اخر الاخبار

من أكثر الإشكاليات حضورا في الأشكال التعبيرية المعاصرة ذلك التماسّ القلق بين القصة القصيرة جدًا وقصيدة النثر، ولاسيما حين يتوسّل كلاهما بالسرد بوصفه أداة لبناء الدلالة وتكثيف الأثر، حتى بدا للقارئ أحيانًا يتبين أنّ الحدود بينهما قد تلاشت أو أصبحت رخوة حدّ الالتباس. غير أنّ هذا التداخل لا يعني التطابق، لأنّ السرد في كلّ منهما يؤدي وظيفة مختلفة،  ويتحرك ضمن أفق جمالي مغاير. فالقصة القصيرة جدًا تنتمي في جوهرها إلى الحقل السردي، حتى وإن استعارت الشعرية والتكثيف والانزياح، بينما تنتمي قصيدة النثر إلى الحقل الشعري، حتى وإن استعارت تقنيات الحكي والتشخيص والمشهدية. إنّ الفارق الجوهري بينهما لا يكمن في وجود السرد أو غيابه، بل في طبيعة اشتغاله ووظيفته داخل النص. ففي القصة القصيرة جدًا يكون السرد هو البنية المركزية التي تنتظم حولها العناصر الأخرى؛ إذ ثمة حدث حتى لو كان ضئيلاً أو مضمَرًا، فثمة تحوّل أو مفارقة أو انعطاف دلالي يقود النص نحو قفلته،  إنّها كتابة تراهن على الاقتصاد الحكائي، وعلى إنتاج لحظة سردية مكثفة تُحدث صدمة أو إدهاشًا، ولذلك تبقى عناصر القص: الشخصية، والحدث، والزمن، والمفارقة، حاضرة ولو بأدنى درجات التمثيل. أما في قصيدة النثر فإنّ السرد لا يعمل بوصفه غاية حكائية، بل بوصفه طاقة إيقاعية ودلالية ترفد التجربة الشعرية،  فالحكاية هنا ليست مركز النص بل ذريعته، وقد يظهر الحدث فيها متشظيًا أو معلقًا أو غير مكتمل، لأنّ القصيدة لا تسعى إلى “ماذا حدث؟” بقدر ما تسعى إلى “كيف يُعاش الحدث شعوريًا ورمزيًا”. لهذا فإنّ قصيدة النثر تستطيع أن تستخدم الضمير السردي، والحوار، والوصف، وحتى المشهد القصصي، لكنها تظلّ منحازة إلى كثافة الصورة والانفعال والإيقاع الداخلي والتوتر المجازي، لا إلى بناء الحكاية أو حلّ العقدة،  ومن هنا تنشأ الإشكالية؛ فحين تتكثف القصة القصيرة جدًا شعريًا، وتزداد قصيدة النثر سردية، يقترب الشكلان من منطقة رمادية يصعب الفصل بينهما فيها، خصوصًا مع شيوع الكتابة الهجينة التي تتقصّد كسر الأنواع الأدبية وإرباك التصنيف،  غير أنّ القراءة النقدية الدقيقة تستطيع تمييزهما عبر سؤال الوظيفة الجمالية: هل السرد هنا ينتج الحكاية أم ينتج الشعرية؟ فإذا كان النص يقود المتلقي نحو اكتشاف حدث أو مفارقة أو تحوّل سردي فإننا غالبًا ازاء قصة قصيرة جدًا، أما إذا كان الحدث مجرد حامل لحالة شعورية أو رؤية وجودية أو صورة شعرية، فإننا نكون أقرب إلى قصيدة النثر. كذلك تختلف طبيعة اللغة في الشكلين؛ فالقصة القصيرة جدًا، مهما بلغت شعريتها، تبقى حريصة على وضوح نسبي يسمح بتتبع الخيط الحكائي، بينما تميل قصيدة النثر إلى الانزياح والتكثيف الرمزي والتداعي الحر، بحيث تصبح اللغة ذاتها موضوعًا جماليًا لا مجرد أداة نقل. وفي القصة القصيرة جدًا تتجه النهاية غالبًا نحو الإدهاش أو المفارقة أو الصدمة،  في حين أنّ قصيدة النثر لا تحتاج إلى “قفلة” بالمعنى السردي، لأنها تقوم على التوتر المفتوح والإشعاع الدلالي أكثر