اخر الاخبار

أصدرت عشر منظمات معنية بمراقبة الانتخابات والتنمية وحقوق الإنسان بياناً دعت فيه إلى مجموعة من الإصلاحات، وهي خطوة تسجل لهذه المنظمات المعنية بالديمقراطية والتقدم في تأشيرها خلل بنيوي في إدارة الانتخابات.

وبحسب البيان الصادر عنها فإنها أشرت مجموعة من التوصيات العملية، وهذه التوصيات هي الأكثر أهمية من ديباجة البيان العمومي الصادر لاطلاع الرأي العام. وكان ينبغي على هذه المنظمات اطلاع الرأي العام عن التوصيات الأساسية التي تدعو لها، ورفعتها إلى مجلس النواب والمفوضية المستقلة لمراقبة الانتخابات وبقية الجهات المعنية.

إن بيانات المبادئ العامة لا تضمن توفير زخم جماهيري ونخبوي لتحقيق الإصلاحات الضامنة لنزاهة الانتخابات بما يعزز المشاركة الجماهيرية للناخبين من غير الذين يبيعون أصواتهم مقابل دنانير معدودة. في ظل عزوف عام عن المشاركة، التي جرى كسر بعض معالمها بما وزع من مغريات من أموال النفط ووعود التعيينات .. الخ.

لذلك ينبغي الوعي بأن المبادئ العامة لا تعني شيئاً، فالمشكلة في التفاصيل والتطبيق العملي، مما يعني ضرورة توفر ضوابط قانونية وإدارة كفء نزيهة غير متحزبة قوية الإرادة.

وما شهدناه طيلة الانتخابات الماضية أن أغلب منظمات مراقبة الانتخابات وبقية المنظمات التي شاركت في المراقبة، لم تسجل أية مخالفات حمراء إلا ما ندر. في حين أن هيئة النزاهة في ملاحقتها مسؤولين اعتقلوا بتهم فساد مؤكدة كشفوا كيفية تدخل الأموال المنهوبة من المال العام لمصلحة عدد غير قليل ممن فازوا في الانتخابات الأخيرة وما قبلها.

وأغلب المنظمات التي تحدثت في تقاريرها عن الانتخابات السابقة لم تسجل أية ملاحظات حمراء على البيئة الانتخابية، حيث كان شراء أصوات الناخبين وقرقعة السلاح مكتومة الصوت، وإغراءات الناخبين بالتعيينات، بجانب الطرح الطائفي والجهوي، حالة عامة قبضت على خناق توجهات الناخب.

ويبدو لي أن الحرية والنزاهة في مراقبة الانتخابات، شأنها شأن الإعلام المستقل، محكومة في دولة الاقتصاد الريعي، بالتبعية لـ «أولي الأمر» القابضين على مفاصل المال العام ومؤسساته.

وستظل القضية الأساس في أي إصلاح انتخابي تستدعي:

• تقييد حجم الإنفاق بمبالغ معقولة كما هو المعمول به في الديمقراطيات العريقة، وحتى بلدان نامية مثل المغرب وتونس، وليس النسب الحالية التي تصل التريليونات للأحزاب القابضة على زمام السلطة.

• حسم قضية منع مشاركة أي طرف له فرع مسلح معلن أو مستتر من المشاركة في الترشيح للانتخابات، وليس غض النظر عنها بتبريرات تخرق مبادئ الدستور وتجرد الديمقراطية من محتواها في حرية الرأي والتعبير.

• تعزيز حماية المفوضية المستقلة لمراقبة الانتخابات من الضغوط والإغراءات، فليس من المصادفة أن يكون الكثير من الفاعلين في الهيئة قد كانت مكافأتهم وظائف متميزة بعد انتهاء فترة خدمتهم في المفوضية.

• منع تجيير أصوات الناخبين لمصلحة القوى المتنفذة من خلال رفع نسبة توزيع المقاعد في معادلة سانت ليغو، بعكس ما هو المقصود من ابتكارها لتعهد أصوات ناخبي القوى الأقل نفوذاً في السلطة والمال.

• إن نظام جعل البلاد دائرة انتخابية واحدة مع هامش للتصويت المحلي بنسب معقولة، في ظل تراجع زخم الطائفية والجهوية، وهو ما عمل به في الانتخابات الأولى 2005، هو الأنسب لضمان عدالة عدم ابتلاع أصوات المرشحين الأقل نفوذاً، وهو نظام معمول به في ألمانيا وتونس والمغرب وبلدان أخرى ديمقراطية حقيقة وليس بالاسم.

إن تفاصيل التوصيات لضمان عدالة ونزاهة الانتخابات كثيرة، ليس من المناسب في هذا المجال التطرق لتفاصيلها، لكن ما ذكرناه هو أهم الأسس المطلوبة.

لكن المؤسف أن منظمات مراقبة الانتخابات في أدائها وما صدر عنها هي أقرب ما تكون لاسترضاء المتنفذين، ومن يمثلهم في المفوضية، لضمان إجازة نشاطها والحصول على بعض المعونات من الرعاة الدوليين الغربيين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

* مراقب انتخابات دولي متقاعد