اخر الاخبار

كان الوقتُ مبكرًا عندما هبطتْ "إينانا" ملكةُ السماء في حديقةٍ عامةٍ شبهِ خالية، إلا من عاملِ نظافةٍ يتمدّد على مسطبةٍ خشبيةٍ من تلك المساطب الموزَّعة في الحديقة بشكلٍ دائري، وبستانيٍّ عجوزٍ يجمع ما تساقط من أوراق الأشجار الميتة في سلّةٍ بلاستيكية. كان مقررًا لها أن تهبط إلى العالم السفلي مساءً لاصطحاب بعض الموتى إلى الأرض للحد من خطورة تكاثر الأحياء الذين جعلوا من الأرض غير صالحةٍ للعيش، والقضاء عليهم. لذا قررتْ أن تمضي الوقت بالتجوال في المدينة حتى يحين موعد نزولها إلى العالم السفلي، فلديها متسعٌ من الوقت لاكتشاف هذه المدينة حتى هبوط الظلام. تجولتْ في الشوارع التي تتراصف على جانبيها المحال التجارية والمطاعم والمقاهي والفنادق، وتنتصب في جزراتها الوسطية أشجارُ النخيل والكاليبتوس والنشراتُ الإعلانية. ومع تقدّم الوقت ازدحمت الشوارع بسيارات الأجرة والسيارات الحديثة الفارهة للأحياء، جنباً إلى جنب مع وسائط النقل الصغيرة ذات الثلاث عجلات، والدراجات النارية، وعربات بيع الخضار التي يدفعها مسنون بظهورٍ منحنية. توقفتْ عند تقاطعات الطرق والإشارات المرورية التي يقف عندها المتسولون والمتسولات، وماسحو زجاج السيارات، وأغلبهم من صغار السن وذوي العاهات. دخلتْ سوقَ الملابسِ المستعملة التي تفوح منها روائحُ العفونةِ والنفتالين، وقلّبتْ مع مئاتِ البشر الملابسَ القادمة من وراء البحار، وشعرتْ بالغثيان، فخرجتْ من السوق وعادتْ إلى الشوارع والميادين العامة. جالست المشردين والمعدمين الذين يتخذون من الجسور والخرائب ومقابر الغرباء مساكنَ لهم، وشاركتهم طعامهم الذي يحصلون عليه من حاويات القمامة وفاعلي الخير. تسللتْ إلى الأزقة الخلفية، وشاهدت نساءً في خريف العمر يتدحرجنَ مثل كراتٍ ثقيلة، يقدنَ فتياتٍ يُسدلن على وجوههن المناديلَ والبراقع، ويدرنَ بهن على الأفران والمخابز وورش تصليح السيارات ومخازن حفظ الحبوب. هربتْ من أربعة صبيانٍ يحاصرون كهلاً بالسكاكين قرب دورةِ مياهٍ عامة. وتجمهرَتْ مع المارة حول رجلٍ بقميصٍ مفتوحٍ يطلق النار من فمه، وعلى كتفه قردٌ صغيرٌ مسعورٌ يطلق صيحاتٍ حادة، في عنقه سلسلةٌ من الحديد. عطشتْ، فقصدتِ النهرَ، لكنها لم تتمكن من شربِ قطرةِ ماءٍ واحدة بسبب الأعداد الهائلة للأسماك النافقة الطافية  على سطح النهر. طارتْ فوق أعشاش المجانين المهجورة وحلّقت فوق سطوح المنازل التي غادرها ساكونها عندما وصلتهم رسائل الرحيل المذيّلة بأختام الغربان. ركبتْ باصًا متهالكًا مع مجموعةٍ من النسوة اللاتي يرتدين الملابس السوداء المهلهلة، وعلامات البؤس ترتسم على وجوههن على شكل عيونٍ منطفئةٍ وشفاهٍ يابسة، ورجالٍ بحناجرَ نافرة، وذقونٍ نابتة، وأكفٍّ تتوسطها هالاتٌ زرقاء من الدم الفاسد، تتمايل رؤوسهم مع كل انعطافةٍ للباص وهم شبه نيام. صعد الباص سدّةً ترابية، فانكشفت أمامها مجمّعاتٌ متراميةُ الأطراف من العشوائيات المشيَّدة من "البلوك"، والمسقّفة بألواحِ الصفيح والقطع الخشبية المغطاة بقطعِ البلاستيك. نزلت من الباص وراحت تتجول في ممراتٍ في غاية الضيق تتوسطها سواقٍ مكشوفةٌ غارقةٌ بمياهٍ خضراء اللون، يخالطها برازٌ بشري، وثمّة سحابةٌ كثيفةٌ من الذباب تحوم فوق رأسها. صادفها أطفالٌ حفاةٌ، شبهُ عراةٍ بسراويلَ ممزقة، يطاردون كلابًا وقططًا جرباء، والجرذانُ تتطاير مابين أرجلهم كما تتطاير الحجارة تحت سنابك الخيول المُغيرة. تفرستْ في وجوه عجائزَ يجلسن على عتبات منازلهن الترابية، وأمامهن قدورٌ يعلوها السُّخام، تغلي على مواقدَ من الخشب، بلا لونٍ ولا طعمٍ ولا رائحة. مرّت بهياكلَ عظميةٍ ممددةٍ على الأرض وهي تدخن لفائفَ التبغ، وثمّة دخانٌ يغطي سماءَ العشوائيات ينبعث من مداخن معامل الطابوق وصهر المعادن المستهلكة وإعادة تدويرها. صعدتْ على السدّة الترابية وشيعت بنظراتها الأسطورية ذلك الموكب الطويل من العربات الخشبية التي تجرها الخيول والحمير والبغال والمخلوقات الآدمية وقد كان بعضها يحمل أكياساً من علب المشروبات الغازية المعدنية الفارغة، وبعضها ممتلئةٌ بألواح الورق المقوّى والحديد المستهلك والأجهزة الكهربائية العاطلة من ثلاجاتٍ وغسالاتٍ ومراوحَ وإطارات.  وقفتْ في طابورٍ طويلٍ من الفتيات الصغيرات أمام حنفيةِ ماءٍ عمومية، وهنَّ يحملن صفائحَ جلبِ الماء واحلامهنَّ القتيلة على أكتافهن الضيقة. شعرتْ بأن الوقت قد سرقها، وأنه عمّا قريب سيحلّ المساء، فغادرت العشوائيات وعادتْ إلى الحديقة العامة.

