صدرت هذه الرواية، لمحمد حسين النجفي عن دار ومكتبة أهواز - بغداد اهداها: " إلى فتيات العراق اللاتي تعرضن للإساءة، إلى الفتيات الشامخات، اللاتي لن يتقبلن الخنوع، إلى الثائرات والمتمردات، إلى من دفعن ثمنا غاليا لكبريائهن" وعلى الرغم من أن روايته اعتمدت على شخصيات رجالية ونسائية متخلفة مثل شخصية والد هدية والعائلة معه التي أجبرت ابنتهم على ترك دراستها المتوسطة لخدمة والدتها في البيت وبعد ذلك طلبوا منها الزواج "من رجل بعمر والدها، لتكون الزوجة الثانية، الصبية القوية التي ستخدم الزوج والزوجة وأبناءهما". وبدأ روايته بمقدمة خلافا لمنهج غالبية الروايات العالمية والعربية والعراقية الذي يبتعد عن المقدمات التي لا يحتاجها القارئ، حيث كانت لديه القدرة على معرفة كل التفاصيل وأسبابها واستشراف النهايات أو خلقها انسجاما مع الأحداث ومن هنا جاء دور المتلقي لكي يضع نهايات للرواية المفتوحة، بينما مقدمة الراوي العليم ليس له القدرة أحيانا على توصيل ما يريده من نهايات ومضامين للقارئ النابه، المتفاعل مع قوة سردية الرواية، وطغيانه وقد يبعد القارئ عن التفاعل بغير الحاجة إلى تبريرات أو توضيحات أو تفسيرات لأن القارئ يعد واحدا من المساهمين في الأحداث استنتاجا أو تعاطفا مع الشخصيات أو تعارضا معها، في رواية (فتاة من عين التمر) أعطى للمتلقي ما يسد حاجته لأي تفسير أو توضيح.
يبدأ الراوي بالمكان وهو أحد أعمدة الرواية، ليتخذ من عين التمر المكان الأول الذي يؤسس أحداث الرواية بما تعانيه هذه البقعة من الأرض النائية من مشكلات اجتماعية واقتصادية وخلل في الثقافة ويتخذ من عائلة بسيطة بدايته، مركزاً على (هدية) الطموحة والمتمردة على قرار عائلتها المتخلف والهاربة من عين التمر إلى بغداد ملتحقة بصديقتها (غنية) بنت مدينتها التي تعمل في شارع النهر. وهو المكان الثاني لبيع بدلات العرائس للعوائل الراقية. وتذهب مع صديقتها لتعيش معها في غرقة مستأجرة في بناية قديمة في حي (عكد النصارى)، وهو المكان الثالث. كل الأحداث تبدو واقعية وكذلك الشخصيات وزمانها في الستينيات وهذا ما ينسجم مع ما كتبه والاس مارتن: " إن تسميتنا الروايات " واقعية" ليس القول بأننا نجربها بوصفها حقيقة لا غير فالتأكيد يعني ضمنا أن هذه الروايات تصف الحياة كما هي، لا كما تمثل في المسرودات الأخرى" مبتعدة عن التقليد وهذا ما سوف نقرأه في هذه الرواية. فهدية تحصل على عمل وبواسطة طارق الذي أقنع والده بقبولها لتعمل في متجره وهو ذاته مكان عمل صديقتها (غنية). وتدريجيا يقترب منها طارق وتحصل بينها صداقة، وبفضله عرفت بغداد، وبسبب الفارق الطبقي لم يتواصل طارق معها، كان خائفا من الأهل والمجتمع من الارتباط بهذه الفتاة التي لا تنتمي لطبقته، وهي الأخرى خائفة من عدم قبولها من قبل عائلته، فحصل الفراق، على الرغم من اقتراب مشاعرهما، وانتهت سريعا لكنها لم تهتم بفشل هذه العلاقة، وركزت على مواصلة دراستها الثانوية مساء، بعد أن حرمت منها. بسبب التخلف السائد في المجتمع.
وينتقل الكاتب إلى الموضوع السياسي ويتناوله من خلال عنوان (الشرخ) ويقصد بين (عبد السلام عارف) و(عبد الكريم قاسم) الذي كان يؤمن بالاتحاد الفيدرالي، بدلا من الوحدة الفورية بين مصر وسوريا والعراق بقيادة جمال عبد الناصر. ويتطرق إلى عملية محاولة اغتيال الزعيم والرعب الذي أصاب هدية وهي عائدة من عملها إلى مسكنها وحسنا فعل الكاتب عندما ربط بين هذا الحدث الجلل وتأثيره على بطلة روايته (هدية) كرمز لتأثيره على عدد كبير من الشعب العراقي.
وتنتقل هدية إلى محلة (أم النومي) وتعيش مع أم ياسين- وهي شخصية أساسية ولها نشاطات سياسية، وفي منظمة المجتمع المدني (رابطة المرأة العراقية) فتعمل معها.
