الصفحة الأولى
الزيدي يواجه 67 تظاهرة جماهيرية في أقل من شهر على عمر حكومته الفلاحون وذوو المهن الطبية إلى الشارع مجدداً واحتجاجات غاضبة من البصرة إلى الموصل
بغداد – طريق الشعب
خرجت في اليومين الماضيين احتجاجات في مختلف المحافظات، رفعت مطالب تتعلق بالعيش الكريم وتوفير الخدمات وإيجاد فرص العمل.
وواجهت الحكومة الجديدة منذ تنصيبها 67 تظاهرة احتجاجية، كان ابرزها احتجاجات الفلاحين والخريجين القدامى وإضراب الأطباء الدوريين. فيما قمعت القوات الأمنية بالرصاص الحي والطائرات المروحية احتجاجات مواطني واسط الذين طالبوا بحقوق مشروعة.
وعقد في الفترة ذاتها مؤتمران واسعان للحراك الاحتجاجي في محافظتي بابل وواسط، حيث ركزت هذه المؤتمرات على توحيد مطالبات المحتجين ودعم الفعاليات المطلبية المختلفة والبحث في إمكانية تصعيد الحركة الاحتجاجية وتحويل مطالبها الى شعارات سياسية، تطالب بتغيير منظومة المحاصصة والفساد.
الحكومة ستواجه الغضب
ويجمع فريق قسم الأخبار في "طريق الشعب"، على ان "هذه الحركة الاحتجاجية دليل على فشل منظومة الحكم المدعومة من قوى المحاصصة الفاسدة في تلبية مطالب المواطنين، وان جميع الإجراءات التي تتخذها الحكومات المتعاقبة شكلية، ولا تعالج جوهر المشكلة المتعلقة بطبيعة نهج الحكم القائمة على المحاصصة والفساد وتبادل المنفعة عبر الاتفاقات بين القوى المختلفة لتوزيع المغانم".
ويتحدث الفريق عن ان "سياسات منظومة نتج عنها تكوين اقلية منتفعة من المال العام مقابل أغلبية كبيرة تعاني من عدم توفر أبسط الحقوق، وهي من تخرج الى الشوارع بشكل يومي للمطالبة بها، ومن الطبيعي ان تتحول الى فعل سياسي ينادي بالتغيير في حال استمرار الاوضاع الحالية"، مؤكدين أن "الاستمرار في النهج الفاشل قد يدفع المواطنين الى الغضب، وبالتالي النزول الى الشارع بقوة، وحينها ستواجه السلطة غضب الجماهير المكتوية بنار السياسات الفاشلة".
ويحذر فريق التحرير في "طريق الشعب" من التعامل بقسوة مع هذه المطالب مثلما حدث في محافظة واسط، وذكروا ان القوى الحاكمة المتشبثة بالسلطة قد تواجه المطالب الغاضبة بالقوة اذا ما جرى المس بموقعها في السلطة، مثلما حدث في مختلف الفعاليات الاحتجاجية.
تظاهرة جديدة للفلاحين
وشهدت ساحة التحرير، يوم أمس، تظاهرة كبيرة للفلاحين الذين قدموا من مختلف المحافظات، وذلك بعد فشل المسؤولين في الاستجابة لمطالبهم المشروعة، وشهدت التظاهرة إغلاق جسر الجمهورية، وذلك لمنع المحتجين من التوجه الى المنطقة الخضراء.
وشارك في التظاهرة قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، حيث جرى رفع شعارات تطالب بالاستجابة لمطالب المتظاهرين الذين عبّر عدد منهم لمراسل "طريق الشعب" عن اعتزازهم بمشاركة الشيوعيين في احتجاجاتهم، التي تطالب برفع أسعار المحاصيل الزراعية ودعم الزراعة وتوفير مياه السقي والاسمدة وغيرها من المطالب.
وقال الفلاح شيفان جباري، إن "أبرز مطلب في هذه التظاهرة هو رفع سعر استلام محصول الحنطة من 700 ألف دينار إلى 850 ألف دينار عراقي للطن الواحد، اذ تراجعت الحكومة عن قراراها السابق بهذا السعر"، وحذر من تداعيات خفض الأسعار وتأثير ذلك على القطاع الزراعي المحلي.
وتحدث الفلاحون عن نيتهم تدشين اعتصام مفتوح حتى تتحقق مطالبهم المشروعة، منتقدين السياسات الحكومية التي تطلق الوعود بدون أي تنفيذ.
كما شهدت محافظة كركوك تظاهرة للفلاحين، شارك فيها تنسيقية كركوك للتيار الديمقراطي. وطالبت التظاهرة بتنفيذ القرارات المتعلقة بدعم الزراعة في المحافظة.
