اخر الاخبار

تقدم رواية ( البارون ساكن الأشجار) للكاتب الإيطالي ايتالو كالفينو وترجمة الدكتورة اماني فوزي حبش مفهوم التمرد بوصفه اختيارا للحياة عن طريق شخصية كوزيمو دي روندو، هو صبي من عائلة نبيلة عاش في القرن الثامن عشر، تأخذه ثورة التمرد على السلطة العائلية والعالم المحيط به، فيقرر الصعود إلى الأشجار وأن يعيش حياته كلها هناك، من دون أن تطأ قدماه الأرض مجددًا، وكأنه يريد ان يخلق مسافة ما بينه وبين الحياة رغبة منه في ان يراها بشكل أوضح وهي فكرة فلسفية ربما كان مفادها ان يتخيل الانسان مكانا قد يكون لا وجود له لكنه باستطاعته ان يرتقي به ويوصله الى أحلامه وهي فكرة شغل نفسه بها الكاتب الايطالي ايتالو كالينو كثيرا  في ثلاثيته " اسلافنا" التي تعد هذه الرواية الجزء الثاني منها، يستحضر فيها الأجواء الأوروبية في القرن الثامن عشر، ويتَّخِذها فضاء  يحكي لنا فيه حكاية البارون الصغير «كوزيمو بيوفاسكو»، الذي ضاق بمحدودية حياته وسط عائلته الأرستقراطية بتقاليدها البالية، فقرر التمرد عليها واتخاذ الأشجار مسكنا أبديا له، راهن الجميع على أنه سيصل إلى لحظة يسأم فيها من الحياة المنعزلة في الأعالي، لكنه فاجأهم بقدرته على تدبير معیشته فوق الأشجار، واكتساب مهارات حياتية وفكرية كبيرة، والتعرف على شخصيات عديدة وتأسيس حياة شبه كاملة ما كان ليعيشها لو أنه أكمل حياته على الأرض، ومع مرور السنوات، يعيش جميع مراحل حياته (المراهقة، الحب، النضج، الشيخوخة) بين الأغصان، ليصير رمزًا للاستقلال الفكري والحرية الفردية.

وفي اللحظات الأخيرة من حياته، جاء الموت بطريقة تعكس اختياره الحرّ إذ يتمسّك بمبدئه حتى النهاية، فلا يهبط إلى الأرض، وكأنه يريد أن يقول إن الحياة كلها يمكن أن تُعاش في مكان غير مألوف، لكن بكرامة وحرية، وفي خضم هذه الاحداث ما بين التمرد الانعزالي على المجتمع وحتمية التواصل في صراع الهوية،  تظهر الرواية بطريقة فلسفية ان هذا القرار لا يعزل الفرد تماما عن المجتمع وان حياة التمرد المطلقة قد تؤدي الى فقدان التوازن الاجتماعي لكنها تثبت استطاعة الفرد ان يظل متصلا بالأرض بنظرته وافكاره أي انه لا يهرب من العالم، بل يخلق طريقًا خاصًا للتفاعل معه، ليكون قريبًا من الأرض والناس لكنه غير خاضع لهما وبذلك يصبح قرار البقاء على الأشجار بمثابة بحث عن معنى أسمى للحياة، وكأن كوزيمو يحاول الوصول إلى "المطلق" من خلال الانفصال المكاني.

الأسلوب الفني في الرواية:

تسلط الرواية الضوء على الانسان متعدد الابعاد، إذ يدمج كالفينو بين أحداث ممكنة الحدوث (العيش على الأشجار) ومناخ أسطوري يجعل القصة أشبه بخرافة فلسفية ويبدو أن آلية الوصف هي السياق المعتمد في فقرات الرواية ووحداتها، واللافت للنظر أن الوصف لجل الحالات المكانية والزمنية والشخوصية يتنامي بين (الحركة ــ السكون) وهذا الاختيار كان مناسبا لطبيعة الموضوعة الروائية التي تجعل من وجبة طبق الحلزون الذي طبخته اخت كوزيمو ولم يعجبه سببا قاطعا في تمرده وقراره العيش فوق موطن الأشجار.

ولعل القارىء عندما يقرأ تفاصيل الأحداث في الرواية الثلاثية (اسلافنا) يكتشف أن هناك جملة واسعة من الأسباب التي تجعل البارون كوزيمو يباشر فعل ذلك الانتقال فوق الأشجار، امتثالا للمعنى التمردي على تقاليد وأعراف حيوات تلك الطبقات الأيديولوجية الراسخة في الانتقاء عند عوائل النبلاء.

تُروى القصة على لسان أخ كوزيمو الأصغر، وهو راوي شاهد، يعكس إعجابًا مشوبًا بالدهشة تجاه حياة البطل بالتفاصيل الدقيقة لعلاقة كوزيمو بالأشجار، بالحيوانات، وبالناس وهي تضفي على النص طابعًا تصويريًا ساحرًا.

 تكمن القيمة الأدبية في الرواية كونها جزء من ثلاثية تعكس هواجس كالفينو الفلسفية حول الحرية، الهوية، والوجود وهي عمل غني بالخيال والرمز، اعتُبرت الرواية تأمّلًا في معنى الاستقلال، والتوازن بين العزلة والمشاركة في المجتمع ويمكن اعتبارها رحلة فلسفية في الحرية، التمرد، والبحث عن الذات، إذ يظل كوزيمو رمزًا للإنسان الذي يرفض الاستسلام لسلطة المجتمع، ويصنع حياته على طريقته الخاصة، حتى لو كان الثمن الوحدة أو الغرابة في نظر الآخرين، وفي النهاية تقول لنا الرواية إن العزلة يمكن أن تمنح السعادة للانسان إذا كانت اختيارًا حرًا ووسيلة لبناء معنى للحياة، لكنها لا تعفي الإنسان من مواجهة ثمنها كالوحدة وصعوبة التواصل.

  هناك جملة واسعة من الأمور في مدارات الأحداث تكشف لنا بأن الشخصية ــ كوزيمو ــ حقيقة قادرة على النفاذ من هموم وأعباء مظاهر قيود العبودية وعنصرية التسيد إلى فضاءات خاصة تتمثلها الأعالي حيث ممارسة الحرية  ومناغاة جذور الفرد الشخصانية بعد قلب جملة مظاهر منها عدم الانصياع الى  ذلك الرجل الارستقراطي الذي يتخذ من الأرض ومخادعها عنفوانا له داهسا من يطوفون عليها من الكائنات الآدمية الضعيفة وهكذا يتضح أن فكرة الرواية هي مغامرة للخروج من جحيم الداخل الأرضي الذي يجسد حيوات الأوهام النبيلة، الى فضاء يعلن حريته الظاهرية بين أفق رفيق تتمثله أعالي الأشجار هروبا وانتصارا وقرارا جريئا تخطى  التقاليد والأعراف والأغراض المحنطة في مداليا النياشين وأحقاد وأضغان ملامح وجود الأجداد الأسلاف اللذين رحلوا وأصفرت تعابير وجوههم مع ما تراكم عليها من غبار وحشرات ليلية واخزة.

فازت هذه الرواية بجائزة فيارجيو وهي اكبر جائزة أدبية في إيطاليا عام 1957.