اخر الاخبار

إرم نيوز

تتقاطع التحركات السياسية والتشريعية الحالية في العراق عند ملف يُعد الأكثر تعقيداً وسخونة منذ سنوات، والمتمثل في حصر السلاح بيد الدولة وإعادة هيكلة "الحشد الشعبي". 

وبينما تسعى أطراف حكومية ونيابية إلى دفع التعديلات القانونية نحو الإقرار لتأطير العمل الأمني تحت مظلة القائد العام للقوات المسلحة، كشفت المعطيات الميدانية والسياسية عن وجود انقسام عميق يهدد بتجميد التعديلات برلمانياً. 

ويتزامن ذلك مع مطالبات قانونية بوقف المساومات السياسية، وتشديد قانون مكافحة الإرهاب لتجريم حيازة الأسلحة الثقيلة، بما يحول أي تمرد على قرار الدولة من مناكفة سياسية إلى جريمة جنائية.

 

تعديلات مقترحة

وكشفت مصادر خاصة، لـ"إرم نيوز"، عن تفاصيل متعلقة بالتعديلات المقترحة على قانون الحشد الشعبي، والتي تسببت في تفجير غضب حركة "النجباء" ودفعها لإعلان رفضها القاطع للقانون، واصفة إياه بـ "المجحف" والمستهدف لتفكيك الحشد وإضعافه، وملمحة إلى وجود أيادٍ مشبوهة خلفه.

وأكدت المصادر أن غضب الحركة والتشكيلات المناهضة للتعديل يتركز بشكل أساسي في نقطتين جوهريتين تمسان صلب بنية الفصائل وركائز قوتها، أولها نزع ملف السلاح الاستراتيجي والتسليح الثقيل الذي ينص على حصر إدارة وتخزين الصواريخ المتطورة والطائرات المسيرة بيد وزارة الدفاع والقيادة المشتركة حصراً، مع حظر عقد أي صفقات تسليح نوعية مستقلة من قبل قيادات الحشد، وهو ما تعتبره "النجباء" ضمنياً بمثابة تجريد كلي لقوة الردع التي تمتلكها.

أما النقطة الثانية، فتكمن في شروط الرتب العسكرية والتقاعد ودمج المقاتلين، حيث يفرض المشروع معايير انضباطية وشروط خدمة تقاعدية وعسكرية مماثلة لما هو معمول به في قانون الخدمة والتقاعد العسكري للجيش.

الأمر الذي يهدد، بحسب المصادر، بإبعاد وإقصاء قيادات ميدانية بارزة لا تمتلك رتباً عسكرية رسمية أو مؤهلات مسجلة في كليات عسكرية معترف بها.

وترتبط بهذه النماذج تشديدات أخرى تتضمن إخضاع التدرج القيادي في الحشد للقيادة العامة للقوات المسلحة، وإلغاء الألوية العقائدية الموازية عبر دمجها في ألوية نظامية، وسلب الفصائل صلاحية تعيين قادة الألوية والمحاور دون موافقة رئيس الوزراء.

ويكشف هذا الخلاف عن تباين حاد في المصالح داخل البيت السياسي الشيعي؛ فبينما تقود النجباء جبهة الرفض الجذري، تبدي كتل أخرى مشاركة في السلطة، مثل حركة "صادقون" التابعة لعصائب أهل الحق ومنظمة "بدر"، رغبة في الإسراع بتمرير القانون لشرعنة مؤسسة الحشد وتثبيت مخصصاتها المالية في الموازنة، ولا سيما بعد حصول قياداتها على مناصب حكومية رفيعة.

ووفقًا للمصادر، يواجه التعديل نفقاً مظلماً من التعطيل والتأجيل النيابي، نظراً لصعوبة تمرير قانون عسكري يرفضه فصيل رئيسي لتجنب إظهار تصدع كامل في التحالف الشيعي، فضلاً عن تحفّز القوى السنية والكردية لاستغلال الخلاف واستكمال مطالبها بتقييد انتشار ألوية الحشد داخل المدن المحررة، مما يكرس الانقسام بين "فصائل الدولة" و"فصائل المقاومة" قبل الموعد المستهدف لحصر السلاح.

 

أزمة المناصب

وعلى جبهة أخرى، أظهرت تقارير إعلامية، من بينها تقرير نشرته صحيفة "المدى" العراقية، كواليس الخلاف المتصاعد بين رئيس الوزراء علي الزيدي و"كتائب حزب الله".

وأظهرت التقارير أن الأزمة لم تكن مجرد تباين على آليات تسليم السلاح، بل اندلعت عقب سحب الزيدي ملف التفاوض من اللجنة الشيعية الرباعية، التي ضمت نوري المالكي ومحمد شياع السوداني وهادي العامري ولاحقاً همام حمودي، وإعادة فتح التفاهمات التي اتُفق عليها سابقاً.

