إرم نيوز
كشفت معلومات سياسية وأمنية عن أن الخلاف الذي دفع مفاوضات الحكومة العراقية مع الفصائل المسلحة إلى طريق شبه مسدود لم ينشأ بسبب رفض تسليم السلاح وحده، وإنما نتيجة صراع على اتفاق مكتوب يتضمن شروطاً سياسية وأمنية واقتصادية، رفض رئيس الوزراء علي الزيدي الالتزام بها، بعدما توصلت إليها لجنة رباعية تابعة للإطار التنسيقي مع قيادات الفصائل.
وبحسب المعطيات، فإن الزيدي قرر سحب الملف من اللجنة التي تضم هادي العامري ونوري المالكي ومحمد شياع السوداني وهمام حمودي، وتولي المفاوضات مباشرة، بعدما اعتبر أن التفاهمات السابقة تمنح الفصائل نفوذاً داخل مؤسسات الدولة دون ضمانات كافية لإنهاء استقلاليتها العسكرية.
وتقول مصادر مطلعة على مسار الأزمة إن هذه الخطوة فجّرت اعتراضات داخل كتائب حزب الله وحركة النجباء، وأثارت تحفظات لدى أطراف في الإطار التنسيقي، وسط محاولات سياسية لاحتواء الخلاف ومنع انتقاله إلى مواجهة أمنية.
الورقة التي فجّرت الأزمة
تعود جذور الخلاف إلى تفاهمات مكتوبة توصلت إليها اللجنة الرباعية مع الفصائل، تضمنت شروطاً لتجميد النشاط العسكري أو نقل السلاح إلى سلطة الدولة، مقابل ترتيبات تضمن استمرار حضور هذه الجماعات داخل النظام السياسي والمؤسسات الحكومية.
وتشير المعلومات إلى أن المطالب شملت مواقع متقدمة في جهاز المخابرات الوطني والأمن الوطني، والمنافذ الحدودية، وهيئات الاستثمار، إلى جانب مناصب إدارية واقتصادية.
وتحدثت تسريبات صحفية عن مطالبة كتائب حزب الله بخمسة مناصب لوكلاء وزارات و32 موقعاً لمديرين عامين، فضلاً عن نفوذ في مؤسسات أمنية واقتصادية.
غير أن الزيدي رفض، وفق المعطيات، تحويل ملف نزع السلاح إلى تسوية تمنح الفصائل مواقع سيادية إضافية، خصوصاً مع غياب التزامات واضحة بشأن مصير ترسانتها العسكرية. وأدى هذا الموقف إلى خلاف مع اللجنة الرباعية التي كانت تراهن على تسوية تدريجية تجنب البلاد صداماً مباشراً مع الجماعات المسلحة.
المخابرات والمنافذ في قلب الصراع
وتكشف المعلومات أن الخلاف لم يقتصر على حجم المناصب المطلوبة، بل امتد إلى طبيعة المؤسسات المستهدفة، وفي مقدمتها جهاز المخابرات الوطني الذي تولى الزيدي إدارته مباشرة، والمنافذ الحدودية التي تشكل أحد أبرز الملفات المرتبطة بالنفوذ الاقتصادي والأمني.
وتقول المعطيات إن رئيس الوزراء رفض منح الفصائل مواقع تسمح لها بالاحتفاظ بقدرتها على التأثير في القرارات الأمنية والموارد الاقتصادية، حتى بعد إعلان تجميد أنشطتها العسكرية.
كما تشير إلى إجراءات حكومية لإلغاء بعض التعاقدات والصفقات المالية المرتبطة بكتائب حزب الله، في مسار يستهدف تقليص الموارد التي يمكن استخدامها لتمويل أنشطة خارج سلطة الدولة.
وفي المقابل، تعتبر الفصائل الرافضة للتسوية أن وجودها داخل المؤسسات يمثل ضمانة سياسية وأمنية لمستقبل عناصرها، وترفض تقديم تنازلات عسكرية لا تقابلها ترتيبات ملزمة.
انقسام داخل البيت الشيعي
أضافت المفاوضات أزمة جديدة إلى الخلافات داخل الإطار التنسيقي، بعدما أبدت أطراف سياسية اعتراضها على تجاوز اللجنة الرباعية وإعادة فتح تفاهماتها السابقة.
وتزامن ذلك مع انقسام بين الفصائل نفسها، إذ أعلنت مجموعات قبولها خطوات لإخضاع تشكيلاتها المسلحة لسلطة الدولة، بينما واصلت كتائب حزب الله والنجباء وفصائل أخرى التمسك بشروطها.
وتشير المعلومات إلى أن هذا التباين أثار خلافات بشأن توزيع المواقع الحكومية المتاحة، وسط اعتراضات من جماعات ترى أن الفصائل المنخرطة في التسوية تحصل على مكاسب سياسية وإدارية على حساب الأطراف الرافضة.
كما تخشى قوى تقليدية داخل الإطار من أن يؤدي توسيع نفوذ بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة إلى تغيير موازين القوى السياسية والاقتصادية القائمة.
إيران وترسانة خارج الاتفاق
ويزيد العامل الإيراني تعقيد المفاوضات، في ظل ارتباط عدد من الفصائل العراقية بالحرس الثوري وحسابات المواجهة الإقليمية. وبحسب المعلومات الأمنية، فإن طهران تدفع باتجاه الاحتفاظ بقدرات عسكرية مستقلة لدى الفصائل، تحسباً لاحتمال اندلاع مواجهة أمريكية إسرائيلية جديدة معها، حتى لو وافقت هذه الجماعات على تجميد عملياتها العلنية.
وتتحدث تقارير أمنية عن رصد نقل أسلحة نوعية ومعدات اتصالات وموارد مالية إلى مجموعات مسلحة أصغر، بما يسمح بإبقاء جزء من القدرات العسكرية خارج ترتيبات حصر السلاح.
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام معضلة إضافية، تتعلق بمدى قدرة أي اتفاق على ضمان السيطرة الفعلية على الأسلحة، وليس الاكتفاء بإعلانات سياسية عن تجميد النشاط العسكري.
مخاوف من انفجار المواجهة
ومع تعثر المفاوضات، تكثفت الاتصالات السياسية لإعادة إحياء مسار اللجنة الرباعية أو التوصل إلى صيغة وسطية تمنع انهيار التفاهمات؛ إذ تنقل المصادر عن مسؤولين خشيتهم من أن استمرار التصعيد الإعلامي ضد الزيدي والإطار التنسيقي قد يتحول إلى تحركات في الشارع أو احتكاكات أمنية.
وتشير المعطيات إلى أن الحكومة تدرس استخدام أدوات قانونية واقتصادية للضغط على الفصائل الرافضة، بينها مراجعة العقود والموارد المالية المرتبطة بها.
من جهته، يربط المحلل السياسي العراقي محمد نعناع تعثر مفاوضات حصر السلاح بالخلاف حول المطالب التي قدمتها الفصائل للحصول على مواقع داخل مؤسسات الدولة.
يوضح أن قيادات من كتائب حزب الله نقلت مطالبها إلى شخصيات داخل الإطار التنسيقي، من دون الالتزام بالمسار التفاوضي المعتمد عبر اللجنة الرباعية، الأمر الذي وضع رئيس الوزراء علي الزيدي أمام مطالب لم يكن مطلعاً عليها مسبقاً، ودفعه إلى طلب مهلة لدراستها.
ويرى نعناع أن الفصائل لا تتعامل مع هذه المواقع باعتبارها ثمناً مباشراً للتخلي عن السلاح، وإنما بوصفها استحقاقات سيادية واتحادية تسعى من خلالها إلى تعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة.
ويربط هذه الحسابات برغبة الفصائل في تحصين مواقعها السياسية والإدارية استعداداً لتحديات المرحلة المقبلة، في ظل التحولات والضغوط الإقليمية والدولية والداخلية التي تواجهها.
وفي المحصلة، يبدو أن الخلاف لم يعد متعلقاً بموعد تسليم السلاح وحده، بل بطبيعة الدولة التي ستنشأ بعد التسوية؛ هل هي دولة تحتكر القرار الأمني والاقتصادي، أم نظام يسمح للفصائل بالاحتفاظ بنفوذ مؤسساتي وقدرات عسكرية مستقلة تحت مسميات جديدة؟