اخر الاخبار

العربي الجديد

بعد مرور قرابة شهرين على منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، عقب التصويت على 14 وزارة من أصل 23، تستمرّ المشاورات بشأن الوزارات التسع التي بقيت شاغرة، بانتظار التوافق على مرشحيها. وكشفت مصادر سياسية عراقية لـ"العربي الجديد"، أمس الخميس، عن وجود توافق سياسي غير معلن، يقضي بتأجيل حسم ما تبقى من التشكيلة الوزارية إلى ما بعد زيارة الزيدي المرتقبة إلى العاصمة الأميركية واشنطن، اعتباراً من 15 يوليو/تموز الحالي.

ويأتي هذا التوجه، في ظل استمرار الموقف الأميركي الرافض لإسناد حقائب وزارية إلى قوى سياسية تمتلك أجنحة أو فصائل مسلّحة، وهو ما تحول إلى إحدى أبرز العقد التي تعيق إكمال الحكومة بصورة نهائية. وتضم قائمة الوزارات غير المحسومة، وزارات الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والهجرة، والإعمار، والشباب، والعمل، والثقافة. وبحسب المصادر، فإن عدة قوى منضوية في تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم، تواصل ضغوطها على الزيدي بمسألة إسناد مناصب وزارية في حكومته إلى فصائل مسلّحة تمتلك تمثيلاً نيابياً واسعاً، من بينها فصائل أعلنت خلال الفترة الماضية استعدادها للانخراط بصورة أكبر في العمل السياسي والحكومي، وقبولها مبدأ حصر السلاح بيد الدولة؛ إلا أن الزيدي فضّل ترحيل حسم هذا الملف إلى ما بعد لقائه المباشر مع المسؤولين الأميركيين، تجنباً لأي تداعيات قد تنعكس على طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، أو على مستويات الدعم الأميركي السياسي والأمني والاقتصادي للعراق.

يقول عضو "الإطار التنسيقي" عدي خدران، لـ"العربي الجديد"، إن "الإدارة الأميركية لا تزال تربط دعمها للحكومة العراقية باستمرار مسار الإصلاحات الأمنية، وتعزيز احتكار الدولة للسلاح، وتتمسك بموقفها الرافض لمشاركة أي جهة تحتفظ بتشكيل مسلّح في السلطة التنفيذية، حتى وإن كانت ممثلة داخل مجلس النواب"، كاشفاً عن وصول رسائل أميركية مباشرة إلى بغداد، تضمنت تحذيرات من أن إشراك فصائل مسلحة في الحكومة قد يؤثر على مستوى التعاون الثنائي، بما يشمل ملفات الدعم الأمني والتنسيق العسكري والتعاون الاقتصادي والاستثماري.

ويضيف خدران أن "استمرار الفيتو الأميركي على مشاركة الفصائل في حكومة الزيدي دفع إلى تأجيل حسم الملف إلى ما بعد زيارته إلى واشنطن منتصف الشهر الحالي"، مشيراً إلى أن الزيدي سيسعى إلى إقناع الجانب الأميركي بضرورة إشراك تلك الجهات ضمن حكومته، خاصة وأنها تمتلك تمثيلاً نيابياً، وسبق أن أعلنت نيتها تسليم السلاح ودعم قرارات حصره، معتبراً أن "الزيدي بإمكانه إقناع الأميركيين بذلك، لما يملكه من مقبولية ورؤية واضحة".

تحوّل الموقف الأميركي الرافض لإسناد حقائب وزارية إلى قوى سياسية تمتلك فصائل مسلّحة إلى إحدى أبرز العقد التي تعيق إكمال الحكومة

ويكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة في ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بملف السلاح، إذ أعلنت فصائل بارزة اتخاذ خطوات باتجاه تسليم أسلحتها أو الانخراط في ترتيبات تتماشى مع مشروع حصر السلاح بيد الدولة، في خطوة تراها تلك القوى مدخلاً للمشاركة في الحكومة، باعتبارها تملك ثقلاً سياسياً وتمثيلاً نيابياً. ومن بين أبرز هذه القوى، حركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، اللتان تسعيان إلى ترجمة حضورهما البرلماني في تمثيل داخل السلطة التنفيذية.