إلا أن المفاوضات المباشرة بين الزيدي و"كتائب حزب الله" وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن قدمت الكتائب قائمة مطالب موسعة تتضمن نفوذاً واسعاً ومناصب رفيعة، شملت إدارة منافذ حدودية، وحرس الحدود، وهيئة الاستثمار في خمس المحافظات (بغداد، البصرة، كربلاء، النجف، والمثنى)، إضافة إلى 5 وكلاء وزارات و32 مديراً عاماً ومواقع أمنية في وزارتي الدفاع والداخلية وجهازي المخابرات والأمن الوطني، دون تقديم التزام صريح ومؤكد بنزع السلاح.

 

أهمية التعديل

وقال الخبير القانوني علي التميمي، لـ"إرم نيوز"، إن التشريع المرتقب والمتعلق بتعديل قانون مكافحة الإرهاب يُشكل الارتكاز والسند القانوني الأهم الذي يحتاجه العراق في هذه المرحلة، كونه يتجاوز القوانين القديمة ويوفر ركيزة صلبة للحكومة للتحرك بموجب أحكام صريحة.

ويرى التميمي أن أهمية مشروع التعديل تكمن في إدخاله مصطلح "الأسلحة غير التقليدية" التي يُحظر على غير الجهات الحكومية حيازتها، مثل الطائرات المسيرة (الدرون) والأسلحة الثقيلة والصواريخ.

وأوضح أن المشروع يكفل إيقاع عقوبات رادعة تصعد إلى السجن المؤبد وصولاً إلى الإعدام إذا ما هددت هذه الأسلحة أمن الدولة والاستقرار العام.

وأشار التميمي إلى أن إقرار هذا النص التشريعي ينطوي على أبعاد استراتيجية حاسمة:

•تغيير طبيعة النزاع: إن صدور القانون يغير حقيقة الخلاف؛ حيث يتحول الرفض من مجرد موقف أو نزاع سياسي إلى مخالفة قانونية موصوفة وعمل إرهابي واجب العقاب، مما يضع أي جهة ترفض التسليم في مواجهة مباشرة مع القوانين النافذة ومؤسسات الدولة، وليس مع خصم سياسي منافس.

•السيادة الدستورية: يُقر القانون في البرلمان وفق الدستور بالأغلبية المطلقة لا بالإجماع السياسي، والمخاطب بالقانون لا يُستشار في إقراره ولا يُشترط رضاه، بل يُلزم بالتطبيق فور النشر في الجريدة الرسمية.

 

قدرة الدولة 

ولضمان تحويل عملية حصر السلاح من مواجهة مسلحة إلى إجراء إداري سلس، يحدد التميمي خمسة شروط وآليات جوهرية للنجاح:

1.عمومية النص: أن يفتقر التشريع إلى الانتقائية، فيصدر كقاعدة عامة ومجردة لا تستهدف فصيلاً أو جهة بعينها.

2.الحزم الإجرائي: وجود إرادة تنفيذية حقيقية وصارمة لتطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو تمييز.

3.الدمج المالي والوظيفي: تقديم مخرج شامل يضمن اندماج من يمتلك السلاح في الهيكل التشريعي والدفاعي للدولة، مقابل كفالة كامل حقوق المنتسبين من رواتب وتعديلات تقاعدية وحقوق الشهداء والجرحى، مع تحديد ولاية مناصب القيادة لفترات محددة قابلة للتمديد لمرة واحدة.

4.التدرج التنفيذي: اعتماد التدرج (الجرد، التسجيل، منح مهلة زمنية تتراوح بين 6 أشهر وسنة) تحت الإشراف المباشر للقائد العام للقوات المسلحة، لتفادي الصدمة وتحويل العملية إلى خطة إدارية منظمة.

5.الرقابة والضمانة القضائية: إخضاع كافة عمليات الحصر والتسليم للرقابة القضائية وحق الطعن، بما ينفي عن الإجراءات صبغة الانتقام السياسي ويوثق محاكماتها بالعدالة الناجزة.

يذكر أن الأزمة السياسية والأمنية المرافقة لملف حصر السلاح في العراق، وتعديل قانون الحشد الشعبي، تتجه نحو مرحلة مفصلية تتنازعها إرادتان:

إرادة سياسية وقانونية تسعى لمأسسة القوة المسلحة وإخضاعها لمنظومة الدفاع الرسمية تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب.

وإرادة فصائلية متمسكة بهيكليتها التسليحية المستقلة وتعتبر التخلي عنها تصفية لنفوذها الميداني ورصيدها الردعي.

وفي ظل هذا الانسداد، يظل الحسم مرهوناً بقدرة المؤسسات الدستورية على فرض سيادة القانون واعتماد الخيارات التنفيذية المتدرجة التي توازن بين الحقوق الوظيفية للمنتسبين وإنهاء مظاهر السلاح خارج إطار الدولة.