وفي رحلة دراستها وجدت بيانا للحزب الشيوعي العراقي يدعو إلى وقف الحملة العسكرية ضد الأكراد، وكان له تأثير إيجابي من قبل غالبية الطلبة. وهو ربط طبيعي بين السياسة وبطلة روايته... ويرى جورج لوكاش :" في الفعل الروائي لقراءة الرواية... هو تمسكه الشديد بمقولة الإنسان، أو بشكل أدق بفكرة التمثيل الروائي لجوهر الإنسان... في إمكانية الإنسان المشخصة، التي تحاور بدورها واقعا مشخصا، لتحوله وتتحول معه في آن".
وتحت عنوان (مكائن أم ياسين) يتم التعارف بين هدية وحسين، وهو شاب مهندس جاء ليساعد والده المسؤول عن تصليح هذه المكائن لكنه عجز بسبب قدمها فاستعان بولده، ودار حوار سياسي بينهما، وكانت تريد معرفة المزيد من المعلومات عن ما يجري في الواقع وعن الحرب في كردستان واعجبت بتوضيحاته، واعترف أمامها بشيوعيته، لكنها عبرت عن عدم حبها للسياسة، وبينما كان يريدها أن تنتمي فكريا أو تنظيميا وطلب من أم ياسين أن تساعده في اقناعها. ويعتقل حسين أربعين يوما بسبب انتمائه، وعندما اطلق سراحه فرحت هدية لدرجة أنها بكت دون أن تفهم سبب هذا البكاء... بعد ذلك تعددت الزيارات واللقاءات معها وطلب حسين منها أن تبين له سبب وجودها في الكاظمية مقطوعة الشجرة؟ وترددت هدية في أن تخبره لاعتقادها أن الوقت لم يحن بعد، ثم طلب منها لقاء، ولكنها ربطت موافقتها بموافقة أم ياسين التي صرح حسين أمامها بأنه يريد الزواج من هدية وربط ذلك بانتمائها للحزب لأنه قيادي ويصعب أن تكون زوجته خارج السرب. حضرت (هدية) حفلة عيد المرأة في 8 آذار 1962، وكانت فرحة جدا بهذا اليوم.
كذلك تناولت الرواية: الصراع العقائدي وهو مقال جيد يصلح للنشر لكنه لا يمت للرواية بصلة، فلم يرتبط بأي شخصية من شخصياتها، بل هي وجهة نظر خاصة ببعض الأسماء المعروفة/ مظفر النواب.
في جميع القصص الواقعية يحق للروائي أن يحذف من القصة في الواقع أو يضيف عليها من خياله بما يخدم الحدث ولكن ليس من حقه تحريف أو تزوير الوقائع التاريخية أو التي حدثت في الزمن القريب أو البعيد من زمن روايته. وهذا الحرص وجدته في رواية (فتاة من عين التمر، كفاح من أجل حياة أفضل) حيث كان كاتبها حريصا جدا على نقل الوقائع كما هي، معتمدا مصادر مخلصة ونزيهة، ذكرها في نهاية روايته تحت عنوان مصادر، وقد تبدو هذه الحالة غربية أو غير مألوفة... لكنها تعكس جدية الكاتب والتزامه المبدئي على نقل الوقائع التي حدثت قبل انقلاب 8 شباط 1963 ولحظة حدوثه وما بعده، كما حصلت في الواقع مما دفعه هذا التوجه للابتعاد كثيرا عن الخيال، مع أن الخيال أحيانا يصب في صالح المنجز الروائي.
لقد بذل حسين جهدا كبيرا في تبرأت هدية من أفكار شاعت ضدها بسبب هربها من عائلتها، واستطاع بالتعاون مع صديق له توظيف كل الأعراف العشائرية والدينية لحل مشكلتها مع أهلها لكي يخطبها من أبيها وتم تنفيذ كل هذا المسعى تحت العناوين الأتية:( المشاية، الخطوبة، الزواج) ولم يمض وقت طويل على زواجه حتى حدث الزلزال انقلاب (1963) واستشهاد عبد الكريم قاسم. وقدم الروائي صورة عن رفض الانقلاب الفاشي وتأثير ذلك على شخصيات روايته. وتنتهي الرواية باستشهاد حسين وهو يقاوم الانقلابيين.
ان التوفيق بين السرد وبين الأحداث السياسية بتفاصيلها، يواجه صعوبة فالرواية السياسية هي رواية تقريرية، ويرى حسين الضو/ كاتب سعودي: "أن الرواية كجنس أدبي ... لا تكون رواية إلا إذا كانت خيالا، فالتخييل هو سمة جوهرية في أي عمل روائي".
لقد صاحبتني المتعة في قراءتي رواية (فتاة من عين التمر) ربما لأن الموضوع مهم وأعرف كل تفاصيله، ولكن أيضا كان السرد شيقا، ويختلف عن الكتابات البحثية أو المقالية، لأن العرض الذي يبتعد عن شخصيات الرواية يكون خارج السياق السردي ويتحول إلى مقال سياسي.
هذه الرواية شهادة واقعية عن أحداث سبقت الانقلاب الدامي عام 1963، وما بعده من جرائم كبيرة، قتلت الكثير من الأبطال الوطنيين. كما قدمت الرواية صورة مشرقة للشعب العراقي الذي قاوم المجرمين.