 

الزيدي يواجه معادلة سياسية معقدة

ويجد الزيدي نفسه أمام معادلة سياسية معقّدة، فمن جهة، يواجه ضغوطاً متزايدة من داخل الإطار التنسيقي، المطالب بمنح الفصائل حصتها في الحكومة، ويسعى، من جهة أخرى، إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وعدم خسارة الدعم الدولي الذي تحتاجه حكومته في ملفات الأمن والاقتصاد والاستثمار، فضلاً عن استمرار التعاون في الحرب على الإرهاب وتطوير قدرات القوات العراقية.

 

زيارة حاسمة

ويقول عضو مجلس النواب العراقي مختار الموسوي، لـ"العربي الجديد"، إن "نتائج زيارة الزيدي إلى واشنطن ستكون حاسمة في تحديد مستقبل مشاركة الفصائل المسلّحة في حكومته من عدمها، والزيارة ستكشف ما إذا كانت الحكومة العراقية قادرة على إقناع الإدارة الأميركية بأن الخطوات المتخذة في ملف حصر السلاح تمثل تحولاً حقيقياً، يبرّر إعادة النظر في الموقف الأميركي، أم أن الفيتو سيبقى قائماً". ويضيف الموسوي أن "هناك خلافات سياسية داخلية أثرت أيضاً في قضية إكمال التشكيلة الوزارية، لكن الفيتو الأميركي سبب رئيسي أيضاً في ذلك، خصوصاً أن هناك وزارة، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، يُفترض أن يمنحا، وفق الاستحقاق الانتخابي والاتفاق السياسي، لجهة تملك فصيلاً مسلّحاً، وهذه الأسباب دفعت نحو تأجيل حسم الملف إلى ما بعد زيارة الزيدي إلى واشنطن"، مؤكداً أن الحراك مستمر من أجل البحث عن تسويات سياسية ترضي الأطراف الداخلية، وتحافظ في الوقت نفسه على الشراكة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن.

وفي قراءة سياسية للتطورات المرتبطة بملف تشكيل الحكومة، يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي الجبوري، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "تأجيل حسم استكمال التشكيلة الوزارية إلى ما بعد زيارة الزيدي إلى واشنطن، يعكس حجم التشابك بين الاعتبارات السياسية الداخلية والمتطلبات الدولية"، مشيراً إلى أن "الملف لم يعد شأناً عراقياً داخلياً فحسب، بل أصبح مرتبطاً بطبيعة العلاقة الاستراتيجية بين بغداد وواشنطن". ويبيّن الجبوري أن "الإدارة الأميركية لا تزال تنظر بحساسية إلى مشاركة أي قوى تمتلك أجنحة مسلّحة في السلطة التنفيذية، حتى وإن كانت ممثلة داخل مجلس النواب، وهو ما دفع الحكومة إلى تأجيل اتخاذ قرار نهائي لحين إجراء حوار مباشر مع المسؤولين الأميركيين، أملاً في التوصل إلى تفاهمات ترتبط بالتقدم الذي تحقق في ملف حصر السلاح بيد الدولة".

ويعتبر أن "زيارة واشنطن ستكون محطة مفصلية، لأنها ستحدّد مستقبل مشاركة الفصائل في الحكومة، فضلاً عن أنها ستكشف مدى اقتناع الولايات المتحدة بالإجراءات التي اتخذتها بغداد لتقليص نفوذ السلاح خارج إطار الدولة، وتحويل الفصائل إلى العمل السياسي الخالص". ويرى الجبوري أنه "يجب الحذر من أن أي خطوة لتشكيل الحكومة بعيداً عن هذه التفاهمات، قد تضع العراق أمام تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، وأن تراجع مستوى الدعم الأميركي قد ينعكس على ملفات التعاون الأمني، والتدريب العسكري، والاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن التأثير على ثقة المجتمع الدولي بالبيئة السياسية والاقتصادية في العراق".

ويختم الخبير في الشؤون الاستراتيجية حديثه مع "العربي الجديد" بالقول، إن "نجاح حكومة الزيدي في تحقيق توازن بين استحقاقات القوى السياسية الداخلية ومتطلبات الشراكات الدولية سيكون عاملاً أساسياً في ضمان استقرارها، وأي تسوية لا تستند إلى تفاهمات واضحة قد تؤدي إلى أزمة سياسية جديدة أو تؤخر استكمال مؤسسات الدولة، في مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من الاستقرار والانفتاح الدولي".