العربي الجديد
تقترب القوى السياسية في العراق من حسم ملف الحقائب الوزارية الشاغرة، وعددها تسع في حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، بالتزامن مع تحركات لاستحداث وزارات جديدة وشطر أخرى، فضلاً عن التفاوض على مناصب نواب رئيس الوزراء وتوسيع دائرة مستشاري رئيس الوزراء، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية متزايدة تضع الإنفاق الحكومي وترشيد النفقات أمام اختبار صعب، وسط تحذيرات من الترهل وضريبته. ووفقاً لمصدر سياسي مطلع، فإن "الأحزاب والقوى المشاركة في الحكومة اقتربت من حسم توزيع الوزارات الشاغرة، من دون أن تضع في حسبانها الكلف المالية المترتبة على هذه الوزارات"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "تلك الأحزاب تتجاهل في الوقت ذاته الدعوات المتزايدة إلى تقليص أعداد المستشارين والمناصب العليا ومراجعة الامتيازات الحكومية".
ويضيف أن "كل طرف سياسي منشغل بتحقيق مكاسبه وضمان حصته في الحكومة، خاصة أطراف الإطار التنسيقي التي لها الحصة الأعلى من الوزارات، كما أن التفاهمات تتجه نحو إضافة مناصب جديدة بدلاً من تقليص الهيكل الإداري للدولة، منها وزارات جديدة ومناصب نواب رئيس الوزراء ومستشارين له"، مشيراً إلى أن "الزيدي واجه صعوبة في الاعتراض على مطالب تلك القوى التي أسهمت في تشكيل حكومته، وقد قبل بمطالبها". ويؤشر هذا المسار، بحسب المصدر، إلى "أولوية التوافقات الحزبية في المفاوضات الجارية، رغم أن البلاد تحتاج إلى إجراءات مالية وإدارية تحد من النفقات وتوجّه الموارد نحو الخدمات والقطاعات المنتجة، بدلاً من تحميل الموازنة أعباء إضافية طويلة الأمد".
دعوات لتقليص المستشارين والامتيازات
يجري ذلك على الرغم من دعوات أطلقها سياسيون لتقليص المناصب الحكومية تماشياً مع الأزمة المالية. وفي هذا السياق، دعا عضو مجلس النواب أحمد الشمري حكومة الزيدي إلى إجراء مراجعة شاملة وعاجلة لأعداد المستشارين لدى المسؤولين كافة، وتقليصها إلى الحدود المعقولة، مؤكداً أن "خفض الإنفاق الحكومي يجب أن يقع في مقدمة الخطوات الفعلية لمواجهة الأزمة المالية الراهنة التي تمر بها البلاد".
وقال الشمري، في تصريح صحافي، إن "تقليص أعداد المستشارين لدى كافة المسؤولين الحكوميين في رئاسات الجمهورية والوزراء والوزارات والدوائر الأخرى بات ضرورة حتمية، ويجب أن يقتصر وجودهم على ما يتناسب مع الحاجة الفنية والفعلية فقط، لإنهاء ظاهرة البطالة المقنّعة في هرم السلطة". وأضاف أن "حزمة الإصلاحات المالية يجب أن تتضمن تخفيضاً حقيقياً لرواتب ومخصصات أصحاب الدرجات الخاصة، وإعادة نظر جادة في ملف مزدوجي الرواتب، سواء كانت مشرّعة بقانون أو خلاف ذلك"، مشدداً في الوقت ذاته على "أهمية تحجيم وتقنين الإيفادات الحكومية الخارجية والداخلية التي تستهلك مبالغ طائلة من الموازنة العامة".
مكاسب سياسية رغم الكلف المتراكمة
من جهته، رأى عضو الحزب الشيوعي العراقي أحمد المياحي أن "التوجه نحو استحداث وزارات وشطر أخرى وتوسيع المناصب العليا يعيد إنتاج المحاصصة بصيغ إدارية جديدة، ويضعف قدرة الحكومة على تقديم نفسها بوصفها جهة تسعى إلى الإصلاح وتقليص الهدر". وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد" أن "المشكلة لا تقتصر على الرواتب والمخصصات التي يحصل عليها شاغلو المناصب الجديدة، بل تمتد إلى شبكة عميقة من الوكلاء والمستشارين والمساعدين والمكاتب الإدارية وما يرتبط بها من نفقات تشغيلية وامتيازات قد تستمر حتى بعد انتهاء المسؤوليات الوظيفية، بحسب الأطر القانونية المعمول بها".
وشدد على أن "المواطن العراقي يواجه تداعيات الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرته الشرائية، في حين تنشغل القوى السياسية بتوسيع حصصها داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يثير تساؤلات عن عدالة توزيع الأعباء بين المجتمع والطبقة السياسية"، معتبراً أن "الإصلاح لا يعني رفض استحداث أي وزارة جديدة من حيث المبدأ، لكنه يتطلب إثبات الحاجة الفعلية إليها، وتحديد صلاحياتها ومؤشرات أدائها، بدلاً من اتخاذ التوسع الإداري وسيلة لتسوية الخلافات السياسية، وهذا ما يجب أن تعمل به القوى والأحزاب السياسية".
وكان مجلس النواب قد منح، في 15 أيار/مايو الماضي، الثقة لـ14 وزارة من أصل 23 في حكومة الزيدي، مع إرجاء التصويت على تسع حقائب بسبب الخلافات بشأن المرشحين. ومع استمرار المفاوضات، برزت مقترحات لاستحداث وزارات للسياحة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب خلافات بشأن مناصب نواب رئيس الوزراء. ويضع هذا التوسع الحكومة أمام معادلة صعبة بين متطلبات التوافق السياسي والحاجة إلى ضبط الإنفاق، خصوصاً أن إنشاء المناصب لا يقتصر على كلفتها المباشرة، بل قد يوسّع الجهاز الإداري ويزيد النفقات المتكررة. وفي ظل الضغوط المالية، يبقى التحدي أمام حكومة الزيدي في إثبات أن توزيع الحقائب والمناصب يخدم متطلبات الإدارة العامة، لا مصالح القوى المشاركة فيها، وأن إجراءات ضبط الإنفاق ستشمل امتيازات المسؤولين ومؤسسات الدولة، بدلاً من أن تتركز أعباؤها على المواطنين.