اخر الاخبار

لم يرغب ناصر حسين أن يكون بيته مظلما أو حتى شبه مظلم، فقد ‏حرص منذ بداية تشييده أن يكون مضيئا، وعلى هذا الأساس اتفق مع ‏المهندس المشرف على بنائه والمعروف بخبرته، أن يدخل الشمس في كل ‏أرجائه وبناء على هذه الرغبة جعل جميع شبابيكه كبيرة واسعة في الطول ‏والعرض، وهندس منورين على طول ارتفاع البيت المكون من طابقين، ‏ليضيء الغرف في الجانب الثاني والتي لا تطل على الحديقة الواسعة.‏

‏وما أن انتهى العمل بعد أكثر من سنة؛ حتى أصطحب ناصر حسين زوجته ‏ودخلا البيت، وكانت فرحته كبيرة وهو يتجول في أرجائه، ويرى الشمس ‏تدخل كل الغرف؛ الصالة الأرضية والتي أعلاها في الطابق الثاني المطلتان ‏على الحديقة وكذلك غرف النوم وما فوقها والمطبخ المطل على الحديقة ‏الأمامية والغرف الأخرى ينيرها المنور وعبرت زوجته عن فرحتها بسعته، ‏وعلقت بملاحظات بسيطة شملت التغليف ثم قالت: ‏

شكرا لقد بذلت جهدا كبيرا في بنائه والآن جاء دوري في تأثيثه.‏

وعرض عليها المساعدة لكنها رفضت قائلة: أنت أنجزت كل البناء ‏والديكورات واخترت الألوان للجدران والسقوف والآن جاء دوري.‏

وأخذت على عاتقها تأثيث المطبخ، والديكورات، والستائر، وألوانها. وتركها ‏على هواها قائلا: -- إذن جاء دورك الآن. ‏

‏وأمضت أكثر من شهرين وهي تتنقل بين بائع الأثاث وصانع الستائر، ‏تختار وتحث أصحاب المهن على اتقان عملهم وانجازه بالسرعة الممكنة. ‏

وفي بعض المرات يذهب معها زوجها ليساعدها في اختيار الألوان سواء ‏للأثاث أو الستار، نوع القماش وسمكه، وكانت لا تتفق مع خياراته قائلة: هذا ‏شغل نسوان لا عليك سوى أن تنتظر وترى. فيستسلم ارضاء لها، ونزولا ‏عند رغبتها واقتناعا بذوقها.‏

‏وأخيرا أنهت عملها وطلبت من زوجها وأولادهما الذهاب معا إلى المنزل ‏لمشاهدة ما أصبح عليه منزلهم قبل الانتقال اليه.     ‏

‏   واصطدم ناصر حسين بالمفاجأة الكبرى؛ الشبابيك أسدلت عليها الستائر ‏السميكة، التي لا تسمح لضوء الشمس أن يخترقها والهول غلف بخشب منع ‏ضوء الشباك المطل عليه من اختراقه. فصار البيت المنور بشبابيكه الكبيرة ‏المستوردة من الصين مظلما نهارا ويحتاج إلى إنارة كهربائية في وضح ‏النهار، لأن الستائر لا يمكن فتحها، وعندما سألها ناصر عن السبب الذي ‏دفعها لتحويل بيتنا الجميل إلى مقبرة، قالت مفتخرة: فعلت ذلك لكي أمنع ‏المتطفلين من النظر إلينا. قال: إن زجاج الشبابيك عاكسة أي لا يمكن ‏للشخص الموجود خارجا أن يرى شيئا داخل البيت نهارا، وفي الليل نسدل ‏الستائر وينتهي الأمر. هذا إذا كان فعلا هناك متطرفون، قطعا لا يوجد ‏متطفل أو أكثر، همهم الوحيد أن يرى من خلال شقوق الباب أو الشبابيك. ‏الفكرة فقط في عقل زوجة ناصر حسين التي تشعر أن العالم لا شغل له سوى ‏مراقبتها وعائلتها. والصوت يجب ألا يرتفع لأن الناس سوف تسمع ما ‏يدور بيننا. بحجة أن الحيطان لها آذان، وحين يرتفع صوت زوجها أو أحد ‏من أفراد عائلتها قليلا، تصرخ بوجهه:

- الكل سمعك، انظر كلهم ينظرون ‏إلينا.                                                                                          

ويلتفت ناصر ويبحث بعينيه وجوه الآخرين، مصغياً إليهم، لكنه لا ‏يرى ولا يسمع أحدا يهمه أمرنا، بل يجد أناساً يحثون السير أو يتراكضون لتوفير‏ احتياجاتهم الخاصة، لكنها ما زالت تعيش في هذا الوهم أو تصطنعه لكي ‏تكم أفواه عائلتها... وعبثا حاول زوجها أن يوضح لها؛ ‏بأن اختلافاتهم طبيعية أو أحاديثهم تصدر بصوت لا يلفت نظر الآخرين، وإن ‏ارتفع قليلا، لا يشكل جريمة أو فضيحة تدفع الغرباء للاهتمام بها أو متابعتها ‏ولو حتى بالنظر أو الاصغاء...‏

‏هكذا هي دوما تتشاجر أو تتشاور مع أولادها وزوجها وتنصحهم مراعاة ‏واقع الشرق المتخلف الذي يستغل أية مثلبة ويبتعد عن صدق التنافس وحريته...‏

‏وعلى الرغم من أن ناصر حسين يقدر سبب قلقها وارتباكها ارتباطا بواقع ‏البلد الذي يفتقر للأمن وأمان وكثرة المستغلين الأشرار للأوضاع للإساءة، ‏والحذر واجب، والخوف ليس عيبا، وعلينا الانتباه، لكن المغالاة تتحول ‏تدريجيا إلى جحيم يشل الحياة ويدخلنا في الظلام الدامس، مثل ما حل في بيته ‏الجديد...