( 1 )

الشيخ جلال الحنفي البغدادي ، شخصية ثقافية متعددة المواهب والإهتمامات ، ونتيجة لهذه التعددية إكتسب صفته الموسوعية حيث أثرى المكتبة العراقية بكتب ٍ مازالت تشغل رفوف هذه المكتبة وقد أصبحت مراجع َ للباحثين والدارسين نتيجة رصانتها ودقتها ومنهجيتها في البحث والتقصي ، وهنا لابدَّ من التذكير ببعضها : العروض وتهذيبه ، المغنّون البغداديون ، معجم الصناعات والحِرَف البغدادية ، الأَيمان البغدادية ، الأمثال البغدادية ، معجم اللغة العامية البغدادية ، وغيرها .

من ملاحظة هذه العناوين يتضح مدى انشغاله واهتمامه بالتراث الشعبي البغدادي الذي يعتبره جزءاً من ثقافة بغداد الشعبية ؛ وما اعتداده بلقب البغدادي إلا التأكيد الإضافي في تأصيل البغدادية ، حيث بغداد هي التأصيل والإصول ، تاريخيّاً وثقافيّاً.

في كتابه ( معجم اللغة العامية البغدادية ) والذي يقول عنه : إنّه ُ متابعة شخصية لألفاظ البغادّة في الحياة اليومية خلال خمسين سنة ، بحث َ جذور المفردات الشعبية واشتقاقاتها اللغوية حسب الحروف الهجائية متماهياً بشكل ٍ أو آخر مع الفراهيدي في كتاب العين ؛ ويُضاف لمتابعته الشخصية إعتماده مصادر قديمة كان لها السبق في مثل هذا المبحث ، ومن بينها : قاموس العوام في دار السلام للسيد محمد سعيد آل مصطفى الخليل ، أصول ألفاظ اللهجة العراقية للشيخ محمد رضا الشبيبي ، المُحكم في الألفاظ العامية للدكتور أحمد عيسى ، مجلة لغة العرب للأب الكرملي . وبذلك يصح أن نطلق على هذا الكتاب صفة التكامل .

 ( 2 )

إنَّ أهم ما يمكن أن نتشاغل ونتداخل به مع الشيخ البغدادي : كيف استخدم التوصيف – اللغة العامية بدل اللهجة العامية ؟ وهو العارف بأنَّ اللغة تقوم على النحو والصرف والقاعدة على العكس من اللهجة ؛ وأرى استنتاجاً لا يقطع بالجزم ، أنه ُ وجدَ في سعة تداول المفردات الشعبية في الحياة اليومية ما يطغي ، ويُعوّض عن الفصحى ، لساناً ، بعد أن أصبحت اللهجة مادة ً في الغناء والشعر والمسرح والتحاور ، وبذلك اكتسبت صفة ً لغويةً خاصة، إضافة الى الدليل التاريخي الذي يقول بأنَّ كلَّ لهجة ٍ كانت لغة ً في يوم ٍ ما .

وفي تشاغل آخر مع الشيخ البغدادي ، نجد أن َّ المفردات الشعبية التي بحث في جذورتسمياتها واشتقاقاتها لم تكن مقتصرة على لهجة البغداديين ، وإنما الكثير منها شائع في الجنوب والغرب العراقيين ايضاً ، وبذلك تكون التسمية الأرسخ لكتابه : معجم اللغة العامية العراقية . وللدقة ، فإنه ُ يشير إحياناً الى ذلك ويستدرك حينما يعرف أن َّ هذه المفردة أو تلك شائعة في مدن ومناطق أُخرى ، ويبدو أنَّ بغداديته كانت تمسك أصابعه كثيراً حيث يقول : كنت ُ أتقمص فيما أقول شخصية العامي البغدادي تقمّصاً تاماً لأني واحد من بين الذين أظلتهم سماء بغداد ، ولولا هذا التقمّص لما أمكن لي الإحاطة بكثير مما أحطت ُ به .

( 3 )

الشيخ البغدادي يقرُّ في مقدمة الكتاب موضحاً منهجه في البحث والأحصاء ، بأنه لم يكن ناقداً اجتماعياً ، وإنما مؤرخ للألفاظ والتقاليد التي ترتبط بدلالات المفردات ما حَسُن َ منها وما لم يحسن وبما يعكس اجتماعيتها وفولكلوريتها ،  حيث يقول  :

أود ُّ أن أُشير الى أنَّ الجانب الفولكلوري هو السائد في هذا المعجم ، مضافاً الى الجانب اللهجوي والإحصائي ( ولنلاحظ عبارته – الجانب اللهجوي بدل الجانب اللغوي الذي إعتمده في تسمية عنوان الكتاب ! ).. ويُكمل قوله : أرجو أن لا يُنسب إليَّ شيء من الإعتراف بشرعية ما أنقله للقاريء في هذا المعجم من غرائب ومعتقدات العامة ، ومواضعاتهم التي تواضعوا عليها في كثير من ضروب حياتهم الاجتماعية ، فإذا رحت ُ أذكر بعض وسائلهم في العلاج ، فليس معنى ذلك أني أُزكّي هذا العلاج وأقرّه ، كما أني حين أُشير الى بعض خرافاتهم لا أُخضع ذلك للمجاهرة بنقد ٍ أو شيء من هذا القبيل ، لأن َّ دوري في المعجم ليس دور الناقد الإجتماعي ، وإنما أنا مؤرخ للألفاظ والتقاليد .

 (3 )

لغرض توضيح طريقة الشيخ البغدادي في تعريف المفردات الشعبية واشتقاقاتها وارتباطها بغيرها من اللهجات ، نورد المثال الآتي :

تُكمه -  يصفون الشيء المُحكم بأنه ُ ( تُكمه ) وفي التركية ( تقما ) بمعنى سداد الكوز وغيره ،  ومنه جاءت كلمة تُكمه بمعنى مُحكَم ..والتُكمه جي هو مَن يقوم بسكب المعادن على الهيئات المطلوبة ، واللفظ من التركية (تَوكْمَق ) أي السكب ..، والتُكمه جي يُلفظ تُكمجي . والتكمه بكسر التاء وجمعها تِكَم- الدعامة من خشب تكون تحت السقف .. قال في ( قاموس العوام ) إنها محرّفة ( ديكمه ) التركية بمعنى المعتدل الثابت ..، والتِكمه كذلك : حركة من حركات المصارعة محرفة ( تيمه ) التركية وهي رفس الحيوان برجله ، قاله في قاموس العوام .

عرض مقالات: