اخر الاخبار

بعد أكثر من أربعة أشهر على منح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، لا تزال عملية استكمال التشكيلة الوزارية متعثرة، في ظل استمرار الخلافات بين القوى والكتل السياسية بشأن توزيع الحقائب والأسماء المرشحة لتوليها، بالتزامن مع اعتراضات أميركية على إسناد مناصب حكومية إلى شخصيات أو جهات سياسية مرتبطة بفصائل مسلحة، وفق ما أكدته أطراف سياسية عراقية لـ"العربي الجديد".

ويأتي ذلك رغم إعلان "الإطار التنسيقي" الحاكم، مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، أن حسم ملف الوزارات الشاغرة بات قريباً، وأن التصويت على المرشحين يمكن أن يتم خلال أسبوع، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن. وكان مجلس النواب قد منح حكومة الزيدي الثقة في منتصف مايو/أيار الماضي، بعد التصويت على 14 وزيراً من أصل 23، فيما بقيت تسع حقائب من دون حسم، بسبب الخلافات السياسية حول المرشحين وآليات توزيع الوزارات بين القوى المشاركة في العملية السياسية.

الحقائب الشاغرة هي وزارات الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والهجرة، والإعمار والإسكان، والشباب والرياضة، والعمل والثقافة

ومنذ ذلك الحين، يراوح ملف استكمال التشكيلة الحكومية مكانه، وسط محاولات متكررة من قادة الكتل للتوصل إلى تفاهمات تتيح تمرير الأسماء المتبقية داخل البرلمان، في وقت تواصل فيه بعض الوزارات عملها عبر وزراء بالوكالة أو ترتيبات إدارية مؤقتة. وتشمل الحقائب التي لا تزال شاغرة أو لم تُحسم بصورة نهائية وزارات الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والهجرة، والإعمار والإسكان، والشباب والرياضة، والعمل، والثقافة.

تكتسب بعض هذه الوزارات أهمية سياسية وأمنية خاصة، ولا سيما الدفاع والداخلية، نظراً إلى ارتباطهما بإدارة الملفين الأمني والعسكري، فضلاً عن حساسية الجهات السياسية التي ستتولى ترشيح شاغليهما، الأمر الذي يجعل التوافق بشأن الأسماء أكثر تعقيداً.

 

مفاوضات على الأسماء والحقائب

وفي هذا الإطار، يقول عضو الإطار التنسيقي محمود الحياني، لـ"العربي الجديد"، إن "المفاوضات الجارية لا تقتصر على الأسماء المرشحة، بل تشمل أيضاً إعادة توزيع بعض الحقائب وآلية احتساب الاستحقاقات السياسية للقوى والكتل، مع تمسك أطراف مختلفة بحصتها من الوزارات، مقابل رفض أطراف أخرى تمرير مرشحين ترى أنهم لا يحظون بالتوافق السياسي الكافي". ويضيف الحياني أن "عامل التدخلات والضغوط الخارجية حاضر كذلك في مسار التفاوض، خصوصاً ما يتعلق بالموقف الأميركي من مشاركة شخصيات أو جهات مرتبطة بفصائل مسلحة في إدارة بعض الوزارات، ومناصب أخرى من بينها نواب رئيس الوزراء وغيرها".

ويوضح عضو الإطار التنسيقي أنه "حتى الآن لا يوجد أي وقت محدد أو متفق عليه لاستكمال التشكيلة الوزارية لحكومة علي الزيدي، والحوارات مستمرة بين الكتل والأحزاب للوصول إلى تسوية سياسية تدفع نحو إكمال الحكومة، لكن حتى الآن لا يوجد اتفاق، والخلافات ما زالت تعرقل ذلك، خصوصاً في ظل حراك يدفع نحو إعادة تقسيم بعض الوزارات من جديد إذا ما مررت استحداثات لمناصب جديدة، بينها نواب رئيس الوزراء ونواب رئيس الجمهورية، فضلاً عن استحداث وزارات جديدة، وهو ما عقد المشهد أكثر خلال الأيام الماضية".