ذوو المهن الطبية يحتجون مجدداً
كما ساند عدد من الشيوعيين التظاهرة الجديدة لذوي المهن الطبية المطالبين بتوفير فرص العمل؛ حيث احتشد المئات منهم امام وزارة المالية صباح يوم امس، ثم توجهوا الى وزارة الصحة مطالبين بتطبيق قانون التعيين المركزي، وبتوضيح ملابسات عدم توفير فرص العمل لهم برغم وجود نقص في الكوادر الطبية في المستشفيات.
وقال عدد من المتظاهرين لمراسل "طريق الشعب"، انهم يطالبون بتوفير فرص عمل في المستشفيات الحكومية حيث بذلوا جهوداً كبيرة في الدراسة والتعلم، منتقدين إجراءات استقدام أطباء وذوي مهن طبية من خارج البلاد، بينما يركن الخريجون العراقيون في خانة البطالة.
وقال اخرون ان المتنفذين اغرقوا هذه المهنة بالخريجين بعد ان سمحوا للكليات الاهلية التابعة لهم بقبول الطلبة في التخصصات الطبية، دون خطة واقعية تلامس الحاجة الفعلية للسوق.
احتجاجات ليلية في النجف
وشهدت محافظة النجف، تظاهرة شعبية مسائية، جرى فيها قطع الطريق، رافعين مطالب خدمية وتنموية.
وقال مراسل "طريق الشعب"، ان "المتظاهرين رفعوا جملة من المطالب أبرزها الكشف عن مصير المشاريع المتلكئة والمتوقفة التي لم تناقش خلال الجلسات الأخيرة في مجلس المحافظة، مع الدعوة إلى وضع جدول زمني واضح لإكمالها". كما طالب المحتجون بالإسراع في استكمال الإجراءات الخاصة بتوزيع قطع الأرض على شرائح مختلفة.
ومنح المحتجون الحكومة المحلية مهلة محددة لإظهار خطوات تنفيذية واضحة وملموسة بشأنها، مؤكدين أنهم سيلجؤون إلى الوسائل القانونية والدستورية للدفاع عن حقوقهم في حال عدم الاستجابة لهم، بما في ذلك التظاهر السلمي والاحتجاج المفتوح والتصعيد الاحتجاجي.
الديوانية والمثنى
وفي محافظتي الديوانية والمثنى خرجت تظاهرات تطالب بتوفير أراض سكنية والطاقة الكهربائية، حيث نظم العشرات من موظفي معمل النسيج في محافظة الديوانية تظاهرة احتجاجية لعدم شمولهم بتوزيع الاراضي السكنية.
وقطع المحتجون تقاطعا رئيسيا يربط عددا من المحافظات، وذلك للضغط على الحكومة المحلية من اجل الاستجابة لمطالبهم.
وفي المثنى، نظم مواطنون في قضاء النجمي، وقفة احتجاجية، للمطالبة بتحسين واقع الطاقة الكهربائية في مناطقهم.
وبين المحتجون ان مطالبهم تتركز على تطبيق نظام تشغيل عادل بين جميع المناطق، مؤكدين وجود تفاوت في ساعات التجهيز يؤثر على المواطنين في المناطق المحرومة.
تظاهرات واسعة في البصرة
كما شهدت محافظة البصرة خروج 6 احتجاجات متنوعة خلال اليومين الماضيين، تلخصت مطالبها بصرف الرواتب وتوفير فرص عمل وزيادة ساعات تجهيز الطاقة الكهربائية.
ونظم عدد من العاملين بصفة عقود في شركة تعز للحمايات الأمنية، وقفة احتجاجية امام مبنى الشركة للمطالبة بصرف الرواتب. وقال المحتجون انهم "يعملون في الشركة منذ 13 عاما وبعد ان تم ارساء العقود على شركة الواحة لم يتم تسليم الرواتب للعاملين حتى الان، وذلك بحجة عدم وصول العقود من مقر الشركة في دبي".
كما نظم عدد من خريجي معهد الموانئ وقفة احتجاجية أمام وزارة النقل في بغداد، مطالبين بتعيينهم بعد تخرجهم منذ أكثر من 5 سنوات، حيث يبلغ عددهم أكثر من 350 خريجا.
وطالب المحتجون وزير النقل بإنصافهم والنظر بمعاناتهم باعتبارهم من الشرائح المهمشة، حسب تعبيرهم.
وفي وقفة احتجاجية أخرى، ندد المتعاقدون ضمن الـ13 الف درجة وظيفية، بـ "عدم إكمال قواعد البيانات الخاصة بهم منذ 11 شهرا، الامر الذي تسبب بعدم تمويل رواتبهم من قبل وزارة المالية، وهذا ما دفعهم الى تجديد مطالبهم بإنجاز معاملاتهم وتوظيفهم".
