العربي الجديد
تؤشر المعطيات الميدانية خلال الأسبوعيَن الماضيَين إلى تحول في نمط الهجمات التي تنفذها الفصائل المسلحة داخل العراق، مع انحسار نسبي للضربات في العاصمة بغداد، مقابل تصاعدها بوضوح في إقليم كردستان، فيما يبدو أنه إعادة رسم لبنك أهداف الفصائل المسلحة وفق حسابات جديدة؛ تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية لأجنداتها الخاصة.
وبعد إعلان كتائب حزب الله العراقية في أكثر من مرة تعليق عملياتها ضد السفارة الأميركية، وهو تعليق لا يزال مستمراً حتى الآن، ووفق رصد ميداني، تقلصت الأهداف داخل العاصمة لتقتصر على نطاقات محدودة، أبرزها محيط قاعدة فيكتوري وبعض المواقع الانتقائية، ما قد يعكس توجهاً لتقليل الاحتكاك في مركز القرار السياسي، على أن ذلك لا يعني أن المناطق الأخرى في العاصمة باتت بمأمن من الهجمات.
في المقابل، يبرز إقليم كردستان، وخصوصاً أربيل، بوصفه ساحةً رئيسية للتصعيد منذ بداية هجمات الفصائل منذ أكثر من شهر، وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، سجلت عدة هجمات بطائرات مسيّرة، طاول عدد منها خمسة منازل سكنية، ما أدى إلى إصابات بين المدنيين، فضلاً عن استهدافات طاولت محيط القاعدة الأميركية في أربيل، ومطار أربيل الدولي، إلى جانب مناطق يُعتقد بوجود مجموعات معارضة إيرانية فيها.
وقد دفع هذا التصعيد محافظ أربيل، أوميد خوشانو، إلى التحذير من خطورة الوضع، مؤكداً في تصريح صحافي، الأسبوع الفائت، أن إقليم كردستان "يتعرض لسلسلة من الهجمات غير المبررة"، مشدداً على أن "لغة الإدانات والتصريحات لم تعد كافية لوقف هذه التجاوزات"، وأضاف أن "أكثر من 500 هجوم ظالم استهدفت الإقليم حتى الآن، في مؤشر على اتساع نطاق الاستهداف وتكراره". من جهته، نشر الباحث في الشأن السياسي العراقي، شاهو القرداغي، مقطعاً مصوراً لهجوم مسيّرة استهدفت منزلاً سكنياً في أربيل، وقال معلقاً في تدوينة على "إكس"، إنها "هدايا المليشيات الإرهابية في يوم الجمعة لمدن إقليم كردستان... الدرونات تسقط فوق المنازل".
سياسياً، لا يبدو أن الجهود لاحتواء هذا التصعيد قد أحرزت تقدماً ملموساً، فقد زار وفد كردي بغداد قبل أيام، وعقد لقاءات مع مسؤولين حكوميين وقيادات في الإطار التنسيقي، لبحث ملف الهجمات على الإقليم، إلّا أن تلك الاجتماعات لم تفضِ إلى تفاهمات واضحة أو ضمانات بوقفها، بحسب مصادر مطلعة. وفي هذا السياق، قال مسؤول كردي إن "الفصائل المسلحة باتت خارج سلطة حكومة بغداد، ولا توجد مؤشرات على قدرة الحكومة في اتخاذ خطوات فعالة للحد من هجماتها"، مضيفاً أن "الجانب الكردي لم يحصل على أي ضمانات حقيقية بشأن وقف الاعتداءات"، وأكد المسؤول، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد" أن "ما يجري يمثل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار الإقليم، الذي يعد من أكثر مناطق العراق استقراراً"، مشيراً إلى أن "التنسيق مستمر مع الجانب الأميركي لاعتراض الطائرات المسيّرة، إذ يجري إسقاط عدد منها يومياً".
ويأتي هذا التحول في ظل سياق أوسع من إعادة ضبط قواعد الاشتباك داخل العراق، إذ يبدو أن الفصائل تتجه إلى تجنب التصعيد في بغداد، لما تمثله من حساسية سياسية ودبلوماسية، مقابل نقل الضغط إلى مناطق أخرى أقل كلفة من حيث التداعيات المباشرة على الحكومة المركزية، كما تعكس خريطة الأهداف محاولة لإبقاء مستوى التصعيد قائماً دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، من خلال استهداف مواقع ذات طابع استراتيجي أو رمزي خارج العاصمة، مع الحفاظ على هامش إنكار أو تقليل الكلفة السياسية. وبينما تتواصل هذه الهجمات بوتيرة متصاعدة في كردستان، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب حلول حاسمة، واستمرار اعتماد مقاربات جزئية لموجهة تحديات أمنية تتغير طبيعتها تدريجياً، ما يضع الحكومة العراقية أمام اختبار متجدد في إدارة توازنات معقدة بين الداخل والخارج.