وفي مقابل ذلك، يرى نواب أن استمرار الخلافات السياسية لم يعد مبرراً لاستمرار الشغور الوزاري، داعين رئيس الوزراء إلى حسم الملف عبر تقديم المرشحين إلى البرلمان وترك القرار للتصويت. ويقول عضو مجلس النواب العراقي أحمد الشرماني، لـ"العربي الجديد"، إن "الصراع بين القوى السياسية على المصالح والمناصب ما زال يؤخر حسم ملف استكمال التشكيلة الوزارية، رغم مرور أشهر على منح الحكومة الثقة، واستمرار الخلافات بشأن توزيع الحقائب والأسماء المرشحة ينعكس سلباً على أداء مؤسسات الدولة".

ويشدد الشرماني على ضرورة أن "يتحرر رئيس الوزراء علي الزيدي من الضغوط والقيود السياسية التي تفرضها بعض الأطراف، وأن يتحمل مسؤوليته الدستورية والسياسية عبر إرسال أسماء الوزراء المرشحين إلى مجلس النواب، وترك القرار للنواب من خلال التصويت عليها"، ويؤكد أن "الحكومة لا يمكن أن تستمر في إدارة الدولة بهذه الطريقة، كما لا يمكن تعطيل مؤسسات الدولة ومصالح المواطنين بسبب حسابات ومصالح سياسية وشخصية لبعض الأطراف المتنفذة"، داعياً القوى السياسية إلى "تغليب المصلحة العامة وحسم ملف الوزارات المتبقية بعيداً عن المحاصصة والصراعات على النفوذ".

ويشير الشرماني إلى أن "استمرار شغور عدد من الوزارات أو إدارتها بالوكالة من شأنه أن يحد من قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها ومعالجة الملفات الخدمية والاقتصادية والإدارية، وحسم التشكيلة الوزارية يمثل خطوة أساسية لضمان استقرار عمل مؤسسات الدولة وممارسة الوزراء صلاحياتهم بصورة كاملة".

 

أزمة حكومة الزيدي انعكاس لأولوية المصالح الحزبية

من جهته، يعتبر الباحث في الشأن السياسي جاسم الغرابي أن استمرار الأزمة يعكس، من وجهة نظره، أولوية المصالح الحزبية على حساب عمل مؤسسات الدولة. ويضيف الغرابي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الكتل والأحزاب السياسية أثبتت مرة أخرى أن مصالحها الحزبية وحساباتها الخاصة تتقدم على مصلحة الدولة، فكل طرف يريد انتزاع أكبر قدر ممكن من المناصب والحقائب، بينما تبقى الوزارات شاغرة أو تدار بالوكالة، وكأن مؤسسات الدولة ملك لهذا الحزب أو ذاك".

ويلفت الغرابي إلى أن "الحديث المتكرر عن قرب استكمال الكابينة الوزارية لم يعد مقنعاً للرأي العام، بعدما تحولت الوعود بالحسم إلى أسطوانة تتكرر من دون نتيجة"، معتبراً أن "المشكلة ليست في عدم وجود أسماء أو مرشحين، وإنما في الصراع على من يملك القرار، ومن يحصل على الوزارة، ومن يضمن من خلالها نفوذه السياسي". ويتابع أن "تعطيل تسع وزارات لأشهر يكشف حجم الخلل في طريقة إدارة العملية السياسية، لأن الدولة ليست شركة لتوزيع الحصص، والوزارة ليست جائزة تمنح لهذا الطرف أو ذاك مقابل صفقة سياسية".

إلى ذلك، يحذّر الغرابي من أن "استمرار هذا النهج سيبقي الحكومة في حالة ابتزاز سياسي دائم، وسيجعل المواطن يدفع ثمن صراعات لا علاقة له بها"، مشدداً على أن الأولوية، برأيه، ينبغي أن تكون "لتثبيت مؤسسات الدولة وإنجاز الملفات الخدمية والاقتصادية والأمنية، لا الاستمرار في معركة المناصب والنفوذ". ويضع استمرار الشغور الوزاري حكومة الزيدي أمام اختبار سياسي مبكر، في ظل حاجة مؤسسات الدولة إلى وزراء أصيلين يتمتعون بالصلاحيات الكاملة، بالتزامن مع ملفات اقتصادية وأمنية وخدمية تتطلب قرارات حكومية مستقرة.

يُذكر أن تأخر حسم الحقائب المتبقية يعكس أيضاً تعقيد التوازنات داخل المشهد السياسي العراقي، حيث تتداخل حسابات توزيع السلطة والنفوذ بين القوى السياسية مع اعتبارات خارجية مرتبطة بعلاقات العراق مع الولايات المتحدة وسائر الأطراف الإقليمية والدولية.