اخر الاخبار

يوما 18 و19 تشرين الأول 2025، عقد في منطقة فافوريتن في العاصمة النمساوية فيينا، المؤتمر الـ 39 للحزب الشيوعي النمساوي، بمشاركة 250 مندوبا. وعقد المؤتمر في مكان انعقاد مؤتمر تأسيس الحزب قبل 107 عام.

مؤتمر ترسيخ وحدة الحزب

يعد المؤتمر، مؤتمرا لترسيخ وحدة الحزب. لقد كان المؤتمر التاسع والثلاثون للحزب مؤتمرًا توحيديًا، حيث شارك فيه ممثلو تنظيم الحزب في ولاية ستيريا، وعاصمتها مدينة غراتس، الذين عملوا باستقلالية إلى حد كبير لسنوات منذ عام 2004. وانتُخب ممثلون من ستيريا لعضوية المجلس التنفيذي الاتحادي، وهم يمارسون هذه المهام القيادية لأول مرة. وقد شهد التقارب بين الحزب، وتنظيمه في ولاية ستيريا تطورًا في السنوات الأخيرة. والمعروف أن خلافات على تحديد السياسة العامة للحزب سادت العلاقة بين الطرفين، لكن التنظيم الشيوعي في ستيريا لم ينفصل عن الحزب، بل ابتعد لعقدين تقريبا من المشاركة في فعاليات الحزب التنظيمية المركزية. ويبدو ان النجاحات التي حققها الحزب، وفرت أجواء أفضل للحوار والتواصل، توجت بالمشاركة في أعمال المؤتمر والمشاركة في قيادة الحزب الاتحادية. وساهم هذا الواقع في إقرار وثيقة المؤتمر الأساسية، هذه المرة، بأغلبية كبيرة. فكيف ترسخت وحدة الحزب؟

لجنة موسعة

في حوار مع سارة بانسي، المتحدثة الفيدرالية باسم الحزب حينها، التي ترأست لجنة موسعة للأعداد للمؤتمر، نشر في موقع الحزب، تناولت الأسباب الموجبة وما قامت به اللجنة.

لقد انسحبت منظمة مقاطعة ستيريا، وعاصمتها غراتس من اللجان الفيدرالية قبل عشرين عامًا لأسباب مختلفة. وقد بدأت عملية التقارب منذ عدة سنوات. يشارك رفاق من قيادة ولاية ستيريا في اجتماعات اللجنة التنفيذية الفيدرالية مجددًا منذ عام 2024، دون تمتعهم بحق التصويت. ولتوفير منبرٍ لجميع منظمات الولايات للتحضير معًا لمؤتمر الحزب، أنشأت اللجنة التنفيذية الفيدرالية لجنة تحضيرية لمؤتمر الحزب. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية لأن اللجنة التحضيرية اتاحت إجراء مناقشات، وتبادل وجهات النظر المختلفة، ودراسة الخيارات المتاحة، دون ضغوط اتخاذ القرارات. تُعدّ اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحزب رؤى سياسية، لكن القرار النهائي، بطبيعة الحال، يعود إلى اللجنة التنفيذية الفيدرالية. وقد عُقدت عدة اجتماعات. ركّز الاجتماعان الأولان على مراجعة نقدية ذاتية لعمل الهيئات القيادية داخل الحزب الشيوعي النمساوي، وعلى كيفية تحسين أداء الحزب من خلال إعادة التوحيد. لقد تطورت منظمات الحزب الشيوعي النمساوي بشكل منفصل على مدى عشرين عامًا، مُرَسِّخةً ثقافات ومناهج مختلفة. وعلى الرغم من ان مناضلي الحزب غالبًا ما يقصدون الشيء نفسه، لكنهم يعبرون عنه بطرق متباينة. ولهذا كان من الضروري مناقشة المنتظر من المجلس التنفيذي الاتحادي المشترك، بعد اختتام اعمال المؤتمر.

