في الوقت الذي لا يزال فيه أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة يكافحون من أجل البقاء وسط دمار غير مسبوق، تتكشف في الكواليس الدولية معركة من نوع آخر: سباق محموم بين شركات ومقاولين أمريكيين مقربين من دوائر صنع القرار في واشنطن للسيطرة على ملف إعادة إعمار غزة والمساعدات الإنسانية، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وأفغانستان، حيث تحولت الكوارث إلى أسواق مفتوحة للربح السياسي والمالي.
تقرير استقصائي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية يسلّط الضوء على ما يمكن وصفه بخصخصة المأساة الغزية، ويكشف عن مخططات أولية لإدارة الإعمار والمساعدات بعيدًا عن الأطر الإنسانية التقليدية، وبمنطق المقاولة والرسوم والعوائد.
كعكة يتنافس عليها الجميع
بحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن تكلفة إعادة إعمار غزة قد تصل إلى 70 مليار دولار، بعد أن تضرر أو دُمّر ما يقارب 75% من مباني القطاع، نتيجة حرب امتدت لعامين من القصف الإسرائيلي المكثف.
لكن المفارقة أن هذه “الفرصة” الاقتصادية الضخمة تُناقَش ويخطَّط لها في ظل غياب أي آلية دولية شرعية أو شفافة لإدارة الإعمار، حيث لم يبدأ بعد عمل ما يسمى بـ“مجلس السلام” الذي أُعلن عنه برئاسة دونالد ترامب، كما أن صلاحيات مركز التنسيق المدني–العسكري الجديد محدودة وغير واضحة.
هذا الفراغ فتح الباب أمام تحركات موازية يقودها البيت الأبيض مباشرة، عبر فرقة عمل خاصة بغزة يشرف عليها جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وأريه لايتستون، في تجاوز واضح للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية ذات الخبرة الطويلة في القطاع.
مقاولو السجون يديرون الإغاثة!
من أخطر ما كشفه التحقيق هو دخول شركات أمريكية ذات سجل مثير للجدل في إدارة مراكز الاحتجاز والهجرة إلى سباق الإعمار، وعلى رأسها شركة Gothams LLC.
هذه الشركة فازت سابقًا بعقود حكومية لإدارة مركز الاحتجاز سيئ السمعة في جنوب فلوريدا، المعروف إعلاميًا باسم “ألكاتراز التمساح”، حيث يُحتجز المهاجرون في خيام ومقطورات، وسط انتقادات حقوقية واسعة.
وفق وثائق ومصادر تحدثت للغارديان، كانت غوثامز تُعتبر المرشح الأبرز للفوز بعقد إدارة الخدمات اللوجستية في غزة، بل وتمتعت بما وُصف بـ“مسار داخلي” داخل دوائر القرار الأمريكي. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يمكن لشركة متخصصة في إدارة مراكز احتجاز أن تتحول فجأة إلى جهة “إنسانية” تشرف على إدخال الغذاء والدواء لمجتمع منكوب؟
الإغاثة برسوم والإعمار بثمن
وثيقة تخطيطية وُصفت بأنها “حساسة لكن غير مصنفة”، نُسبت إلى آدم هوفمان، أحد المستشارين البارزين في فريق غزة، تقترح نظامًا لوجستيًا جديدًا قائمًا على تعيين “مقاول رئيسي” يتولى:
إدخال 600 شاحنة يوميًا إلى غزة
فرض 2000 دولار على كل شاحنة مساعدات إنسانية
فرض 12000 دولار على الشاحنات التجارية
بحسابات بسيطة، تشير تقديرات الغارديان إلى أن إيرادات هذا النظام قد تصل إلى 1.7 مليار دولار سنويًا من رسوم النقل فقط.
هذا النموذج لا يحوّل المساعدات إلى سلعة فحسب، بل ينسف جوهر العمل الإنساني القائم على الحياد وعدم الربح، ويجعل وصول الغذاء والدواء مشروطًا بالقدرة على الدفع، في قطاع يعيش تحت حصار خانق منذ سنوات.
تهميش الأمم المتحدة
تاريخيًا، كانت الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها تؤمّن أكثر من 80% من الاحتياجات الأساسية لسكان غزة. اليوم، لا يزال دورها المستقبلي غامضًا، في ظل تحكم إسرائيل الكامل بتصاريح الدخول، سواء للمنظمات الإنسانية أو حتى للشركات الربحية التي يجري الترويج لها.
الناشط الإنساني الأمريكي أميد خان وصف هذه الخطط بأنها: “معيبة وسخيفة… لا أحد من هؤلاء لديه خبرة في العمل الإنساني. لا أدوية، لا معدات طبية، ولا فهم حقيقي للاحتياجات”.
هذا التهميش المتعمد للخبرات الإنسانية يفتح الباب أمام تسييس الإغاثة وربطها بشروط أمنية وسياسية، لا سيما مع إعلان "إسرائيل" أنها ستمنع إعادة الإعمار في المناطق التي تسيطر عليها حماس ما لم يتم نزع سلاحها.
من العراق إلى غزة
تشبيه أحد المقاولين المخضرمين لما يجري بقوله: “الناس يتعاملون مع غزة كما لو كانت حربًا أخرى مثل العراق أو أفغانستان.. ويحاولون الثراء من ورائها” ليس توصيفًا عابرًا.
فالتجربة العراقية أظهرت كيف تحولت إعادة الإعمار إلى منظومة فساد وعقود سياسية، بينما بقيت البنى التحتية والخدمات دون المستوى الموعود.
اليوم، يبدو أن غزة مهددة بتكرار السيناريو ذاته: إعمار بلا سيادة فلسطينية، مساعدات مُسعَّرة، شركات ربحية بلا مساءلة.
ما تكشفه الغارديان ليس مجرد تنافس تجاري، بل صراع على تعريف مستقبل غزة: هل تُعاد بناؤها كموطن قابل للحياة لأهلها؟ أم كمشروع استثماري–سياسي تديره شركات مقربة من السلطة، وتُفرض شروطه من خارج القطاع؟
في ظل غياب الشفافية، وتهميش الفلسطينيين أنفسهم عن طاولة القرار، فإن أخطر ما قد تواجهه غزة بعد الحرب ليس الركام فقط، بل إعادة إعمار تُصادِر حقها في الحياة والكرامة والسيادة.