أطلق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، حراكاً سياسياً وأمنياً واسع النطاق بإعلانه الحاسم عن حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود خمسة فصائل مسلحة من أصل سبعة خلال أقل من خمسة أشهر، مع تواصل الحوارات لاستكمال الملف مع الفصيلين المتبقيين قبل حلول مهلة حزيران/يونيو 2027، فيما تقول مصادر لـ"إرم نيوز" أن الملف بالفعل يتم العمل عليه لكن مسألة إنهاء سلاح الفصائل ليس بتلك السهولة التي يروج لها مسؤولو الصف الأول في الحكومة وهو ما يظهر جلياً على أرض الواقع.
وأكد الزيدي في لقائه التلفزيوني مع القناة الرسمية العراقية الجمعة 23 أكتوبر 2026 أن حكومته تتعامل بجدية مطلقة لإلغاء أي مبرر لحمل السلاح خارج الأطر الرسمية بعد استكمال إجلاء القوات الأجنبية، مشدداً على أن العراق نجح في تجنيب البلاد عزلة دولية وحصاراً كانا وشيكين من خلال إرسال رسائل عملية تؤكد أن بغداد "دولة لديها فصائل، وليس فصائل لديها دولة".
في مقابل هذا التفاؤل الحكومي يشوب تشكيك وسجال سياسي حاد في الداخل؛ فمثلاً، وجه رئيس تحالف العمق الوطني، خالد الأسدي، انتقادات لاذعة لرئيس الحكومة على خلفية توجيهه نوابه والوزراء الجدد بتأدية "قسم الشرف" داخل مجلس الوزراء عقب يوم واحد فقط من أدائهم اليمين الدستورية أمام البرلمان.
واعتبر الأسدي في حوار مع قناة "زاغروس" العراقية هذا الإجراء خطوة غير دستورية تعكس شكوكاً مسبقة لدى الزيدي بنزاهة كابينته الوزارية وولائها، مستشهداً بالمثل الشعبي العراقي "من يكثر حلفانه يتمولس"، ومحذراً من أن اللجوء إلى قسم إضافي لإزالة الشكوك قد يترك انعكاسات نفسية وسياسية غير مريحة داخل الحكومة ويظهرها بمظهر غير الواثقة من نفسها، حتى وإن أراح بعض الشرائح إعلامياً.
المناصب مقابل إخفاء السلاج
في خضم هذا السجال، تطرح أوساط سياسية تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأثامين الحكومية المترتبة على تفاهمات حصر السلاح، وما إذا كانت بغداد قد بدأت بالفعل تفكيك الفصائل بدمج قياداتها في السلطة، أم أنها منحتها مواقع جديدة ومكتسبات تنفيذية دون الحصول على ضمانات أمنية حقيقية.
وكشفت مصادر عراقية لـ"إرم نيوز" أن التشكيلة الحكومية التي شهدت استحداث مناصب رفيعة بصفة "نائب رئيس مجلس الوزراء" وإسناد حقائب وزارية ودرجات خاصة لشخصيات محسوبة على فصائل مسلحة، وفي مقدمتها تعيين ليث الخزعلي نائباً لرئيس الوزراء، إلى جانب تمثيل فصائل أخرى، جاءت على خلفية استرضائها كعملية حل وسط أو مناسب يرضي الطلب الأمريكي منذ أشهر بإنهاء هذه الفصائل من جهة، وبين سطوة هذه الفصائل على مفاصل هامة في السياسة والاقتصاد والسلاح العراقي".
كما أشارت المصادر إلى أن انتظار وعدم حسم الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية يؤثر بشكل مباشر ووثيق على عدم حسم ملف هذه الفصائل المحسوبة على النفوذ الإيراني بشكل مباشر.
وأفادت المصادر لـ"إرم نيوز"، بأن الإدارة الأمريكية غضت الطرف عن هذه التعيينات - رغم إدراج ليث الخزعلي سابقاً ضمن قائمة العقوبات الأمريكية عام 2019 - استناداً إلى رؤية استراتيجية براغماتية تهدف إلى تعزيز الاستقرار السياسي.