وقال احد المتظاهرين محمد العنزي خلال الوقفة، أن "هناك تجربة سابقة في عدم إكمال قواعد البيانات لأقرانهم في عقود الأمن الغذائي تسببت بعدم تمويل رواتبهم"، وأشار الى ان "القائمين على هذا الملف في ديوان محافظة البصرة يتحملون المسؤولية لعدم إكمال الجداول"، مؤكدين أن "الإجراءات الإدارية السابقة لهذا الملف كانت لامتصاص ضغط الشارع بدون فائدة ولكسب الوقت".
وفي مشهد احتجاجي آخر، شهدت المحافظة وقفة احتجاجية لمتعهدي نقل الطحين لصالح وزارة التجارة بصرف المستحقات المالية الخاصة بهم.
وقال المتعهدون خلال التظاهرة التي نظمت أمام مبنى شركة تصنيع الحبوب في المحافظة إن هذه المشكلة أثقلت كاهلهم.
وطالب المحتجون برفع أجور النقل والتفريغ بسبب زيادة الأسعار والتكلفة، مشيرين الى ان "عددهم يصل إلى 11 ناقلا ونحو 60 سيارة"، منوهين إلى أن مستحقاتهم تبلغ 300 مليون. ولوّحوا بإجراءات تصعيدية في حال عدم الاستجابة لمطلبهم.
فيما طالب أهالي ناحية الشافي، في مؤتمر صحفي، باستثناء مناطقهم من القطع المبرمج، وهددوا بتظاهرات حاشدة في حال استمر انقطاع التيار الكهربائي.
وخرج أهالي منطقة الكطعة في ناحية السيبة، في تظاهرة حاشدة، مطالبين بتوفير فرص العمل.
وطالب المتظاهرون شركة كويت إنيرجي النفطية العاملة في الناحية بضرورة توفير فرص عمل، مؤكدين أحقيتهم في الحصول على الأولوية بالتعيين والتشغيل في المشاريع النفطية القريبة منهم.
وابدى المحتجون تذمرا من البطالة وشح فرص العمل في المناطق التي تحتضن الحقول والمنشآت النفطية، داعين الجهات المعنية في الحكومة المحلية، وفي الشركة إلى وضع حلول عاجلة وجدية لمطالبهم.
قلعة صالح: أين الكهرباء؟
وقطع أهالي قرى جنوب قلعة صالح، الطريق الرابط بين منطقة عزير – القلعة، احتجاجا على نقص تجهيز مناطقهم بالتيار الكهربائي.
وقال المحتجون، إن "النقص في الطاقة الكهربائية دفعهم للخروج في هذه التظاهرة، حيث تستمر الانقطاعات لأكثر من 10 ساعات يومياً، ما أثر على معيشتهم، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة".
نينوى
وفي مدينة الموصل، خرج عدد من سكان قرية النبي يونس في وقفة احتجاجية، مطالبين بإيجاد حلول لمنازلهم الواقعة ضمن محيط الموقع الأثري، مؤكدين أن منع أعمال البناء والترميم، أدى إلى تضرر عدد من الدور وتهديد سلامة قاطنيها.
وقال المحتجون انهم "يعانون منذ سنوات من عدم السماح لهم بإعادة إعمار أو ترميم منازلهم الواقعة ضمن محيط الموقع الأثري، رغم امتلاكهم سندات طابو رسمية تثبت ملكيتهم للعقارات".
وأكد المحتجون تعرض منازلهم الى أضرار كبيرة، وباتت آيلة للسقوط، وانهارت أجزاء منها بسبب تقادمها. وفي ظل عدم قدرة أصحابها على إجراء أعمال صيانة أو ترميم لها، باتت تهدد حياتهم.
وطالب المشاركون الجهات المعنية وفي مقدمتها دائرة الآثار والتراث ووزارة الثقافة والحكومة الاتحادية، بـ"إيجاد معالجة عاجلة للملف من خلال استملاك العقارات وتعويض أصحابها تعويضاً عادلاً، أو السماح لهم بإعادة إعمار منازلهم وترميمها بما يضمن سلامتهم وحقهم في السكن الكريم".
إضراب أطباء كركوك الأنبار
ونظم أطباء في محافظتي كركوك والانبار وقفتين احتجاجيتين، للتضامن مع الأطباء المقيمين، مطالبين بتثبيتهم وظيفياً وصرف مستحقاتهم المالية، والتنديد بتأخر صرف مستحقاتهم المالية ورواتبهم الشهرية لأكثر من خمسة أشهر متواصلة.
وذكر أطباء كركوك أن وقفتهم الاحتجاجية هي الثالثة من نوعها، للمطالبة بتثبيتهم وظيفياً وصرف مستحقاتهم المالية.
وذكر الطبيب محمد فاتح حسيب، أن "الوقفة جاءت ليس رغبة في التعطيل أو الاحتجاج بحد ذاته، وإنما انطلاقاً من المسؤولية المهنية والخشية على مستقبل النظام الصحي في العراق"، مبيناً أن "الإضراب عن العيادات والدوام جاء مع الالتزام الكامل باستمرار تقديم الخدمات للحالات الطارئة والإنقاذية".
