الحرة
اقترح رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف على قادة الإطار التنسيقي الحاكم في العراق إبقاء أسلحة الفصائل المسلحة في حوزتها، أو إيداعها لدى هيئة الحشد الشعبي، بدلا من تسليمها إلى الحكومة، وفق ثلاثة مصادر تحدثت إلى “الحرة”.
وقال قاليباف خلال اجتماع عقده مع قيادات الإطار في بغداد مساء الأربعاء إن تسليم السلاح إلى الحكومة في الظروف الحالية يعني، من وجهة نظره، وضعه عمليا تحت نفوذ الولايات المتحدة، بحسب المصادر.
ويأتي الاقتراح قبل أسابيع من انتهاء المهلة التي حددتها الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة في 30 سبتمبر، ويعكس استمرار مساعي طهران لمنع نزع سلاح الفصائل الموالية لها، في وقت تتعرض فيه الحكومة لضغوط أميركية متزايدة لإنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
وقال عضو في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم لـ”الحرة” إن قاليباف أبلغ المجتمعين بأن المبدأ يجب أن يبقى حصر السلاح بيد الدولة، “لكن ليس الآن”، معتبرا أن المخاطر التي تواجه العراق وإيران لا تسمح بذلك في المرحلة الراهنة.
وبحسب ذات المصدر، قدم قاليباف اقتراحه باعتباره إجراء مؤقتا، من دون أن يحدد موعدا لانتهائه، وربطه بزوال ما وصفه بالمخاطر الحالية.
واقترح أن يبقى السلاح لدى الفصائل، أو أن يوضع لدى هيئة الحشد الشعبي ليكون متاحا في حال حدوث “ظرف طارئ”.
وهيئة الحشد الشعبي مؤسسة رسمية ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، أي رئيس الوزراء، وتضم فصائل شيعية يُنظر إليها على أنها موالية لإيران. لكن عضو الإطار قال إن المقترح الإيراني لا يقوم على نقل السيطرة على السلاح إلى الحكومة، وإنما على إبقائه بعيدا عن متناولها مع الحفاظ على إمكانية استخدامه عند الضرورة.
ولم يوضح قاليباف، بحسب المصدر، كيف يمكن تنفيذ هذا الترتيب داخل الهيئة، أو من سيتولى حفظ الأسلحة، أو الظروف التي يمكن فيها إعادتها إلى الفصائل.
وقال قاليباف أيضا إن الفصائل التي تدعم إيران وتحظى بدعمها لا تعمل ضد الدولة العراقية، وإنما ضد ما وصفه بـ”الاحتلال الأميركي”، بحسب عضو الإطار.
وأضاف المصدر ذاته أن مسؤولين إيرانيين استخدموا هذا التوصيف مرارا في محادثاتهم مع القوى السياسية العراقية، في محاولة للفصل بين وجود السلاح خارج سيطرة الحكومة وبين أي تهديد مباشر للدولة.
وقال عضو في مجلس النواب العراقي، اطلع على جانب آخر من الاجتماع، إن قاليباف حذر من أن العراق “ليس بعيدا عن أي خطر”، واتهم واشنطن وإسرائيل بالسعي إلى إخضاعه لنفوذهما.
وبحسب النائب، بدأ قاليباف حديثه بعرض للتطورات الإقليمية، قبل أن ينتقل إلى ما وصفه بضعف السيطرة على الأجواء العراقية.
ونقل عنه قوله إن إيران تتعرض لضربات وعمليات تنطلق عبر المجال الجوي العراقي، وإن الأجواء العراقية باتت مفتوحة أمام الطائرات الأميركية والإسرائيلية.
وقال إن افتقار العراق إلى منظومة دفاع جوي فعالة لا يمثل مشكلة للعراق وحده، بل يهدد إيران أيضا، بحسب المصدر نفسه.
وأضاف النائب أن قاليباف عاد إلى هذه المسألة أكثر من مرة، وربطها بالحاجة إلى إبقاء سلاح الفصائل.
وتتقاطع هذه الرسالة مع ما حمله قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد قبل تسعة أيام.
فقد دعا قاآني، بحسب مصادر تحدثت إلى “الحرة” في وقت سابق، قادة الفصائل إلى عدم التخلي عن السلاح واستخدام الملف ورقة ضغط على واشنطن لدفعها إلى المساعدة في تطوير منظومة الدفاع الجوي العراقية ومنع استخدام الأجواء العراقية في عمليات أميركية أو إسرائيلية ضد إيران.
وقال مصدر آخر مطلع على زيارة قاليباف إن أحد أهدافها كان محاولة تحقيق ما لم يتمكن قاآني من تحقيقه خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد، والتي قال المصدر إنه غادرها منزعجا من نتائج اجتماعاته.
لكن قاليباف حاول معالجة الموضوع بطريقة مختلفة.
فقاآني التقى بقادة الفصائل مباشرة، بينما حمل قاليباف الملف إلى الإطار التنسيقي، الائتلاف السياسي الحاكم الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية، وناقشه باعتباره مسألة سياسية تتعلق بمستقبل السلاح في العراق.
وجاءت زيارة قاليباف بدعوة رسمية من رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي.
وقال مصدر في الإطار التنسيقي إن عددا من قادته ينظرون إلى قاليباف باعتباره أحد أبرز ممثلي القيادة الإيرانية الجديدة، ويعتقدون أن المواقف التي ينقلها تعكس توجهات المرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
ووصل قاليباف إلى بغداد صباح الأربعاء 19 أغسطس على رأس وفد برلماني رفيع في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام. وكان في استقباله نائب رئيس مجلس النواب عدنان فيحان، القيادي في حركة “عصائب أهل الحق”، وهي من الفصائل المصنفة إرهابية من قبل واشنطن وأعلنت في وقت سابق البدء بإجراءات حصر السلاح.
وتوجه قاليباف بعد وصوله إلى موقع مقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس بضربة أميركية قرب مطار بغداد الدولي عام 2020.
وقال في مؤتمر صحفي إن “جبهة المقاومة هي من تنتصر الآن”، وإن المقاومة تجاوزت حدود إيران والعراق وأصبحت “مقاومة عالمية”.
وتنتهي في 30 سبتمبر المهلة التي حددتها الحكومة العراقية لإنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي.
وكان الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان قال إن الدولة لن تسمح بعد ذلك التاريخ بوجود أي سلاح خارج مؤسساتها، مشيرا إلى وجود تفاهمات مع عدد من الفصائل.
وطلب رئيس الوزراء علي الزيدي من القوات الأمنية، في أكثر من اجتماع، الاستعداد لتنفيذ أوامره إذا رفضت الفصائل تسليم أسلحتها بحلول الموعد المحدد.
وكانت “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” قد أعلنتا في 2 يونيو فك ارتباطهما بتشكيلات الحشد الشعبي والبدء بإجراءات حصر السلاح. في المقابل، لا تزال كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وحركة النجباء متمسكة بسلاحها.
والفصائل الخمس مدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة.