تظل علاقة السياسة بالثقافة مثار جدلٍ واسع، وقرينة بإجراءاتٍ تتعدد وتختلف فيها وجهات النظر حول التمكين الثقافي، والسيطرة، وحول الرغبة في أنسنة السياسة لتبدو أكثر استعدادًا للاستعمالات الثقافية والاجتماعية، فرغم أن تاريخ العراق السياسي جعل من تلك العلاقة مسكونة بكثيرٍ من العنف والغموض، بسبب طبيعة الانقلابات العسكرية وتضخم الممارسات الفاشية، الا أن كثيرًا من المثقفين واجهوا هذا الاستبداد ومظاهره المتوحشة بوعيٍ نقدي، ونضالي، اعطى للثقافة مساحات كبيرة للتعبير عن الرفض، وعن حيوية الوعي النقدي، وعن العمل الجاد عبر النضال المدني، أو النضال الحزبي على تحقيق اهداف تتسع مع المكانة الفاعلة للمسؤولية الثقافية..
إن ما تصنعه الثقافة لن يكون بعيدًا عن السياسة، ولا عن دوافعها، وعن مؤسساتها، لأن ربط السياسة بسلطة الهيمنة سيقود الى الاستبداد، والى النظام المركزي الذي يعمد على تكريس العنف والطغيان، وعلى تقويض خيارات الحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية والسلم الأهلي، وهي مجالات مفهومية تنتمي الى الاطار الثقافي، والى تمثلاته النقدية، والى اجراءاته في تمثيل خطابه، وفي رهانه على تعزيز مسارات بناء الدولة الناجحة.
ما نعيشه اليوم من تصدعات سياسية تنعكس حتمًا على التمثيل الثقافي، وعلى وظائف مؤسسات الثقافة المدنية والرسمية، حيث تتبدى مظاهر ضعف تبنّي مشاريعها الاستراتيجية، ومحدودية دوافعها في صناعة "رأي عام" له قوة التأثير، والفعل في تعميق رمزية الوعي في مسار البناء والتحول، وفي التأكيد على اهمية استراتيجيات الثقافة في التمهيد للتحولات الكبرى، وعلى النحو الذي تتسع معه اهمية "المسألة الثقافية" واجراءاتها في تمتين شراكتها مع المسائل الوطنية الأخرى وفي التمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وفي تنمية الوعي النقدي لكلِّ مظاهر الفشل والفساد السياسيين، فضلًا عن دعم خيارات البحث عن تمثلات ثقافية واقعية وفاعلة، وقابلة للمساهمة النافذة في بناء المشروع الوطني، القائم على اساس انضاج عوامل التحول الاجتماعي والاقتصادي، وعلى التمهيد لتنفيذ اجراءات تراهن على اهمية التواصل والتفاعل بين المكونات العراقية، عبر نظام سياسي ديمقراطي وعادل يحترم ثقافات التنوع والتعدد..
هذا الرهان على المشروع الوطني لا يحدث في الفراغ، بل عن طريق اجراءات تشريعية، وفاعليات رسمية ونضال مدني نقابي واجتماعي، تعمل جميعًا على تأمين بيئة تتسع للحوار الثقافي، الذي تقوده نخب ثقافية لها دورها الطليعي والتنويري والعضوي، تعمل على تمكين المجتمع في المساهمة الفاعلة، عبر مؤسسات ومنابر ثقافية، لها برامجها ومشاريعها، يمكن اعتمادها في مسار بناء الدولة، وفي تأطير نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفي مواجهة تحديات التحول السياسي، ومواجهة مظاهر الجهل والتخلف والرثاثة الاجتماعية، بعيدا عن أي شكل للهيمنة، ولسياسة المحاور والخنادق، وباتجاهٍ تكون فيه الحيازة الثقافية تمثيلًا لقوة الارادة الوطنية، وتعبيرًا عن الوعي النقدي الذي تحمله النخب الثقافية..
ان اشكالات الفشل السياسي وتضخم ظواهر المحاصصة والفساد والمحسوبية ليست بعيدة عن أزمة "الخنادق الثقافية" التي ترتبط بتمثيلات قوى الواقع السياسي، والى ما تصنعه وتشيعه من مظاهر الضعف والعجز والشعبوية، البعيدة عن الابداع الحقيقي، وعن الاسئلة التي تُعنى بتجديد الافكار والسياسات، وبما يجعلها عناصر فاعلة التحولات الاستراتيجية، وفي تبنّي الرهانات الوطنية الكبرى التي يمكن أن تحملها تلك النخب، من منطلق مسؤوليتها المعرفية والتعليمية، ومن اساسيات اجراءات وعيها النقدي..
ما تحدث به طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" يؤشر الى اهمية التفاعل بين السياسي والثقافي، وأن ربط حمولاتهما بالواقع يتطلب ايجاد فضاءات تتسع للحوار والتفاعل، والانفتاح على استحقاقات الزمن التاريخي، وبما يجعل من السياسة الفاعلة والمسؤولة عنصر دعمٍ وتمكين للثقافي لكي يعمد الى توسيع مساحات الاشتغال الثقافي، والى تيسير عمل الانتلجنسيا الوطنية في نضالها الثقافي الوطني، وفي تحقيق اهدافها وطموحاتها في تعزيز فاعليات الأمن الثقافي والتنمية الثقافية..