كما نظم عدد من الأطباء والكوادر الطبية في محافظة الأنبار، وقفة احتجاجية أمام مبنى نقابة الأطباء في مدينة الرمادي. وتأتي الوقفة للتنديد بتأخر صرف مستحقاتهم المالية ورواتبهم الشهرية لأكثر من خمسة أشهر متواصلة، بحسب الطبيب احمد عبد الله.
وطالب المشاركون في الوقفة الجهات المعنية بـ"الإسراع في إطلاق الرواتب وتثبيتهم على الملاك الدائم".
وذكروا انهم يعملون في ظروف صعبة جداً، ورغم ذلك لم تسلموا رواتبهم منذ أكثر من 5 أشهر.
************************************
الصفحة الثانية
التضخم يرتفع في العراق!
بغداد ـ طريق الشعب
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، امس الاثنين، أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بلغ 112.5 نقطة خلال شهر نيسان 2026.
وبحسب البيانات، فقد ارتفع المؤشر مقارنة بشهر آذار 2026 الذي سجل 110.6 نقطة، مسجلاً زيادة نسبتها 1.7%، وهو ما يعكس معدل التضخم الشهري خلال الفترة المذكورة.
كما بينت الإحصاءات ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك على أساس سنوي، إذ كان قد بلغ 107.9 نقطة في نيسان 2025، ليسجل بذلك معدل تضخم سنوي بنسبة 4.3%.
وتشير هذه المؤشرات إلى استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصاد العراقي، مع تسجيل ارتفاع متواصل في مستويات الأسعار على الصعيدين الشهري والسنوي خلال نيسان 2026.
**********************************
أزمة الـ 25 تريليون دينار تتفاعل.. بين البنك المركزي والخبراء شكوك اقتصادية تحيط بآلية خصم حوالات الخزينة
بغداد ـ طريق الشعب
أثار التوضيح الأخير الصادر عن البنك المركزي العراقي بشأن ما يُتداول حول طباعة العملة وتمويل النفقات العامة، موجة من النقاشات الاقتصادية، بعدما قدم البنك شرحاً فنياً للفارق بين خصم حوالات الخزينة وطباعة العملة، في وقت رأى فيه عدد من الخبراء أن البيان لم يتناول جوانب أساسية تتعلق بالواقع النقدي والمالي وآثار هذه الإجراءات على الاقتصاد.
وكان البنك المركزي العراقي قد أصدر توضيحاً عقب تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين التي تحدث فيها عن طباعة 25 تريليون دينار لمواجهة الأزمة المالية وتأمين الرواتب، مؤكداً وجود فرق جوهري بين خصم حوالات الخزينة وطباعة العملة.
توفير السيولة المالية
وأوضح البنك أن خصم الحوالات يمثل توفير سيولة مالية مؤقتة مقابل أداة دين حكومية قائمة تُسترد عند الاستحقاق، وهي آلية مالية متعارف عليها دولياً وتستخدمها البنوك المركزية الكبرى مع الالتزام الصارم بمواعيد الاستحقاق. وفي المقابل، أكد أن طباعة العملة تعني إصدار نقود جديدة بلا مقابل تُضخ مباشرة في الاقتصاد، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم مباشر وتآكل قيمة العملة، فضلاً عن كونها تمثل عبئاً نقدياً دائماً، وهو ما يحظره قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004.
وشدد البنك المركزي على أن دوره الأساسي يتمثل في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار النقدي واستقرار الأسعار وسلامة النظام المالي، وليس أن يكون قناة دائمة لتمويل النفقات العامة، مؤكداً أن استخدام الأدوات المالية والنقدية في الظروف الاستثنائية يتم بصورة منضبطة وبما يتوافق مع متطلبات الاقتصاد الوطني، مع الحرص على عدم تحويل الضغوط المالية إلى توسع نقدي دائم أو ضغوط تضخمية تؤثر على القوة الشرائية للمواطنين.
كما أشار إلى أن جميع العمليات النقدية تخضع لضوابط دقيقة وصارمة في إطار القانون، وأن آثارها تُقيَّم بصورة مستمرة لضمان عدم تعارضها مع أهداف السياسة النقدية المرسومة.
واقع التمويل الحكومي
في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن بيان البنك المركزي كان صحيحاً جزئياً من الناحية الفنية، لكنه أغفل الحديث عن واقع التمويل الحكومي المستمر عبر الحوالات المخصومة، معتبراً أن البيان ركز على شرح الفارق الفني بين خصم الحوالات وطباعة العملة دون التطرق إلى حجم الاعتماد الحكومي على هذه الأداة خلال السنوات الماضية.