بشكل ملموس، ومنذ المؤتمر الـ 38، جرى تقارب أكثر فأكثر بين تنظيمات الولايات، وكان التحدي الماثل وقتذاك، يكمن في اتخاذ إجراءات حاسمة وتوجيه الحزب وفقًا لذلك. وتطلب الامر قدرًا من الثقة في بعض المجالات، وهو أمر ليس من السهل تحقيقه دائمًا. في هذه الحالة احتاج الحزب إلى برنامج مشترك لتوجيه عمل منظمات الولايات والمناطق. كما يحتاج إلى فهم مشترك لمسؤوليات قيادة الولايات والقيادة الفيدرالية، وكيفية تنظيم تقسيم العمل. علاوة على ذلك، كان من الضروري تحسين تطوير الأداء القيادي والعمل المحلي في السنوات المقبلة.  وكان واضحا، انه لا يمكن فرض كل هذا من أعلى، بل يجب تطويره بشكل مشترك. يرى البعض أن هذا يحدث ببطء شديد، بينما يراه آخرون سريعًا جدًا. 

أسئلة مالية

من المثير للدهشة أحيانًا مدى محدودية معرفة منظمات الولايات بإمكانيات بعضها البعض. تتفاوت مواردها بشكل كبير. بعضها يتلقى الملايين، من خلال المشاركة في برلمانات الولايات والمدن وسعة المنظمات، بينما لا يملك البعض الآخر حسابات مصرفيه خاصة به نظرًا لانخفاض وارداته. منذ عام 2024، أصبح الحزب ملزما، بموجب القانون، بتقديم تقرير مالي سنوي. وهذه هي المرة الأولى، منذ فترة طويلة، تتعرف منظمات الولايات على ورادات كل ولاية وأين تنفق.

وجري نقاش حول كيفية هيكلة ميزانية الحزب الفيدرالية ومقدار مساهمة كل منظمات الولايات. وفي فترة سابقة شارك رئيس الحزب والمتحدثة الفيدرالية في اجتماعات اللجان القيادية في الولايات لطرح السؤال: هل هناك حاجة لحزب فيدرالي مشترك؟ وكانت الإجابة بالإيجاب في كل مكان. وما الذي يؤمل منه؟  هنا برزت أولويات مختلفة، لكن التركيز العام انصبّ على برنامج مشترك، وهيكل حزبي موحد، وشبكة تواصل بين الولايات، وجهود مكثفة في مجالي التأهيل الفكري والتنظيمي، وبناء الكادر القيادي. أما الخطوة الثالثة فهي تحديد آلية تمويل الحزب الفيدرالي.

تفاؤل ومستقبل واعد

ينمو الحزب الشيوعي النمساوي سريعا، ويُعاد بناء العديد من هياكله وتُجدد ممارساته الناجحة. لقد ازدادت عضوية الحزب بنسبة 40 في المائة منذ المؤتمر الـ 38، مما أضفى على الحزب، في جوانب عديدة، حيويةً جديدةً. وهذا ضروري، ليس فقط بالنسبة للحزب الشيوعي النمساوي، بل للشعب النمساوي بأكمله. فالنظام السياسي السائد لا يُقدم سوى إجراءات تقشف قاسية، تُفرض على الغالبية العظمى من السكان، ويقدم اليمين المتطرف شيئا مماثلا. ولهذا تقع على عاتق الشيوعيين مسؤولية بناء بديل اجتماعي، وبالتالي مواجهة حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف. لقد حقق الشيوعيون نجاحات لافته، والكثيرون في النمسا يشعرون بالحاجة إلى مثل هذه السياسة ويتجهون إلى الحزب. وهذا مبعث تفاؤل وثقة بالمستقبل.