مما تقوم على الحسم،  كما أنّ الزمن في القصة القصيرة جدًا زمن حكائي حتى لو اختُزل في ومضة بينما يتحول في قصيدة النثر إلى زمن شعوري أو تأملي قد يتشظى أو يتوقف أو يدور في حلقة داخلية، ومن هنا فإنّ معايير القراءة تختلف تبعًا لاختلاف الجنس الأدب،  فحين نقرأ القصة القصيرة جدًا ينبغي الانتباه إلى اقتصاد الحدث، وطبيعة المفارقة، وفعالية الحذف، وقدرة النص على بناء أثر سردي بأقل عدد ممكن من الكلمات، أي أنّ السؤال النقدي يكون: كيف نجح النص في صناعة حكاية مكثفة؟ أما في قصيدة النثر فإنّ القراءة ينبغي أن تنصرف إلى كثافة الصورة، والإيقاع الداخلي، وعمق الرؤية، وطبيعة الانزياح اللغوي، أي أنّ السؤال يصبح: كيف تحوّلت اللغة إلى تجربة شعرية؟ ومن الخطأ النقدي الشائع أن تُقرأ قصيدة النثر بمعايير الحكاية فنحاكمها إلى غياب الحدث أو غموض السرد، أو أن تُقرأ القصة القصيرة جدًا بمعايير الشعر فنكتفي بجمال العبارة ونهمل بنيتها الحكائية،  إنّ التباس الحدود بين الشكلين يعود أيضًا إلى تحولات الحداثة الأدبية التي دفعت الأنواع إلى الانفتاح والتداخل، فلم تعد الأجناس الأدبية كيانات مغلقة، بل حقولًا متجاورة تتبادل الأدوات والتقنيات،  لذلك نجد قصيدة نثر ذات بنية قصصية، كما نجد قصة قصيرة جدًا مشبعة بالشعرية. لكنّ التداخل لا يلغي الهوية؛ إذ يبقى لكل جنس منطقه الداخلي ومركز ثقله الجمالي. فالشعر—حين يسرد—يبقى معنيًا بخلق الكثافة الوجدانية واللغوية، بينما السرد— حين يتشعّر—يبقى معنيًا ببناء الحكاية وتحريك الحدث،  ويمكن القول إنّ قصيدة النثر تُذيب السرد داخل الحالة الشعرية، في حين تضغط القصة القصيرة جدًا الشعرية داخل بنية الحكاية،  ومن هنا فإنّ الناقد أو القارئ يحتاج إلى وعي مزدوج: وعي بطبيعة السرد ووظيفته، ووعي بالشعرية بوصفها طريقة في إنتاج المعنى لا مجرد زخرفة لغوية،  كما ينبغي الانتباه إلى قصدية النص؛ فبعض الكتاب يتعمدون الإقامة في المنطقة الوسطى بين الجنسين، منتجين نصوصًا هجينة تقاوم التصنيف، وهو ما ينسجم مع روح الكتابة المعاصرة التي باتت تشكك في الحدود الصارمة بين الأنواع،  ومع ذلك فإنّ الحاجة إلى التمييز النقدي تبقى ضرورية، لا من أجل فرض سلطة تصنيفية جامدة، بل من أجل فهم آليات الاشتغال الجمالي لكل شكل،  فحين نفقد القدرة على التمييز بين الشعر والسرد نفقد بالتالي القدرة على فهم خصوصية الأثر الذي ينتجه كلّ منهما،  اذ إنّ القصة القصيرة جدًا تدهشنا غالبًا لأنها تحوّل الومضة إلى حدث، بينما تدهشنا قصيدة النثر لأنها تحوّل اللغة ذاتها إلى حالة وجودية وإيقاع شعوري،  ولهذا فإنّ معيار القراءة الأهم ليس السؤال عن وجود السرد، بل عن مركزية السرد ووظيفته، وعن طبيعة الطاقة الجمالية التي تحكم النص: هل هي طاقة حكائية أم شعرية؟ ومن هذا المنظور يمكن تجاوز كثير من الالتباسات النقدية التي صاحبت الأشكال التعبيرية المعاصرة، وفهم التداخل لا بوصفه فوضى أجناسية، بل بوصفه علامة على حيوية الأدب وقدرته المستمرة على إعادة تشكيل حدوده وأدواته.