وأوضح الهاشمي أن اعتماد الحكومة على التمويل من خلال الحوالات المخصومة لم يكن إجراءً مؤقتاً كما يطرح البنك المركزي، بل أصبح مستمراً لسنوات ويشكل نحو 50% من إجمالي الدين العام الداخلي. وأضاف أن حجم الحوالات المخصومة بقي عند مستوى يقارب 43 تريليون دينار خلال المدة الممتدة من عام 2020 وحتى عام 2025 دون أن يتم تسديده بالكامل.
وأشار إلى أن السبب المحتمل لاستمرار هذا المستوى من الدين يتمثل في ما وصفه بـ"تدوير الدين"، من خلال إصدار حوالات جديدة لتسديد الحوالات المستحقة، معتبراً أن هذا الجانب لم يرد في توضيح البنك المركزي رغم أهميته في تقييم طبيعة التمويل القائم.
وبيّن الهاشمي أن استمرار تدوير الحوالات يجعل البنك المركزي قناة تمويل مستمرة للحكومة وليس ممولاً مؤقتاً في الظروف الاستثنائية فقط، ما يعني عملياً تحول الحوالات إلى أداة تمويل شبه دائم لعجز المالية العامة.
وأكد أن هذا الواقع يشير إلى توسع دور البنك المركزي في تمويل المالية العامة وحمل الدين الحكومي الداخلي، محذراً من أن استمرار بقاء حوالات الخزينة المخصومة بهذا الحجم قد ينعكس سلباً على استقلالية البنك المركزي ويحمّله كلفة إخفاقات السياسة المالية.
وأضاف أن مثل هذا الوضع قد يؤدي إلى إضعاف مصداقية البنك المركزي داخلياً وخارجياً، فضلاً عن جعل مهمة الحفاظ على قيمة الدينار أكثر صعوبة خلال فترات انخفاض الإيرادات النفطية أو تراجع أسعار النفط العالمية.
نشر البيانات التفصيلية
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي منار العبيدي أن التوضيح الصادر عن البنك المركزي يفتقر إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات الجوهرية المرتبطة بالواقع النقدي والاقتصادي، مطالباً البنك بنشر بيانات تفصيلية تتعلق بمحفظة حوالات الخزينة وتأثيرها على القاعدة النقدية.
وقال العبيدي إنه يتفق مع التمييز الفني بين خصم حوالات الخزينة وطباعة العملة، إلا أن النقاش الأهم يجب أن يتركز على الآثار النقدية المترتبة على هذه الأدوات، متسائلاً عما إذا كان خصم الحوالات لدى البنك المركزي يؤدي عملياً إلى خلق قاعدة نقدية جديدة وما يترتب على ذلك من تأثيرات على الكتلة النقدية.
وأضاف أن استرداد حوالات الخزينة عند حلول موعد استحقاقها يفترض أن يتم من خلال إيرادات حقيقية، متسائلاً عما إذا كانت الحوالات المستحقة تُسدد من تدفقات مالية فعلية أم يجري تدويرها من خلال إصدار حوالات جديدة، الأمر الذي قد يحول التمويل المؤقت إلى التزام نقدي دائم.
وطالب العبيدي البنك المركزي بالكشف عن حجم محفظة حوالات الخزينة وتطورها خلال الأشهر الماضية، إضافة إلى توضيح تأثيرها على القاعدة النقدية، فضلاً عن بيان أسباب ارتفاع حجم العملة المتداولة خارج المصارف بالتزامن مع جمود الودائع المصرفية وارتفاع معدلات التضخم السنوية.
كما دعا إلى توضيح الضمانات التي تمنع تحول الإجراءات الاستثنائية إلى سياسة دائمة لتمويل العجز، وإعلان سقوف زمنية وكمية واضحة لهذا النوع من التمويل، بما يضمن الحفاظ على استقرار السياسة النقدية.
وأشار العبيدي إلى أن عدداً من المؤشرات الاقتصادية، وفي مقدمتها تسارع معدلات التضخم وتراجع بعض المؤشرات النقدية، يستدعي مزيداً من الشفافية والإفصاح، مؤكداً أن نشر البيانات التفصيلية يمثل أفضل وسيلة لحسم الجدل الدائر حول السياسة النقدية وتعزيز الثقة بالاستقرار المالي.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية في العراق، وحدود استخدام أدوات البنك المركزي في تمويل احتياجات الخزينة العامة، وسط مطالبات متزايدة بمزيد من الشفافية والإفصاح بشأن حجم الدين الداخلي وآليات إدارته وتأثيراته المحتملة على الاستقرار النقدي والاقتصادي في البلاد.
********************************
وفد من قيادة الحزب الشيوعي العراقي .. يلتقي رئيس مؤسسة السجناء السياسيين
بغداد ـ طريق الشعب
التقى الرفيق رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، يوم الأحد 7 حزيران، رئيس مؤسسة السجناء السياسيين الدكتور وليد السهلاني، وبحث معه الأوضاع العامة في البلاد وعدداً من القضايا الوطنية ذات الاهتمام المشترك.
