اخر الاخبار

ترمز تجربة عبد السادة العلي إلى قدر كبير من العمق والفهم لأسلوب الكتابة في مضمار القصيدة الشعبية، حيث لا يمكن أن يحتويها وعاء نقدي بتلك السهولة المعهودة لدى بعض النقاد؛ كونه يحمل سمات التطور في كل قصيدة يكتبها، ربما بسبب معرفته الدقيقة بحرفية الكتابة في الأمس واليوم، وفي كل يوم. وهو ـ على ما يبدو ـ يطالب نفسه باستمرار بالجديد والمدهش والمتفرد، حيث تتطور كتاباته في خط بياني متصاعد.

كل ما نقوله لا يمثل إلا رؤية شعرية لشاعر قرأ عبد السادة فعرف بعضًا من دواخله، وهي قد تتفق مع رؤية الآخرين أو تختلف، لكنها تشير إلى تجربة شعرية ثرّة، مترامية الأطراف، من الصعوبة الإمساك بكل خيوطها الرقيقة والدقيقة؛ فهي متشعبة بخيال سريالي يختلف عن غيره في كل شيء، وهو يقودك إلى متاهات الروح وانغلاقات الذات في مداخل عصيّة على الفهم العادي، بل ويأخذك برفق وعناية، وكأنَّ نبيًّا شعريًّا أوصاه بك.

يمثل أسلوب (العلي) أحد أضلاع المثلث السريالي في القصيدة الشعبية العراقية، والذي يمثل قاعدته العريضة الشاعر المبدع شاكر السماوي، ليكون عبد السادة وعزيز السماوي هما بقية أضلاع ذلك المثلث المتجهة إلى قمة الإبداع.

لكن هذا الضلع يختلف عن قرينه (عزيز..) في كونه ينتظر ذهن المتلقي للحاق به إلى كينونة الكتابة. إنه لا يتركه أسير المتاهات، بل يوليه عناية فائقة في "تثقيف" مخيلته بمفردات مكتظة ومحتشدة بالمعاني، عبر تقديمه نماذج متنوعة الأساليب، تنهل من موضوعة (البطل) الواحد الذي يكتب عنه.

قصائده، الواحدة منها، تشبه إلى حد قريب شجرة النبق الضخمة المتفرعة الأغصان؛ إنها تمنحه فرصة الاسترخاء والرضا تحت مظلتها المورقة، مستفيدًا من أغصانها في توفير ملاذ آمن لعصافير أحلام المتلقي، لتنام هي الأخرى بهدوء بعيدًا عن ضجيج المتطفلين على الساحة الشعرية.

تكمن صعوبة فهم القارئ البسيط لالتقاط الصور التي يبثها قمر (العلي) الشعري في ضرورة أن يكون المتلقي على درجة من النضوج الفكري والنباهة وقوة التركيز، والاختلاء بالنص عبر ذاكرة متقدة لا ترضى بالخمول. أما القارئ الكسول، فسرعان ما ينسحب من دوائر (عبد السادة) الشعرية، وتلك مثلبة القارئ الكسول وليست مثلبة الشاعر المجتهد.

قرّاء عبد السادة العلي هم صفوة القرّاء، الذين يهضمون مفردات القراءة فهمًا متميزًا، لتمتد أخيلتهم إلى أجنحة (العلي)، فتلحق معه في سماوات الروح وحاجات النفس، في التحليق والهروب من المألوف والمكرور بلا مسوغ شعري. إنه يدعو القرّاء (وبصوت مسموع) إلى المتابعة والمواظبة، وإلا فلن يلحقوا به، لا لأنه سريع الخيال فقط، بل لأن القارئ الكسول والمبدع لا يلتقيان في زورق واحد.

الملفت والمثير في قصائد (العلي) أن بناء القصيدة لديه يتخذ أسلوبًا لا نجده عند غيره؛ فصوره الشعرية تتناسل بشكل سريع لتتناغم فيما بينها، مكوِّنة لوحة فنية تتداخل فيها الألوان، هي الأخرى، بشكل منسجم. وصوره عبارة عن توائم من الصور، قد لا نستطيع أن نضع بين مفاصلها مفاصل أخرى، فكلها قوية ومؤثرة؛ إنها تأتيه طوعًا، مسحورة بخيال شاعر لا يفارقه الوعي الشعري حتى بعد لحظات الكتابة.

ذابل ضواهه.. انجوم صبري

او تيهت كل المدارات،

الرسمها الريح والوحشة ودموع عيوني

استطاع أن يعبر عن دواخله بشكل دقيق، فالصورة لديه تحمل تناقضات الآخر الذي يحاول إفساد حياته؛ إنها المفارقة الذكية لديه. فالحسد عادة يقتضي وجود شيء محسود، فكيف يكون مع فقدانه؟ تلك هي التي يدلنا عليها شاهده الشعري:

ياروحي مجاتل غربانج

او حبة بمسطاحج ما عندي

تتناسل صفحات جروحج

كلما ردت أكلّبلج صفحة

حتى مفرداته غنية؛ فمفردة (صفحة) في الثانية و(صفحات) في الأولى قد توحي بمعنى الورق، إلا أن (صفحة) الأخيرة تعني الجهة، وهنا تبدو التورية مثيرة للذهن. وربما يدل ذلك على قدرته في كتابة الأبوذية، والتي تقتضي الجناس في بنائها.

إن الكتابة عن العلي – عبد السادة – تدعونا لأن نفرد له كتابًا خاصًا، إلا أن منهج البحث جعلنا نكتفي له بقصيدة واحدة. ورغم طول قصيدته، إلا أنه حافظ عليها من السرد والترهل والتكرار، فبدت أنيقة رشيقة، رغم (سمنها) الشعري وطولها الفارع. عبد السادة العلي شاعر مهم، لا بد للنقد أن تكون له رؤية خاصة فيه؛ فلم يعد الصمت دليل البلاغة أمام قدرات شاعر متوهج، ولم ينطفئ حتى لحظات الكتابة هذه.