اخر الاخبار

مضى العمر أبا سرحان، وما زلت في الذاكرة، ولم تمحُ صورتك السنين الصعبة التي مضت، تملأ قلوب محبيك بمرارة الحسرات والخيبات والأحلام الضائعة. مات الكثيرون من أصحابك تحت قنطرتك البعيدة، وكم صيفٍ انقضى وشتاء، وما انقطع الرجاء، وما انتهت الليالي السوداء، وتفضضت هاماتنا. لقد باعنا السفّان للريح، وتفرّق بقية الأصحاب، وبدّل الخوف راياته، وما زالت البنادق تلجم أصوات المقهورين.

أكثر من أربعة عقود من الزمن، وما زلت غائباً وما زلت حاضراً. كنت فطناً نجيباً، شفافاً ومرهفاً، عزيزاً وأبياً. أذهلك الواقع بعد أن تمزقت الستارة، وأصبحنا أمام الوجوه التي غرقت بمكياجات الزيف، لكن الأدهان الملوّنة سالت فبانت الوجوه الكاذبة بكل خرائبها. غبت عنا مكرهاً، وربما فرحاً لأنك أحببت أن تحتفظ بالصور الجميلة. رحلت، وما زالت الحسرة عليك مثل جمر السنديان، ولا يزال السؤال يزداد إلحاحاً: أين أنت؟ أبا سرحان، هل ما زال الدرب طويلاً كما تنبأت منذ زمن بعيد؟ هل سنصل حقاً إلى تلك القنطرة البنفسجية الغافية على نهر الأحزان السرمدي، أم كانت مجرد كلمات وصور شعرية، أم كانت أحلامنا سراب المتعبين المنهكين، وقد تفطرت أكبادهم في ظهيرة صيف تموزي، فكانت مثل زورقٍ ملوّن يهرب بنا من واقعنا المرير؟

أيّ حاجزٍ كتائبي لئيم استوقفك أيها الشاعر الجميل؟ لا شك أنك تذكرت الشاعر لوركا حين أوقفته الكتائب الإسبانية السوداء. كلها كتائب ارتدت سواد الليل، ضباع سوداء تنبش في عظام المقابر، كشّرت أنيابها وأنشبت أظفارها لتسفك الدماء. كتائب الموت تكره الغناء، وتتعوذ من صوت فيروز الصباح. متوحشون يكرهون الغرباء، حملوا أعظم الأحقاد. مالنا، هل أصبحنا نحن الغرباء دودة الأرض المخيفة أم صرنا شذاذ الآفاق؟ ألم يكن الحسين غريباً في كربلاء؟ أما كان جيفارا غريباً في جبال بوليفيا؟

لم تكن أشراً يا أبا سرحان، فقد رحلت بعيداً تحمل دفاتر أشعارك وجسدك المنهك من سنوات السجن في نقرة السلمان. لقد ناصرنا وناصرتنا الثورة الفلسطينية، وكيف لا يتعاون المظلومون ويتعاضدوا. أتذكر أن فرقتنا الغنائية التي أسسها الملحن كمال السيد في دمشق أوائل الثمانينيات كانت تتدرب في مقر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في اليرموك، وكنا إخوة حقيقيون. وصدق أبو فراس الحمداني حين قال:

نسيبُكَ من ناسبتَ بالودِّ قلبهُ ، وجاركَ من صافيتهُ لا المصاقبُ

بالأمس استمعت إلى أغنية شوك الحمام التي كتبتها يا أبا سرحان في أواخر الستينDات، ولحنها كوكب حمزة وغناها فاضل عواد. انسكبت الكلمات على قلبي مثل شلالٍ من الأحزان، فبكيت، ثم بكيت. تمنيت أن أبحث عنك في كل ربوع لبنان، أن أنبش كل حجر وأسأل كل شجرة: هل تعرف أين تنام؟

أين غفوت يا أبا سرحان؟ تحت أية أرزة أو سنديانة وضعوك؟ ستنطق كل أشجار لبنان شعراً، وستسقيها من روح شعرك عذوبة الكلمات. شجيرات الأرز حزينة، حين أرادوا إخفاءك تحت جذورها، فتشرّبت منك سحراً وبياناً وموسيقى. لعلّك أفقت في إحدى الليالي لتغني شوك الحمام، فخرج الحمام ليلاً ليستمع إلى صوتك الحزين، أيها الشهيد الغريب.

أبا سرحان، لقاؤنا حتماً تحت جسر الأحلام، هناك قنطرتنا البعيدة، حيث غفت أحلامنا. الليل موحش وطويل، وضباعه قتلت الفرح في قلوبنا. لا ترحل، سنصل إليك، سنتسامر ونغني.

وُلد شاعرنا الغائب (أبو سرحان) في محافظة البصرة عام 1946، من أبوين ينحدران من قضاء الشطرة (قرية آل جار الله)، وقد قاده وعيه المبكر إلى الانتماء للحزب الشيوعي العراقي. سُجن في نقرة السلمان وهو لم يبلغ السابعة عشرة. صدرت له مجموعته الشعرية الأولى حلم وتراب في بداية السبعينيات، وكانت نبوءة مبكرة، إذ اختلط حلمه بتراب الأرض.

عمل في جريدة طريق الشعب عند صدورها عام 1973 مع نخبة من الكتاب، كما كانت قصائده ضمن المجموعة الشعرية "أغاني للوطن والناس". وامتازت تجربته الشعرية بلغة فلكلورية متوهجة، تنبع من الريف وتلامس وجدان الناس، حتى بدت بعض قصائده كأنها امتداد حيّ للتراث الشعبي، مع احتفاظه بخصوصيته وأسلوبه المتفرد.

غاب أبو سرحان، لكن حضوره ما زال ممتداً في الأغنية والذاكرة، في الكلمات التي بقيت تنبض بالحياة رغم الغياب. ولا يزال السؤال معلقاً: أين انتهت الرحلة؟ وهل سنجد أثرك يوماً، أم ستبقى حكايتك معلقة بين قنطرة بعيدة ونهرٍ من الأحزان؟