وشهد اللقاء تبادل وجهات النظر بشأن المستجدات السياسية والملفات الوطنية، حيث جرى التأكيد على أهمية تعزيز الحوار بين مختلف القوى السياسية والوطنية، وحماية حقوق المواطنين، ولا سيما الشرائح التي تعرضت للاضطهاد والانتهاكات خلال الحقب الدكتاتورية.
وأكد الدكتور السهلاني أهمية الانفتاح والتواصل بين المؤسسات الرسمية والقوى الوطنية بما يخدم المصلحة العامة ويعزز قيم العدالة والوفاء لتضحيات العراقيين. كما أبدى استعداده لتذليل الصعوبات والمعوقات الإدارية والإجرائية التي تحول دون حصول بعض فئات السجناء السياسيين على حقوقهم، ومن بينهم سجناء عام 1963.
وشارك في اللقاء الى جانب الرفيق رائد فهمي الرفاق عضوا المكتب السياسي عزت أبو التمن وحيدر مثنى.
*************************************
الرفيق صبحي خدر حجو
(أبو سربست).. وداعا
نتقدم بالتعازي الحارة مقرونة بمشاعر المواساة لرحيل رفيقنا القائد الأنصاري الشجاع صبحي خدر حجو (أبو سربست)، إلى عائلته الكريمة المضحية والى جميع رفاقه ومحبيه.
لقد ظل الرفيق أبو سربست لصيقا بحزبه ومتفانيا في سبيل تحقيق أهدافه، ولم تثنه مشاق النضال وتبعاته، منها اعتقاله إثر انقلاب شباط الأسود العام 1963، وتغييب جميع أفراد أسرته أثناء حملات الأنفال سيئة الصيت. فكان أمينا بغيرة شيوعية على المهام الحزبية الرفيعة التي شغلها كعضوية المكتب العسكري للحزب، ومسؤولية قيادة الفوج الثالث في مقر (كلي هصبه)، وعضوية لجنة إقليم لجنة كردستان، ومساهمته في انتفاضة آذار 1991، بالإضافة إلى قيادة محلية نينوى لعدة سنوات، وكان من المساهمين بتشكيل المجاميع الأولى لحركة الأنصار عام 1978. كما حظي رفيقنا أبو سربست بود واحترام جميع من عمل معه وخصوصا وسط بنات وأبناء المكون الإيزيدي.
خسارتنا كبيرة بهذا الفقدان الأليم. وعزاؤنا بما خلفه من ذخيرة نضالية يُشهد لها، وسيرةإنسانية ثرة.
المكتب السياسي
للحزب الشيوعي العراقي
07/06/2026
**********************************
الصفحة الثالثة
الملوثات الصناعية والزراعية تحول مياه الإسالة إلى سموم مياه لا تصلح حتى للغسيل: أرقام صادمة تكشف حجم تلوث المصادر المائية
بغداد – طريق الشعب
لم تعد أزمة المياه في العراق تقتصر على الجفاف وشح الموارد، بل اتخذت وجهاً أكثر قسوة يهدد صحة العراقيين وسبل عيشهم من الشمال إلى الجنوب. فبينما حملت الأشهر الأخيرة وفرة نسبية في مناسيب الأنهار نتيجة الأمطار والسيول، كشفت هذه الوفرة عن واقع بيئي مرير؛ إذ تحولت مجاري المياه إلى مصب للسموم. ومع استمرار طرح مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية دون معالجة، تدهورت جودة مياه الإسالة لتبلغ مستويات خطيرة تؤكدها التقارير البيئية، مما ينذر بكارثة صحية وبئية تهدد الإنسان، والثروة الحيوانية، والنظام البيئي للأهوار، وسط عجز حكومي وغياب للحلول الجذرية المستدامة.
تدهور نوعية المياه
يقول سجاد ستار، ناشط بيئي من محافظة ذي قار، إن وفرة المياه التي شهدها العراق خلال الفترة الأخيرة نتيجة الأمطار والسيول لم تنهِ أزمة المياه التي يعاني منها المواطنون، بل كشفت عن مشكلة أكثر تعقيداً تتمثل في تدهور نوعية المياه واستمرار تلوثها.
ويضيف ستار لـ"طريق الشعب"، أن زيادة الخزين المائي وارتفاع مناسيب الأنهار لم تنعكسا على تحسين جودة المياه الواصلة إلى السكان، في ظل استمرار طرح مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية في المجاري المائية من دون معالجة كافية.
ويجد أن هذا الواقع أدى إلى تراجع جودة مياه الإسالة في العديد من المناطق، وأسهم في انتشار أمراض معوية وجلدية بين المواطنين، فضلاً عن مخاطر صحية أخرى قد تظهر على المدى البعيد.
الأزمة تتفاقم
ويضيف أن اثار التلوث لا تقتصر على صحة الإنسان، بل تمتد إلى البيئة والثروة الحيوانية والسمكية، حيث شهدت بعض المناطق حالات نفوق للأسماك، وتراجعاً في أعدادها، فيما تأثرت المواشي التي تعتمد على المياه الطبيعية كمصدر رئيسي للشرب.
ويلفت إلى أن الأهوار، رغم تحسن مناسيب المياه فيها، ما تزال تعاني من تردي نوعية المياه، الأمر الذي يهدد التنوع الأحيائي والنظام البيئي الفريد الذي تتميز به، مبينا أن محافظة ذي قار تعد من أكثر المناطق تأثرا بهذه الأزمة، إذ يواجه سكان الناصرية وسوق الشيوخ والجبايش والرفاعي وقلعة سكر والفهود والإصلاح مشكلات مستمرة تتعلق بتلوث المياه وارتفاع نسب الملوحة فيها، فضلاً عن تغير لون المياه ورائحتها في بعض الأحيان، ما يجعلها غير صالحة للشرب، ويدفع الأهالي إلى شراء المياه أو الاعتماد على محطات التحلية الأهلية، لتأمين احتياجاتهم اليومية.
ويشير إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل غياب حلول حكومية جذرية، سواء على المستوى المحلي أو المركزي، إذ تقتصر الإجراءات غالباً على معالجات مؤقتة أو تصريحات إعلامية لا تترجم إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع. كما أن تأخر إنشاء محطات معالجة حديثة واستمرار تهالك شبكات المياه والصرف الصحي من دون صيانة كافية يزيدان من تعقيد المشكلة، ويحدان من فرص معالجتها بشكل مستدام.
ويعتقد أن استمرار هذا الواقع يعكس خللا واضحا في إدارة أحد أهم الملفات الخدمية والبيئية في البلاد، ويثير تساؤلات جدية حول أسباب العجز عن استثمار الموارد المائية المتاحة وتحويلها إلى خدمة آمنة وصحية للمواطنين.
وختم بالقول إن أزمة المياه لم تعد مرتبطة بندرة الموارد فحسب، بل أصبحت ترتبط بشكل أساسي بسوء الإدارة وضعف التخطيط، ما يجعلها تهديداً مستمراً لصحة السكان ومستقبل البيئة ما لم تُتخذ إجراءات حقيقية تعالج أسباب التلوث من جذورها.
5 ملايين متر مكعب من الصرف الصحي إلى الأنهار
وكان مرصد العراق الأخضر قد ذكر في بيان ورد لـ"طريق الشعب"، أن 5 ملايين متر مكعب من الصرف الصحي تلقى يوميا الى مصادر المياه تحتوي معادن ثقيلة وعالية السمية، مبيناً ان المياه لا تصلح حتى لغسل الملابس واواني الطبخ.
ودعا المرصد، عبر البيان، الجهات المعنية الى "تحمل المسؤولية تجاه هذه الكارثة وامكانية معالجة مياه الصرف الصحي قبل رميها الى الانهار، أو إعادة تدويرها للاستفادة منها في السقي بدلا من رميها مباشرة".
وقال عضو المرصد عمر عبد اللطيف، إن كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي تُطرح يومياً في الأنهار والمصادر المائية من دون معالجة كافية، ما يشكل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين والبيئة على حد سواء.
واضاف عمر لـ"طريق الشعب"، أن هذه المياه الملوثة تمتد آثارها على طول البلاد من شمالها إلى جنوبها، ما يجعل العديد من المصادر المائية غير ملائمة للاستهلاك البشري أو للاستخدامات المنزلية المختلفة، فضلاً عن تأثيرها على الزراعة وتربية الأسماك.
وتابع أن "استمرار تصريف مياه الصرف الصحي إلى الأنهار من دون معالجات حقيقية يعكس خللا في إدارة هذا الملف البيئي"، مشيراً إلى أن الاعتماد على قدرة الأنهار الطبيعية على تنقية نفسها لم يعد كافياً في ظل الكميات الكبيرة من الملوثات المطروحة يومياً.
وأكد عبد اللطيف أن جزءا من هذه الملوثات يتضمن معادن ثقيلة ومواد عالية السمية، الأمر الذي ينعكس سلبا على الصحة العامة، ويسهم في زيادة المشكلات والأمراض المرتبطة بتلوث المياه".
وشدد على ضرورة الإسراع في إنشاء وتشغيل محطات معالجة فعالة لمياه الصرف الصحي والحد من طرحها المباشر في المجاري المائية.
الملوثات تشمل معادن ثقيلة
يقول مصطفى الأهواري، ناشط بيئي، إن التقارير المحلية والرسمية تشير إلى أن أكثر من ٦٥ بالمائة من مياه الصرف الصحي في العراق، تصرف بشكل مباشر إلى الأنهار دون معالجة، وهو ما يشكل ضغطا متزايدا على مصادر المياه، ويعمق أزمة التلوث البيئي في البلاد.
