اخر الاخبار

العربي الجديد

توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 12.4% خلال عام 2026، في ظل ضغوط ناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية واضطراب الصادرات بفعل التوترات الإقليمية، ومخاوف من اتساع العجز وتزايد أعباء الدين العام وانعكاسات الأزمة على الإنفاق الحكومي، في وقت اتجهت فيه الحكومة إلى رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار ضمن إجراءات مواجهة الأزمة المالية.

وكشف تقرير البنك الدولي، الصادر في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عن تراجع احتياطيات النقد الأجنبي من 102 مليار دولار في فبراير/شباط الماضي إلى 78.3 مليار دولار في يوليو/تموز الماضي، بانخفاض بلغ 23.7 مليار دولار خلال خمسة أشهر.

في السياق، حذر المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، من تداعيات الانكماش الاقتصادي المتوقع على المالية العامة، في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، موضحاً أن تراجع إنتاج النفط وصادراته لا ينعكس على حجم الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل يمتد إلى الإيرادات الحكومية وقدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام، فضلاً عن تأثيره في النشاط الاقتصادي المرتبط بالإنفاق الحكومي.

وأكد صالح، لـ"العربي الجديد"، أن الحكومة تسعى للحد من استمرار تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، حفاظاً على هامش الأمان النقدي، مشيراً إلى أن مواجهة الضغوط الاقتصادية والمالية تتطلب ضبط الإنفاق الجاري وتنمية الإيرادات غير النفطية، وتجنب الاعتماد المستمر على الاحتياطيات لتمويل عجز الموازنة، لضمان الوفاء بالالتزامات واستقرار المالية العامة.

وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية الأخيرة، أوضح صالح أن تعديل سعر صرف الدولار يمثل إجراء احترازياً لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، مشدداً على ضرورة إدارة الإنفاق والإيرادات بصورة متوازنة، والمحافظة على تمويل الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، والحد من انتقال الأعباء الاقتصادية إلى المواطنين.

من جانبه، حذر عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، أحمد الشرماني، من أن توقعات الانكماش الاقتصادي الحاد تعكس حجم التحديات التي تواجه المالية العامة، مع تراجع الموارد وتزايد الالتزامات، مشيراً إلى أن استمرار الضغوط على الإيرادات قد يضع الحكومة أمام خيارات صعبة تتعلق بتمويل النفقات الأساسية وتقليص الإنفاق الاستثماري والتوسع في الاقتراض.

وأوضح الشرماني، لـ"العربي الجديد"، أن خطورة الأزمة لا تقتصر على تراجع المؤشرات الاقتصادية، وإنما تمتد إلى المواطنين والقطاع الخاص، إذ إن تقليص الإنفاق الحكومي ينعكس على تنفيذ المشاريع وفرص العمل وحركة الأسواق، مع الحاجة إلى استثمارات منتجة.

وأشار إلى أن خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار قد يضيف أعباء على الأسر نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وانتقال جانب منها إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصاً أن شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على دخول ثابتة لا ترتفع بالوتيرة نفسها التي ترتفع بها الأسعار.

وشدد الشرماني على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تعديل سعر الصرف أو إجراءات مالية مؤقتة، بل تتطلب مراجعة هيكل الإنفاق العام، ومكافحة الهدر والفساد، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ودعم الإنتاج المحلي، مع اتخاذ إجراءات لحماية الفئات محدودة الدخل ومنع تحميل المواطنين الكلفة الأكبر للاختلالات المالية.

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي منار العبيدي أن خطورة الانكماش المتوقع للاقتصاد العراقي لا تقتصر على التراجع الحاد في إنتاج النفط وصادراته، بل تكمن في احتمال انتقال آثار الأزمة إلى القطاعات غير النفطية التي تعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الحكومي وحركة الطلب المحلي، فتتضرر التجارة والاستثمارات والوظائف.

وأكد العبيدي، لـ"العربي الجديد"، أن زيادة اعتماد الحكومة على الاقتراض الداخلي قد تؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على التمويل، نتيجة توجه المصارف إلى توظيف جانب أكبر من سيولتها في تمويل الدين الحكومي، ما يحد من قدرة الشركات على التوسع والاستثمار وتوفير فرص عمل جديدة.

وحذر العبيدي من أن استمرار تراجع احتياطيات النقد الأجنبي قد يقلص قدرة البنك المركزي على مواجهة الصدمات الخارجية وتلبية الطلب على الدولار، في ظل انخفاض التدفقات النفطية واعتماد العراق الكبير على الاستيراد، ما يزيد الضغوط على الاستقرار النقدي والأسعار. وأشار إلى أن تداعيات الانكماش قد تظهر تدريجياً في الأسواق من خلال ضعف الطلب على السلع والخدمات وتباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع دخول العاملين في القطاعات المرتبطة بالمشاريع والاستثمارات.