمة على تكافؤ الفرص للجميع، وحرية التعبير عن الرأي، وتوافر مجموعة من الشروط والضمانات الأساسية.
وأضاف أن هذا التوصيف لا يستند إلى انطباعات عاطفية، بل تؤكده مؤشرات دولية عديدة تضع العراق في مراتب متأخرة على مستوى الديمقراطية وحرية التعبير.
وتساءل عن جدوى وجود دستور يتحدث عن الديمقراطية إذا كانت أحكامه لا تُطبّق على أرض الواقع، وعن أهمية المواد الدستورية التي تضمن حرية التعبير إذا كانت تُتجاهل، مع العودة إلى استخدام أدوات الضبط والتقييد.
وقال إن ربط هذه القضية بفعاليات المهرجان وواقع الصحافة والإعلام والكتابة يتطلب إدراك ما يعيشه الصحفيون والنشطاء اليوم، وما قد يواجهه المواطن العادي لاحقاً، مشيراً إلى أن الخطوط الحمراء أصبحت أكثر اتساعاً وتعدداً، وبات من الصعب على الصحفي أو المدوّن أو الناشط التعبير عن رأيه من دون الاصطدام بأحدها أو تجاوزها، في ظل اتساع مفاهيم المقدّس وما لا يجوز المساس به.
ولفت إلى أن تنظيم تظاهرة أصبح أمرا بالغ الصعوبة في بعض المحافظات، مع حضور اتهامات بالإرهاب، فيما يصعب الحديث عن قضايا معينة في محافظات أخرى، حتى وإن لم تكن مرتبطة بالعقيدة.
التضييق باشكال متعددة
وأوضح أن التضييق لا يقتصر على الحظر الصريح أو إغلاق المؤسسات الصحفية، بل يتخذ أشكالاً أخرى، من بينها حرمان المؤسسات من التراخيص، أو حجب مواقعها الإلكترونية ومنع ظهورها داخل العراق، رغم استمرار عملها بصورة طبيعية خارج البلاد.
وأضاف أن هذه الأنماط المتعددة من التضييق تستدعي الانتباه، مبيناً أن التحذير المستمر منها يأتي بسبب ما يلمسه الصحفيون والنشطاء من ممارسات في الوقت الراهن، وما قد تفضي إليه مستقبلاً من اتساع نطاق القيود المفروضة على المواطنين.
وحذر من أن استمرار هذه الممارسات قد يجعل عقد تجمعات وفعاليات مماثلة للمهرجان أمراً بالغ الصعوبة في المستقبل، مؤكداً أن القضية أوسع من مجرد حظر أو إغلاق مؤسسة صحفية.
وأشار إلى أن اللجنة التنظيمية للمهرجان تدرك حجم التعقيدات التي واجهت تنظيم الحدث على مدى يومين، سواء على المستوى الإجرائي أو غيره، من دون الخوض في تفاصيل تلك الصعوبات.
أذرع السلطة
وفي هذا السياق، استعرض مجموعة من الخطوات التي قال إنها تمثل توجه السلطة نحو تقييد حرية التعبير، ولا سيما بعد عام 2019 واحتجاجات تشرين، موضحاً أنه أطلق عليها تسمية «خطوات لتقييد حرية التعبير».
وبين أن من بين الأذرع التي تستخدمها السلطة حالياً هيئة الإعلام والاتصالات، التي تحولت، منذ عام 2019، إلى جهة رقابية على الإعلام ووسائله، لافتاً إلى التقارير الصادرة عنها بشأن حجب المحتوى، واتصالاتها بالمؤسسات والشركات العالمية المشغّلة لمنصات التواصل الاجتماعي.
وأضاف أن طلبات حجب المحتوى ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنة الأخيرة، وأن المحتوى المستهدف شمل في بعض الأحيان منشورات تتضمن انتقاداً لشخصيات سياسية أو عامة أو مؤسسات حزبية، معتبراً أن حجم استخدام هذه الإجراءات أصبح واسعاً جداً.
وأشار إلى أن دور الهيئة لم يعد مقتصراً على ذلك، بل امتد إلى إعداد لوائح تنظيمية قد تكون، بحسب رأيه، أشد تأثيراً من القوانين التي تحظى بمتابعة واعتراض من المواطنين.
وأوضح أن هناك لائحة لتنظيم المحتوى الرقمي، ترتبط بكل ما يكتب وينشر، وأخرى لتنظيم المنصات الإلكترونية، وثالثة تتعلق بالظهور الإعلامي، معتبرا أن هذه اللوائح تحمل قيودا واسعة، وقد تتيح التعامل مع الأشخاص الذين يظهرون في وسائل الإعلام ومحاسبتهم ومنعهم من الظهور، استناداً إلى أحكام تنظيمية.
وتناول جانبا آخر يتعلق بما يُعرف بنقطة الاتصال الوطني، موضحاً أنها تمثل حلقة الربط بين الحكومة العراقية والشركات الكبرى المشغّلة لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، متسائلاً عن طبيعة الجهات التي تضمها هذه النقطة وآليات عملها.
وقال إن نقطة الاتصال الوطني لا تضم مفوضية حقوق الإنسان، بل تضم جهاز المخابرات وجهاز الأمن الوطني وأجهزة أخرى والشرطة وهيئة الإعلام والاتصالات، إلى جانب الشركات المعنية، من دون وجود طرف آخر يُعنى بحقوق المواطنين والحريات أو بمراقبة عمل هذه اللجنة من هذه الزاوية.