حلّ المساء. أُضيئت مصابيح المحال والشوارع واللافتات الضوئية للفنادق والمقاهي. تلفّتتْ يمينًا وشمالًا للتأكد من خلوّ الحديقة، وتهيّأتْ للنزول إلى العالم السفلي، لكنها، وفي لحظةِ مراجعةٍ عميقةٍ لما شاهدته وعاشته على هذه الأرض اللعينة، تراجعت عن النزول إلى العالم السفلي، وراحت تُحدّث نفسها قائلة:

"حسناً، لن أنزل إلى عالم الموتى. لن أنزل إلى هذا العالم البارد الذي يعجُّ بالديدان والعقارب والأفاعي. لن أتخلّى، عند كل بوابةٍ من بوابات الجحيم السبع التي عليّ اجتيازها، عن تاجي وقلادتي ومئزري وتمائمي وأثوابي وأسلحتي، وأصبح مثل هؤلاء الموتى الممتلئةُ أفواهُهم بالتراب والديدان. لن أحقّق رغبة أختي اللئيمة، ملكة هذا العالم المرعب، بفقداني قواي الأسطورية، وأجعلُ الآلهةَ تنظرُ إليّ بعين العطف والشفقة؛ فعلى هذه الأرض التي أمضيتُ نهارًا كاملًا في شوارعها وأسواقها وأزقتها وعشوائياتها ما يكفي من الموتى لإنجاز المهمة".

ألقتْ إينانا نظرةً على الحديقة، وصعدتْ إحدى مصاطبها، وأفردتْ جناحيها، وطارتْ نحو السماء… ومن بعيد، من هناك، بدتْ لها الأرض مثل ثقبٍ مظلمٍ سرعان ما تصاغر وذاب بين المجرّات.