يموت الشاعر بصمت، ويحلُّ بنا صمتٌ آخر، ولا أحد يستطيع أن يفكَّ مغاليقَ صندوق الأسرار، فالموت لا يشيخ وهو المنتصر دائماً، رغم أنّهُ لا يُرى:
"يأخذُنا الموتُ دونَ أن نراه،
وكأنَّ هذا المنتصرَ أبداً..،
هاربٌ أبدا ..."
"أدونيس"
وتقول الحكاية: كل المخلوقات تذهب إلى الموت، إلا الإنسان فإنَّ الموتَ يذهب إليه. وهذا يعني أنَّ الإنسان يحاول أن يمنح الحياة بقاءً أطول، ومعنىً حياتياً أكثر إشراقاً، يُعاكس معنى الموت الذي لا يعرف سوى المحو والزوال. ويكمن الشعر في إنسانية الشاعر، ويظهر المعنى الفني/ الجمالي الذي يُجمّل الحياة ويسخر من تعارضاتها اليومية الصادمة.
مناسبة هذا القول، محاولة في تجاوز الرثاء، رثاء الشاعر الراحل (أبو وليد – سفّاح عبد الكريم)، هذا الشاعر الذي جعل ضميرهُ شراعاً يعبر بهِ إلى النقاء الروحي / الوجودي. وكم كان منشغلاً باليقين؟، إذ كان على مقربةٍ حميمة من الشعراء الشيوعيين، فكراً وإبداعاً. لقد تمعّنَ في تجديدهم وحداثتهم، واستقرَّ معهم في الموقف الإبداعي بعد أن اقتنع بمواقفهم الفكرية أيضاً.
نعم إنَّ الموت معبرٌ إلى اليقين، لكنَّ اليقين كان حاضراً رغم الخسارات المادية التي واجهها الشاعر نتيجة براءتهِ في التعامل مع مَن سببَ له تلكَ الخسارات. إنَّ اليقين الذي كان حاضراً ونطالعهُ في أعمالهِ الشعرية التي ستمنحهُ الخلود:
شراع الضمير.
روحي ياليل الحلم.
عازف الناي.
هلهولة حزن.
والعمل الأخير – الذي لم يستطع توزيعهُ – يشي بإحساسهِ بالرحيل، فقد أزاح دلالة الهلهولة من الفرح إلى الحزن. ورغم هذه الإزاحة، يبقى شراعُه الضمير في الحضور والغياب، الشراع الذي يرنو إلى الشمس مهما كانت حراجة الغيم:
الشمس..
يتعثّر ضواهه
ابزحمة الغيم..
الذي صار
ابدربها
اتغرّبتْ
واشموعها الماتنطفي ابّارح..،
لكَت تابوتها
ابجَف المنيّه والغريب.
......،
ياهو سولَف
للدمع..
عمرين
واتلاوه إويَه جفنَه؟
إو ياهو خلّه
الشّط..
عُمر مستاحش
إوحزنه جزيره؟
ويكتب الشاعر (أبو وليد) الشعر الشعبي بالشكل الحديث، متحرراً من قوالبهِ القديمة، وبذلك يأخذ ما يسعهُ من المكان ضمن حدود تجربته ولونه، في مساحة الموجة التجديدية في الشعر الشعبي العراقي الحديث بعد التجربة النّوابية الرائدة. كما لا يمكن إغفال حسّهِ النقدي، إذ كتب كثيراً عن مجاميع شعرية شعبية لمختلف الأجيال من الشعراء، وكان يعكس تذوّقاً فنياً جمالياً خاصاً، وبما ينسجم مع وعيهِ في فهْم الشعر وفكرة الشعر. ولا يمكن أيضاً إغفال مساهماته في الأغنية العراقية الحديثة. إنَّ الموت سيبقى هارباً، وللشاعر بقاءٌ يطول...