اخر الاخبار

نفى مصدر سياسي عراقي مطلع على المفاوضات بين "الإطار التنسيقي" والفصائل المسلحة وجود أي اتفاق أو خطة لنقل ترسانة الفصائل إلى إيران، مؤكداً لـ"إرم نيوز" أن الصيغ التي يجري التفاوض بشأنها، حالياً، تقوم على إبقاء السلاح داخل العراق، في وقت تسلمت فيه اللجنة المكلفة بإدارة الملف شروطاً وضعتها الفصائل قبل الموافقة على أي تسوية.

وقال المصدر إن الحديث عن نقل الصواريخ والمسيّرات والأسلحة الثقيلة إلى مخازن داخل إيران "غير صحيح"، وإن اللجنة لم تبحث هذا الخيار مع الفصائل، موضحاً أن النقاشات تتركز بدلاً من ذلك على مصير الترسانة داخل العراق، والجهة التي ستسيطر على مخازنها، ومن سيمتلك قرار استخدامها. 

ويأتي النفي بعدما تحدثت تقارير خلال الأيام الماضية عن مناقشة قوى داخل "الإطار التنسيقي" خيار نقل أسلحة الفصائل إلى إيران للتخزين باعتباره أحد المخارج من أزمة حصر السلاح.

وتعيد المعلومات الجديدة ملف حصر السلاح إلى النقطة الأكثر حساسية: إذا كانت الأسلحة لن تغادر العراق، والفصائل المتشددة لا تزال ترفض تسليمها بالكامل، فأين ستذهب آلاف الصواريخ، والمسيّرات، والأسلحة الثقيلة، ومن سيمسك بمفتاح مخازنها؟

 

السلاح يبقى.. والمفتاح يتغير

وبحسب المصدر، فإن اللجنة المشكلة بين "الإطار" والفصائل لا تعمل على فرض صيغة جاهزة، وإنما تحاول تقريب وجهات النظر بين الحكومة والجماعات المسلحة ومنع تحول الخلاف إلى مواجهة داخلية، خاصة مع استمرار بعض الفصائل في رفض التخلّي عن ترسانتها.

وكشف أن اللجنة تسلمت بالفعل مجموعة من الشروط والمطالب من الفصائل ونقلتها إلى الحكومة، مشيراً إلى أن تلك القوى لا تزال تربط ملف السلاح بضمانات سياسية وأمنية وبمستقبل علاقتها بالدولة.

وتتقاطع المعلومات مع ما كشفته "رويترز"، الأربعاء، عن رفض 5 جماعات مسلحة موالية لإيران الالتزام بخطة حصر السلاح، ومطالبة بعضها بضمانات مرتبطة بالوجود والنفوذ الأمريكيين. وقدرت مصادر تحدثت للوكالة القوة البشرية لهذه الجماعات بنحو 50 ألف مقاتل، فضلاً عن امتلاكها صواريخ بعيدة المدى ومسيّرات وأسلحة أخرى.

لكن النقاشات الجارية تكشف أن الأزمة لم تعد محصورة بمبدأ تسليم السلاح، بل انتقلت إلى تحديد الجهة التي ستسيطر عليه بعد الاتفاق.

وسبق أن ناقشت القوى الشيعية استبدال مصطلح "نزع السلاح" بـ"إدارة السلاح"، بالتوازي مع تداول صيغ تسمح بوضع الأسلحة في مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي، مع تسجيل أنواعها وكمياتها والجهات التي تعود إليها، أو بقائها في مخازن الفصائل مقابل تعهد بعدم استخدامها إلا بموافقة رسمية.

وتعني مثل هذه الصيغة، في حال اعتمادها، أن جزءاً من الترسانة قد لا ينتقل فعلياً من مكانه، وأن التغيير الأساس سيطال نظرياً قرار استخدامها، وهو ما يثير مخاوف من تحول عملية حصر السلاح إلى إعادة تنظيم له تحت مظلة رسمية بدلاً من إنهاء وجود القوة العسكرية الموازية للدولة.

