في الأسابيع الأخيرة، تصدرت أخبار العلاقة ما بين حلف الناتو وفنلندا، عناوين وسائل الاعلام، إثر ردود الأفعال التي برزت من قبل قادة حلف الناتو وفنلندا وأيضا روسيا على زيارة السكرتير العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ وسفراء مجلس شمال الأطلسي هلسنكي في تشرين الأول، العام المنصرم، أعقبتها فورا، زيارة من الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين في خطوة قيل انها جاءت لطمأنة القادة الروس بشأن عدم امتثال فلندا للضغوط الغربية للالتحاق بالناتو. وكانت هذه المرة الأولى التي يقوم فيها وفد من الحلف الناتو بهذا الحجم بزيارة رسمية لأقناع فنلندا بالانضمام الى صفوفه.

وفي خطاب موجه للشعب الفنلندي بمناسبة العام الجديد، قال الرئيس الفنلندي، بان قرار الانضمام لحلف الناتو امر متروك لمقدم الطلب والدول الثلاثين الأعضاء في حلف الناتو و(ان مساحة فنلندا للمناورة وحرية الاختيار تشمل أيضًا إمكانية الاصطفاف العسكري والتقدم لعضوية الناتو، إذا قررنا ذلك بأنفسنا). وعاد ليؤكد سياسة (الباب المفتوح) التي تعتمدها فنلندا منذ عقود في علاقتها مع حلف الناتو، التي تقضي بأن لا تكون فنلندا عضوا في حلف الناتو، فتغيظ بذلك جارها الاكبر روسيا، وفي نفس الوقت لا تغلق الباب امام التعاون والمساهمة في العديد من برامج الشراكة مع حلف الناتو لتسهيل التعاون مع البلدان الغربية في مجال التدريبات والمناورات وشراء الأسلحة.

 وفي السياق نفسه، جاءت كلمة رئيسة الوزراء الفنلندية، سانا مارين (الديمقراطي الاجتماعي)، بالمناسبة ذاتها، وكذلك تصريحات وزير الخارجية، بيكا هافيستو (حزب الخضر). لم ينس القادة الفنلنديون في أحاديثهم التذكير بان فنلندا كانت ولا تزال مستعدة للتوسط في النزاعات في المنطقة، خاصة في القضايا الرئيسة مثل الازمة في بيلاروسيا، احتلال شبه جزيرة القرم والأوضاع في أوكرانيا، والتي قادت الى توترات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك العقوبات والعقوبات المضادة. واعتبرت دولا اوربية عديدة، أعضاء في حلف الناتو، ان الحشود العسكرية الروسية في إقليم القرم على الحدود مع أوكرانيا تهديد للسلام في المنطقة، مثيرين المخاوف من غزو عسكري روسي لأوكرانيا.

في خطابها السياسي تبنت الحكومات الفنلندية سياسة (الباب المفتوح)، وتبعا لهذه السياسة شاركت فنلندا في قوة حفظ السلام في أفغانستان، وعدد من المناورات العسكرية للحلف. وقد أغضبت هذه المشاركات روسيا. ومع التطورات الأخيرة في المنطقة، وسياسة التلويح بالغزو التي تتبعها الحكومة الروسية، بدأت بعض الأحزاب الفنلندية، من اليمين، الدعوة للتعجيل في الانضمام لحلف الناتو. ان الاستطلاعات الشعبية لا تزال ترى ان الدخول في أي تحالف عسكري لا يضمن السلام، بل أن من شأنه ان يرفع الميزانية العسكرية للبلاد ويشكل عبئا اضافيا على الاقتصاد. وتدرك قوى اليسار هذا الامر جيدا وترسم خطابها السياسي وفقا له، وترى ان المحافظة على المنجزات الديمقراطية للشعب الفنلندي لا يمكن ان تتم الا في ظروف سلمية. والمعروف ان قوى اليسار الفنلندية تعارض باستمرار أي تطور نوعي في العلاقات مع حلف الناتو. اما القوى اليمينية التقليدية فتنظر بإيجابية الى الانضمام إلى الحلف. 

 من جانبه يصف جون هربست، السفير الأمريكي السابق لدى كييف، الحشود الروسية في شبه جزيرة القرم بأنها عبارة عن (خدعة كبيرة) يستخدمها الرئيس الروسي من أجل التوصل إلى اتفاقات تلبي المصالح الروسية.

لقد مرت العلاقة التاريخية بين فنلندا وروسيا بمنعطفات كثيرة. في سنوات 1809 -1917 كانت فنلندا جزءا من الإمبراطورية الروسية، وخاضت القوات الفنلندية معركتين ضد الاتحاد السوفييتي: في شتاء (1939-1940)، وما عرف بحرب الاستمرار (1941-1944). وبعد الحرب العالمية الثانية اعتبرت فنلندا نفسها دولة محايدة وخلال الحرب الباردة حاولت فلندا اتخاذ موقف وسط بين الكتلتين الغربية والشرقية. وكانت العلاقة مع الجارة الكبيرة تتقلب مع مرور السنين. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انضمت فنلندا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1995، والذي وضعها بشكل فعال كجزء من المعسكر الغربي. ولكن العلاقات الاقتصادية المتشابكة، تمنح علاقتها مع روسيا خصوصية، فما تزال فنلندا تستورد كميات كبيرة من السلع والضروريات الأساسية منها، مثل الطاقة والوقود، وبالمقابل تستورد روسيا كمية كبيرة من البضائع الفنلندية، مثل منتجات الاخشاب، وخدمات تكنولوجيا الاتصالات.

عرض مقالات: