1
الشاعر، كما هو معروف، يرى، ينصت، يسمع، يحسّ، يواجه التعارضات، يُحرّر الصمت، يُقلّب سجّل الذاكرة في كلِّ متّسع، يكشف سرّية الوجود. ويشترك في (العام) مع (الآخر) في هذه التوصيفات، ويختلف في (الخاص) معه ُ. والاختلاف يعود إلى طبيعة وخصوصيّة الحساسيّة الشعريّة، الكامنة واليقِظة، الحساسيّة هذه، طيف ٌ بألوان كثيرة الترددات، لا يتوافر عليه الآخر بسهولة كما الشاعر. فالمجسّات المدبّبة عند الأخير لا تنشغل بالسطح وحسب، وإنّما تخترقه ُ وصولاً إلى الأقاصي والأعماق، حيث موطن السرّية والدّهشة، موطن سحريّة الواقع وتعارضاته اليوميّة.2
ما تقدّم من القول، لا ينوي أن يكون استهلالاً إنشائياً احتفائيّاً لمناسبة صدور كتاب الشاعر كاظم غيلان/ يوميّات كاتب عرايض، وإنّما مقاربة تحتمل الصدق أكثر من أيّ احتمال ٍ آخر، إذ أنّي من بين شهود كُثر على بعض وقائع هذه اليوميّات والتي في جوهرها مشاريع مذكّرات وشواهد حياتيّة، وإيقاعات تقترب من السرديّات القصصيّة والروائيّة.
إنَّ هذه اليوميّات قد لا تُدهش مَن عاصرها، لكن َّ الدهشة َ ستظهر بوضوح عند المتلقي الذي يهمّه تاريخ الظلِّ في الحياة العراقيّة وسنواتها العاثرة؛ هذا التاريخ هو الصورة التي تحمل إمضاء ً لا يُمحى.
3
يوميّات كاتب عرايض، هكذا جاءت التسميّة، وليس، يوميّات كاتب عرائض، لأنَّ التوصيف الأوّل (عرايض) يُشير إلى قاع المجتمع وبحرارة إيقاع شعبي مكتنز الدلالة وبانسجام مع الحسّ الشعري الشعبي الذي يعلو مع ممكنات الشاعر الأخرى.
4
لقد كان الواقع في هذه اليوميّات سحريّاً، صادما، أظهره ُ الشاعر بلغة متاحة للجميع، يتخللها ما هو هامس، ما هو غامز، ما هو إيحائي، ما هو كوميدي، ما هو شعري في حدود الحالة الحسيّة التي تمليها غرائبيّة هذا الواقع.
إن َّ ذاكرة الشاعر لم تكن ذاكرة اللحظات العابرة التي يتلفها الزمن - حتى وإن بدا بعض هذه اللحظات للآخر بمثل هذه السهولة - وإنّما (ذاكرة شجرة) تحتفظ ببذرتها الأولى التي أنتجتها مهما استطالت:
إن َّ لي شجرة أحبّها جداً، وبسببها بدأت أتردد على الباب المعظّم في زياراتي الأخيرة. هذه الشجرة زرعتها ذات ربيع تسعيني، كبرت ْ الآن، أقف أحيانا ً أمامها ولا أتمكّن من حبس دموعي.
5
يوميّات الشاعر كاظم غيلان لا تخفض صوتها، لأنّها تتخطّى مقاومة الصمت إلى المقاومة جهْراً، الصمت ُ حينما كان في أرشيف الذاكرة خيطاً طيفيّا ً، والجهْر – الآن، في يوميّات تمتلك خاصيّة الوثيقة وإن جاءت بتنويع ٍ مُضاف:
عملت ُ لسنوات طويلة كاتب َعرائض في مكاتب استنساخ باب المعظّم التي أتاحت لي نعمة توفير ما كنت ُ بحاجة له في مقاومتي للحصار وإبعاد نفسي عن السقوط الثقافي المريع.
إن َّ الوثيقة هذه بتنويعها المضاف، قد خلَت من بعض يوميات أخرى مشتركة معي وآخرين، فيها ما يُضيف لواقعيتها وسحريتها، مما يجعل الاكتمال أقرب إلى المستقر ّالأخير.
وأُضيف، أن َّ اليوميات حينما يكتبها شاعر، كما في يوميّات كاتب عرايض، ستمنح ُ بقاءَها وقعاً شعريّا ًـ غنائيّا ً أو ما هو في عداد النثر – الشعر .