بعد انهيار التجربة الاشتراكية، وعلى عكس العديد من الاحزاب الشيوعية، احتفظ الحزب الشيوعي النمساوي باسمه. واستمر في المشاركة في انتخابات البرلمان الاتحادي على الرغم من عدم تجاوزه نسبة 1 في المائة، ومحدودية عضويته التي كانت تبلغ احيانا 2500 فقط. لقد وصف فالتر باير السكرتير الاسبق للحزب (1994 – 2006)، والذي قاد عملية التجديد فيه هذا السلوك بالاقتراب من “المازوخية”.

لقد ادت عملية التجديد التي تبناها الحزب إلى مراجعة التجربة السابقة، دون التخلي عن المنهج الماركسي في التحليل كأساس للممارسة. ونتيجة لذلك ابتعد الحزب عن الجوانب الضارة في التجربة السابقة مثل سيادة البيروقراطية والمركزية الشديدة والعقائدية، وتراكم الإشكاليات واللجوء إلى تبرير انعكاساتها. وتحوّل الحزب وفق خطوات مدروسة إلى قوة منفتحة وجاذبة للتنوع داخل اليسار، محافظا على موقعه كقوة متميزة على يسار قوى الوسط في المشهد السياسي.

ويرى فالتر باير، رئيس حزب اليسار الأوروبي حاليا، ثلاثة أسباب رئيسية لنهوض الحزب: التجديد الشامل وكسر الجمود الفكري السابق. الثبات والاستمرار في ممارسة سياسة ملموسة في البلديات مستندة على علاقة مباشرة ووطيدة بالناس، واعتماد اساليب جديدة ومبتكرة وذات مصداقية في الدفاع عن مصالحهم. وهذا النهج كان وراء نجاح أحزاب اليسار في بلجيكا وايرلندا أيضا. ثالثًا، التطور في موقف الحزب من شبيبة حزب الخضر الذين غادروا حزبهم؛ إذ منحهم الحزب الشيوعي، بيتا سياسيا جديدا، واختارهم للمواقع القيادية في الحزب.

اما كورنيليا هيلدبراندت، الرئيسة المشاركة لمركز “تحول” للبحوث، المرتبط بحزب اليسار الأوربي، والمهتمة بالتطورات داخل الأحزاب التقدمية، فتتحدث عن حزب يعمل مع المجاميع النسوية الناشطة، العاملين في مجال الثقافة، ممثلي مناهضة الفاشية، جماعات الدفاع عن البيئية، منظمات المهاجرين، وشبيبة الخضر والديمقراطيين الاجتماعيين، بالإضافة إلى المجموعات والشخصيات الماركسية على تنوعها.

والحزب عضو في حزب اليسار الأوربي، وقد انتخب سكرتيره الأسبق فالتر باير رئيسا لحزب اليسار الأوربي، في مؤتمر الحزب الذي عقد أخيرا. واليوم يعود الحزب الشيوعي النمساوي إلى برلمان ولايات غادرها في عام 1949 ، العام الذي بدأت به ذروة الحرب الباردة، وحملات معاداة الشيوعية في الغرب، بعد انهيار الفاشية الايطالية والنازية الألمانية والعسكرية اليابانية، ودخول العالم في مرحلة جديدة من الصراع بين الاتحاد السوفيتي وبلدان المعسكر الاشتراكي، وبلدان الغرب الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة الامريكية.

ما قبل المؤتمر

ناقشت منظمات الحزب مشاريع الوثائق المطروحة على المؤتمر بمشاركة ممثلين عن قيادة الحزب الفيدرالية. وتم جمع الملاحظات. والهدف ليس فقط جمع المقترحات، بل الأهم من ذلك كله إعادة تهيئة مساحات مشتركة للنقاش وتبادل الآراء، وهو ما افتقر إليه الحزب في العقود الأخيرة. وفي خطوة تالية، ُرشّحت فروع الحزب المحلية مندوبين لحضور مؤتمر الحزب. وتم ارسال المقترحات المُقدّمة، قبل انعقاد المؤتمر، إلى جميع الأعضاء.