 

"مفاجأة" قبل الاتفاق

ويكشف المصدر لـ"إرم نيوز" أن المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود، وأن هناك توقعات بحدوث "مفاجأة" في ملف السلاح تتمثل بصيغة يمكن أن تحظى بقبول الأطراف المختلفة، دون الكشف عن تفاصيلها.

وأشار إلى أن المباحثات تبحث عن حل يبقي الملف داخل العراق ويمنع الصدام بين الحكومة والفصائل، وسط تمسك القوى الأكثر تشدداً بمواقفها.

وتزداد أهمية هذه المفاوضات مع تضارب المواقف بشأن موعد 30 أيلول/سبتمبر. ففي الوقت الذي قدم فيه الموعد خلال الأشهر الماضية باعتباره نهاية المهلة الممنوحة لمعالجة ملف السلاح، قال مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، لاحقاً، إن التاريخ يرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي، وليس موعداً نهائياً لتسليم الفصائل أسلحتها.

وبذلك لم تتراجع الفصائل المتشددة حتى الآن عن رفضها، بينما أصبح الموعد الحكومي نفسه أكثر مرونة، ما يمنح المفاوضات مساحة زمنية إضافية قد تنتهي بصيغة تختلف عن الحصر الكامل للسلاح الذي أعلنته الحكومة في البداية.

 

هدنة تنتهي في 30 أيلول

لكن التطور الأخطر، وفق المصدر السياسي، لا يتعلق بالمخازن وحدها، وإنما بما قد يحدث بعد نهاية سبتمبر. وقال إن الفصائل لا تزال في "هدنة" مع القوات الأمريكية، لكنها تربط استمرارها بموعد 30 أيلول/ سبتمبر، مضيفاً أن بعضها "قد يتحرك بعد هذا التاريخ" إذا اعتبر أن الأسباب التي دفعته إلى وقف عملياته لم تعد قائمة.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع استمرار الضغوط الأمريكية على الجماعات المرتبطة بطهران وشبكاتها المالية، فيما كشفت "رويترز" أن إجراءات أمنية عراقية اتخذت أخيراً ضد عناصر مرتبطة بالفصائل أدت إلى تهديدات وردود فعل من الجماعات المسلحة.

ويضع ذلك الحكومة أمام مسارين متوازيين؛ محاولة حسم مصير الترسانة دون تقديم تسوية تبقي سلطة عسكرية مستقلة خارج الدولة، ومنع الفصائل المتشددة من استخدام التهديد بالتصعيد بعد 30 أيلول/ سبتمبر ورقة لرفع سقف شروطها. 

 

اختبار الدولة

وفي هذا السياق، يرى الباحث العراقي فراس إلياس أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطاً فقط بمكان تخزين السلاح، وإنما بقدرة الدولة على امتلاك القرار المرتبط به، موضحاً أن الفصائل تحاول نقل النقاش من مبدأ حصر السلاح إلى شروط تنفيذه، بما يسمح لها بالحفاظ على أكبر قدر ممكن من نفوذها.

وقال إلياس: "كل شيء في العراق يحتاج إلى الحصر، ليس السلاح وحده. المشكلة في دولة تتقاسم سلطتها ونفوذها ومواردها مع قوى متعددة، ولذلك فإن أي تسوية تبقي للفصائل قراراً عسكرياً مستقلاً لن تعالج أصل المشكلة".

وأضاف أن نجاح الحكومة يجب ألا يقاس بعدد الأسلحة التي تنتقل من مخزن إلى آخر، وإنما بإنهاء وجود قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة، لأن إبقاء السلاح لدى الفصائل مع الاكتفاء بتعهدات بعدم استخدامه يمكن أن يؤجل الأزمة بدلاً من حلها.

وبذلك يتحول 30 أيلول/ سبتمبر من مجرد موعد على جدول الانسحاب الأمريكي إلى اختبار مزدوج؛ للفصائل التي تريد الاحتفاظ بأوراق قوتها، وللحكومة التي وعدت بأن يصبح قرار الحرب والسلاح عراقياً، ومن داخل مؤسسات الدولة وحدها.