تعتمد هذه السياسة على التعامل مع المناصب والامتيازات التنفيذية كـ"مكافأة سياسية" و"طُعم" يغري الفصائل بإخفاء السلاح والتحول التام نحو العمل المؤسسي والتنافس الانتخابي، حيث تسعى حركة "صادقون"، الجناح السياسي للعصائب، للوصول إلى رئاسة الحكومة في الاستحقاقات المقبلة عبر الدفع بكفاءاتها. غير أن هذا المسار لا يزال يواجه تحكّماً وتحفظاً من فصائل أخرى كـ"كتائب حزب الله" و"النجباء"، والتي لم تصل إلى اتفاقات نهائية بشأن المهلة الزمنية المحددة.
وعلى الرغم من تحريك السلطات العراقية لشكاوى جزائية استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب ضد معرقلات حصر السلاح، تشير القراءات إلى أن الفصائل تمتلك منافذ تمويلية وكيانات اقتصادية متنوعة تستند إلى موازنة هيئة الحشد الشعبي ومشاريع مقاولات تجعلها قادرة على المناورة والالتفاف على الضغوط المالية والعقوبات الدولية المفروضة على الحرس الثوري الإيراني.
قراءة عسكرية تجزم بعدم واقعية التفكيك الذاتي
وفي تصريح لـ"إرم نيوز"، قدم الخبير العسكري واللواء المتقاعد ربيع الجواري رؤية أمنية وميدانية تجزم بعدم واقعية التصريحات الحكومية الخاصة بإنهاء الفصائل المسلحة، وأكد أن رئيس الوزراء لا يمتلك السلطة التنفيذية الميدانية الحقيقية لفرض قرار التفكيك، مشيراً إلى أن القرار السيادي والأمني في البلاد يخضع كلياً لإملاءات وقرارات قادة الأحزاب المنضوية تحت مظلة "الإطار التنسيقي"، والذين يمسكون بزمام التوجيه والتأثير المباشر على مسار الدولة.
وأوضح الجواري في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن المحاصصة الحزبية وضغوط القوى السياسية تجلّت في فرض شخصيات تفتقر إلى أدنى الخبرات والمهارات العسكرية والأمنية المتخصصة في مناصب سيادية وحساسة كوزارة الداخلية، متجاوزة آلاف الضباط الأكفاء والمهنيين في أجهزة الجيش والشرطة، ما يعكس عمق تغلغل تلك القوى في مفاصل المؤسسة الأمنية.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، جزم الخبير العسكري في تصريحه بعدم قدرة أية جهة أو حكومة محلية بمفردها على نزع سلاح الفصائل أو إنهاء نفوذها الممتد داخل مفاصل القرار العراقي، مؤكداً أن الفصائل باتت تسير الدولة وتتحكم بمخرجاتها.
ورأى الجواري أن الجهة الوحيدة القادرة على حسم هذا الملف وتفكيك هذه البنية هي الولايات المتحدة الأمريكية عبر تدخل حازم وهيكلة شاملة على غرار المحطات التاريخية المفصلية في تاريخ العراق الحديث، نظراً لأن الواقع الميداني الحالي يجعل من خيار التفكيك التلقائي أمراً غير معقول.
بين رهان المأسسة وسيادة القانون
وتضع هذه المعطيات المتضاربة المشهد العراقي أمام خيارات حاسمة؛ فبينما تراهن الحكومة الاتحادية على سياسة الإدماج والمكاسب التنفيذية لسحب ذريعة السلاح وتحويل القيادات المسلحة إلى رجال دولة تحت مظلة القانون، تشير الرؤى العسكرية والاستراتيجية إلى أن استبدال السلاح بالمناصب السيادية دون تفكيك علني يضمن تسليمه رسمياً، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى شرعنة سلاح الفصائل ومأسسة نفوذها من داخل السلطة التنفيذية.