يشهد الاقتصاد العراقي في الفترة الاخيرة تزايدا في معدلات التضخم التي تقود بالضرورة إلى ضغط عسير ومستمر على الشرائح الاجتماعية المهمشة الأكثر فقرا وانحازت اليها شرائح الموظفين والأجراء ذوي الدخول الواطئة، وتعمقت أكثر بسبب السياسات المالية والنقدية التي انتهجتها الحكومة لمواجهة بما أسمتها بالأزمة المالية التي لم تكن إلا حصيلة خطل سياساتها الاقتصادية التي انتجت تشوهات خطيرة في بنية الاقتصاد العراقي.

فحسب احصاءات الجهاز المركزي للإحصاء فإن معدل التضخم وصل إلى 8،4   وهو أعلى معدل يحصل في السنوات الاخيرة انعكست آثاره على الشرائح الاجتماعية المسحوقة أصلا، وتتجلى في مجموعات المواد الغذائية والإيجارات والمجاميع السلعية كما تتجسد في الانشطة الاقتصادية المكونة للإنتاج المحلي الاجمالي كقطاع التعدين والمقالع والزراعة والصناعة التحويلية وملكية دور السكن والخدمات الحكومية، ويعزو الاقتصاديون أسباب هذه الزيادة إلى التضخم المستورد والتضخم المتسبب عن زيادة الطلب والمعروض النقدي وزيادة الاستهلاك الحكومي.

   غير أن التحليلات الموضوعية لظاهرة التضخم في الفترة الأخيرة لا يمكن فصلها عن التدابير الحكومية لخفض سعر صرف الدينار العراقي الذي خفض بنسبة 23 في المائة في نهاية عام 2020 فأصبح 1450 دينار للدولار بعد ان كان 1182 دينار للدولار مما يعني حسب (الدكتور مظهر محمد صالح المستشار المالي لرئيس الحكومة) أن الموازنة العامة قد حققت ريعا مشتقا بلغ 20 تريليون دينار عراقي عبر سياسة التكييف النقدي.  وكانت الحكومة قد راهنت على تخفيض سعر صرف الدينار العراقي لتعظيم ايرادات الموازنة العامة بمبلغ صافي مقداره 14 تريليون دينار اسهاما في معالجة ازمة مالية تعرض لها العراق نتيجة انخفاض اسعار النفط  ناهيك عن انها بالأصل كانت حصيلة لسياسات اقتصادية فاشلة طيلة السنوات الماضية، وقد استندت في هذه المراهنة على الزيادة في ضرائب الدخل والملكية والرسوم الكمركية وأرباح الشركات والضرائب المتراكمة  من سنوات سابقة،  غير ان حساب الحقل غير حساب البيدر كما قيل فإن المتحقق من هذه المصادر لا يزيد على 50 في المائة .كما لم تتحقق الحوافز المنتظرة في المنافسات التي سيشهدها قطاع الانتاج حسب الورقة البيضاء  .

   إن مظاهر التضخم الحالي والتي نجمت بصورة رئيسية عن التغيير في سعر صرف الدينار العراقي قد انتجت إشكالية أخرى في توزيع الدخل بين الشرائح الاجتماعية، فخلقت فجوة كبيرة بين طبقات حاكمة ثرية تكونت من سرقة المال العام وطبقة فقيرة ممعنة في الإدقاع. وبالنظر لاتساع هذه الفجوة فقد لجأت الدولة إلى التحويلات الاجتماعية لحل اشكالية الفقر وان بشكل غير جذري من خلال بطاقة تموينية مصابة بفقر الدم فاقتصرت على مواد لا تسمن ولا تغني من جوع، وفي نفس الوقت ابقاء الرواتب الممنوحة لموظفي الدولة متفاوتة بشكل صارخ بين الدرجات الدنيا وبين الدرجات العليا فالأولى قليلة جدا ولا تتناسب مع نسب التضخم ومستوى الأسعار، لهذا الاسباب مجتمعة فان المستوى المعيشي لعموم الشرائح الاجتماعية يتعارض مع مبدأ العدالة في توزيع الدخل.

   إن التوجه الجاد في معالجة الاقتصاد من أمراض التضخم وتبعاته الاجتماعية القاسية يتطلب اتخاذ تدابير جذرية بعيدة عن الأسلوب الشعبوي وكما يلي:

  1. مراجعة جذرية للنظام الضريبي بما يؤدي إلى السيطرة الحازمة على الإنفاق الحكومي خارج نطاق قطاع الانتاج مع ما يصاحبها من إعادة النظر في سعر صرف الدينار العراقي إلى سابق عهده وفي ذات الوقت رفع سعر الفائدة على القروض والودائع بهدف التقليل من حجم الكتلة النقدية المتداولة.
  2. مراجعة السياسة المالية والسياسة النقدية المؤدية إلى رفع معدلات التضخم واتباع سياسات استثمارية رشيدة في قطاعي الصناعة والزراعة لأهميتها في توفير العملة الصعبة من خلال تقليل معدلات الاستيراد والزيادة في حجم العمالة وإنعاش سوق العمل.
  3. تقليل الانفاق الحكومي على الرواتب والامتيازات الأخرى ليشمل بالدرجة الأساس العاملين في أجهزة الرئاسات الثلاث الممنوحة بموجب قوانين وأنظمة خاصة ومتحيزة خارج مبادئ العدالة الاجتماعية المتعارف عليها.
عرض مقالات: