لا يمكن نسيان يوم السادس عشر من مارس، اشياء عديدة حدثت و تزامنت مع الوقائع التي مرت في ساعات ما قبل ظهيرة ذلك اليوم:
هنالك فتاة مراهقة في مقتبل الحب، يبدو انها كانت تنتظر احدا ما، عند بوابة الزوراء، كانت تتطلع، بصبر ينفد، الى الموبايل، فيما السيارات المسرعة تختطف الطريق الى وجهتها، هناك دراجة نارية ضخمة كانت متوقفة، بالقرب من حافة الرصيف المعبد بالبلاط الخرساني، فيما رجل مرور، كان يضع على عينيه نظارة راي بان بعدسات سوداء، الى حد ما بدت لي نظارة مقّلدة، الا انها انسجمت وشكل وجه الرجل الذي اعتمر خوذة بيضاء بواقيه وجه معتمة ، كان جادا ومتزمتا، الى حد ما، بسبب تقاطيع وجهه الحادة، ينتعل حذاء جلديا لامعا بعنق طويل، كان منهمكا في تدوين الملاحظات في دفتر صغير، في الجانب الاخر من الشارع، هناك رجل في الاربعين يحمل بيده اليسرى مفرش خاص بالمتنزهات وبوكس بلاستيكي خاص بالرحلات، وباليد الاخرى امسك بيد زوجته الحامل، التي اسندت بطنها براحة يدها، وهي تضع قدمها على الشارع اسندت كتفها الى ذراع زوجها، الذي لوح بيده منبها السيارات التي مرقت امامهما كالبرق، سيارات عديدة امتثلت لأشارته، فتوقفت، بينما المرأة الحامل تعبر الطريق بحذر تتقدمها بطن كبيرة ، قلت لنفسي: ثمة روح امنة تنمو في التجويف المليء بالماء، ما ان وصل الرصيف الاخر، اسرع الرجل بالتخلص من البوكس البلاستيكي والمفرش، كما حرر يد زوجته من قبضته، واسرع لملاقاة اطفاله الثلاثة، الذين هبطوا سلم جسر عبور المشاة، في تلك اللحظة، ضغط رجل المرور، دواسة الدراجة النارية بقدمه، فانطلقت به حتى تلاشت صورته حين عبر تقاطع المحطة العالمية، هناك سيارة تكسي توقفت بينما السائق الثلاثيني، يتلفت حوله علّه ينال صيدا ما تلقيه سيارات الاجرة الاخرى التي توقفت للحظات قصيرة قبل ان يلاحقها غبار ناعم وهي تغادر المكان، هناك بائع العلكة العجوز السبعيني، وهو نصف مخبول او دعي، لينال عطف الفتيات المراهقات، غالبا امضي وقت الانتظار بالتجسس عليه، علّني اصيده في موقف يبدي فيه نذالة ذكوريته البائدة ، هناك سيدة انيقة في نهاية عقدها الخامس، امسكت بيد صبية صغيرة في الثانية عشرة، حملت على كتفها الة الجلو الموسيقية كبيرة الحجم، الامر لا يتطلب ذكاء او حدس خارق لكي اعرف، اذ قلت لنفسي بانها تلميذة في مدرسة الموسيقى والبالية، هناك شاب عشريني، يرتدي بنطلونا ضيقا وينتعل حذاء بلا جورب، صفف شعره بطريقة غريبة، لأني مدمن مشاهدة الافلام الخيالية، نطت الى مخيلتي صورة الديناصور، كان الشاب يشبهها الى حد كبير، فشعره المدهون كان يتمتع ببريق مذهل، يبدو كحرشف متقرن انتصب على قمة رأسه، في الحقيقة يبدو كما لو كان يضع طربوشا ضيقا فوق راسه، بينما حفت جوانبه، حتى بان جلده الابيض الرقيق، كان يتحدث الى فتاه اصغر منه سنا، ترتدي بلوفر زهريا وتنتعل حذاء نيكي سبورت، ذلك اليوم، اعني اليوم السادس عشر من مارس، شهد العديد من المواليد الجدد، الذين افتتحوا حياتهم بسمفونيات بكائية، مع لطمات الطبيبات على ظهورهم المزرقة، ليس من المستبعد انها ايضا شهدت حالات اجهاض وموتى، هناك حادث مروع فوق سريع محمد القاسم تحطمت فيه عدّة سيارات، بسبب انشغال احدهم بمكالمة، هناك طائرة هليكوبتر عسكرية هبطت في مطار المثني طراز مي 8، في اللحظة التي مر بها باص حي البياع باب المعظم، بطابقيه ولونه الاحمر، سيارات عديدة مرت وناس اكثر ذهبوا الى وجهاتهم، ولكن كل تلك الذكريات والصور الفوتوغرافية، التي تسجلها عيناي، ستمحى لاحقا من ذاكرة مرهقة، فالنسيان واحدة من الهبات العظيمة، التي اغدقها الله علّي، طبعا باستثنائك انت، في ذلك اليوم، وهو على أي حال، كان يوما عاديا جدا، الا ان السادس عشر من مارس لم يكن يوما عاديا، لأنك كنت احد اعمدته السامقة، حينما لمحتك فجأة، ببنطالك الكاكي وقميصك، الذي لم يستطع اخفاء معالم انوثتك، على الرغم من عقدك الخامس، كنت تلوحين بيدك لسيارة الاجرة المسرعة، بقوامك الجميل المتناسق، كنت كحمل وديع، لو تعرفين، تلك (لو) المستحيلة التي سببت لي الكثير من التعاسة غير المبررة، كنت ارغب باحتضانك بين ذراعي، ان احملك فحسب لا اكثر، وان اتحسس بشرتك التي بملمس المخمل، لا يمكن نسيانك، الامر لا يتعلق بك ابدا ،كما احاول ان اخدع نفسي، هنالك افتتان روحي، اشعر به يتسلل الي كما النبيذ، كلما ارى جمالا نقيا يشع امامي، انت كنت جمال، ذلك اليوم، الذي لا ينسى