الاحتفاء بالصحافة الشيوعية يؤشر مدى فاعليتها في التأثير على الفكر، وعلى قراءة المشهد الثقافي والسياسي، فعلى الرغم من تراجع تأثير الصحافة الورقية، نتبين إن الحرص على حضورها يظل تحديًا كبيرًا، لإبراز اهمية مسؤوليات الاعلام، وحيوية الثقافي، بقطع النظر عن مدى تعقيد التغيرات التي دخلها العالم في مجال الخوارزميات، وفي ما تفرضه من انماط سريعة للحياة والاستهلاك والتلقي.
يُعيدنا الاحتفاء الى حيوية التواصل، والى ذاكرة قوة اليسار العالمي، في تمثيله النضالي والثقافي، وفي حرصه على أن يكون الثقافي هو القوة الفاعلة في تصعيد حركة الوعي، وفي توسيع مساحات الفعل النهضوي، بمواجهة تحديات الجهل والتخلف، وفي تفعيل الزخم النقدي واجراءات خطابه، وفاعليته الواقعية التي تجعل من الخطاب الثقافي فاعلًا في تكريس قيم التقدم الاجتماعي، وفي منح القراء الطاقة الايجابية وسط تراجعات خطيرة للفكر الانساني، ولضغط "الليبرالية" الرأسمالية عالميًا على اشاعة الاستهلاك وانماط ثقافة الاشباع الرمزي..
تاريخ الصحافة الشيوعية في العراق ليس بعيدًا عن التاريخ الثقافي، وأن علاقته بفاعليات التجديد التنويري تؤشر مدى تأثير ذلك على اغناء الافكار التي اعطت للفكر حضوره الفاعل، ودأبه على انهاض تمثلات الخطاب النقدي، على مستوى الظاهرة الثقافية، أو على مستوى الخطاب الاعلامي الذي زخر بأسماء كبيرة، كان لخطابها، ولرأيها النقدي التأثير الفاعل على صناعة الرأي العام، وعلى نقد مظاهر الاستبداد والرثاثة السياسية والاجتماعية..
إن ما يجعلنا نثق بالخيار الثقافي هو جدّة الخطاب الذي يوّسع من اتجاهات النضال اليساري اليوم، في تصديه لمظاهر الفشل السياسي، وضعف الاهتمام بالوعي الثقافي، وحتى ببناء المؤسسات الثقافية، وإذا كان الاحتفاء السنوي هو تقليد وطني وثقافي ومهني، فإن تحويله الى ظاهرة ثقافية نقدية هو ما يجعله حيويًا، وحاملًا لمسؤولية التأثير على الجمهور باتجاهات تلقيه المتعددة، لأن توسيع المشاركة، وتحفيز التلقي تظل اهدافًا مهمة واستراتيجية، ومسؤوليات يجب الحرص على توسيع مساحتها وتنميتها، ومنحها طاقة التجدد لتظل ظاهرة فاعلة في التواصل والتفاعل، لاسيما بين قطاعات الشباب، وعبر برامج ومشاريع تهدف الى ابراز اهمية الوعي الفكري والاجتماعي بما يجري، والدفع باتجاه التنوير الثقافي ليكون مصدرا مهما من مصادر بناء الامن الثقافي، والتنمية الثقافية..
لهذا التاريخ ذاكرة تتجاوز القراءة، والاحتفاء بالصحيفة والمجلة وتفاصيل العمل الاعلامي الى اهمية استعادة الاسماء الكبرى التي كرست قيم النضال السياسي والاجتماعي، وجعلت من الخطاب الاعلامي بهويته الثقافية، وبعمقه الاخلاقي مصدرا لإبراز قوة المعرفة، وحيوية النقد، والنضال الفكري والانساني والمدني الحر، باتجاه عالمٍ اكثر عدالة وأكثر حرية، وأكثر ثقة بالمستقبل، وبهدف واسع يعمد الى مواجهة افكار الظلام والكراهية والاستبداد، والى توظيف الخطاب النقدي لكي يكون عنصر الضغط، والمساءلة الواقعية، والدافع الى تحرير الفكر النضالي من ذاكرة الخوف، والى ابراز اهمية التلازم بين الحق الوطني والحق الانساني والمعرفي، لاسيما ما يتعلق بالنضال ضد العنف الاجتماعي والقصور القانوني، والتأكيد على ربط هذا النضال بمشروعية العمل من اجل بناء حياة عادلة، ومن اجل ديمقراطية حقيقية تتسع للمشاركة والبناء الوطني.
ما يعزز ثقتنا بفاعلية الخطاب الثقافي التي تحتفي بها الصحافة الشيوعية هو حيوية المساحة التي تتحرك فيها، والعناوين التي تحملها، والاهداف التي تسعى اليها، والرموز التي تستعيدها بوصفها علامات كبرى للنضال الانساني وللتضحيات الجسام التي قدمتها، ولإيمانها بأن ما يمكن أن تصنعه الثقافة، ومسؤوليات الرأي العام يمكن أن تكون فواعل حقيقية في ادامة زخم المسار الوطني الذي يكفل التقدم والاصلاح والتنوير، والحرص على خيارات جامعة تؤمن بالعمل الانساني، والخطاب الثقافي، وتجعل من اسئلة المستقبل هي الرهانات الكبرى على المشترك الانساني بعيدًا عن مظاهر المحاصصة والعشوائية والشعبوية، لأن القارىء الذي نحرص على حضوره سيكون هو العينة التي يمكن عن طريقها قياس جدة تأثير الرأي العام في مواجهة تحديات المستقبل..