ويضيف الاهواري لـ"طريق الشعب"، أن بعض التقديرات تشير إلى أن الكميات المطروحة يومياً في شط العرب بمحافظة البصرة تتجاوز 300 ألف متر مكعب من المياه الملوثة، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على نوعية المياه وصلاحيتها للاستخدام البشري والزراعي.
ويذكر الأهواري أن الأزمة لا تقتصر على مياه الصرف الصحي المنزلية، بل تمتد إلى المخلفات الصناعية أيضاً، موضحاً أن بعض المصانع، خصوصاً في محافظتي نينوى والأنبار، تطلق مواد ملوثة تتضمن معادن ثقيلة مثل الزئبق والرصاص والكروم إلى المجاري المائية، من دون معالجات كافية أو رقابة صارمة.
ويبين أن هذه المواد تعد من أخطر الملوثات البيئية، كونها لا تتحلل طبيعياً، بل تتراكم في المياه والتربة والكائنات الحية عبر ما يعرف بالتراكم البيولوجي، ما يؤدي إلى تهديد مباشر لصحة الإنسان والنظام البيئي على المدى البعيد، داعياً إلى تشديد إجراءات الرقابة البيئية وتفعيل محطات المعالجة للحد من تفاقم هذه الأزمة.
أمراض معوية وجلدية
وبالحديث عن الأضرار الصحية الناتجة عن تلوث مياه الشرب في العراق، قال احمد كباش، طبيب الاختصاص في الصحة العامة، إن تلوث مياه الشرب في العراق أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بزيادة حالات الإصابة بالأمراض المعوية والجلدية، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على مياه الأنهار دون معالجة كافية أو التي تعاني من ضعف منظومات الإسالة.
واضاف كباش لـ"طريق الشعب"، أن "أبرز المشكلات الصحية المسجلة في السنوات الأخيرة تشمل حالات الإسهال الحاد، والتسممات المعوية، والتهابات الجهاز الهضمي، إضافة إلى انتشار بعض الأمراض الجلدية، وهذه الحالات ترتفع بشكل ملحوظ في فترات تدهور نوعية المياه أو عند زيادة نسب التلوث العضوي والكيماوي فيها".
وتابع أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة لهذه المضاعفات بسبب ضعف المناعة لديهم.
وفي ما يتعلق بتأثير المعادن الثقيلة والمواد السامة، بين كباش أن "التعرض المستمر لمثل هذه الملوثات قد لا يُظهر أعراضا فورية، لكنه على المدى البعيد قد يؤدي إلى أضرار خطيرة تشمل اضطرابات في الكبد والكلى، وضعفاً في الجهاز العصبي، إضافة إلى احتمالات تراكم السموم في الجسم، بما ينعكس على الصحة العامة بشكل مزمن، خصوصاً عند استخدام المياه الملوثة بشكل يومي في الشرب أو الطبخ أو غسل الأدوات"، واكد ان هذه الامراض بدت تظهر تدريجيا خاصة في مناطق الاطراف.
وأشار إلى أن خطورة الوضع الصحي الحالي تكمن في استمرار الاعتماد على مصادر مياه غير معالجة بشكل كاف في بعض المناطق، قائلاً إن "هذا الواقع يرفع مستوى المخاطر الصحية بشكل واضح، حتى وإن لم تتحول جميع الحالات إلى أمراض وبائية واسعة الانتشار".
وشدد على أن الإجراءات الوقائية تبدأ من تحسين مصادر المياه ومعالجتها بشكل علمي، إلى جانب توعية المواطنين بضرورة تجنب استخدام المياه غير الموثوقة للشرب أو إعداد الطعام، مع ضرورة الرقابة المستمرة على نوعية المياه من قبل الجهات المختصة.
واردف قائلاً ان المواطن ليست لديه بدائل كثيرة لاعتماد مياه نقية وصحية، كما يعتبر الامر مكلفا لذوي الدخل المحدود.
*******************************
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد: طريق الشعب
آراء حول حصر السلاح بيد الدولة
اهتمت وسائل الإعلام الدولية بمشروع حصر السلاح بيد الدولة، الذي بدأت خطواته التنفيذية الأولى مؤخراً. فقد نشر موقع أمواج البريطاني تقريراً ذكر فيه بأن البيانات التي أصدرتها بعض الفصائل العراقية المسلحة، وأعربت فيها عن عزمها وضع أسلحتها تحت سيطرة الدولة والانفصال رسمياً عن قوات الحشد الشعبي، تنفيذاً لمتطلبات التطورات السياسية وتلبية لدعوات المرجعية العليا، قد لاقت ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض، وأثارت تساؤلات حول مستقبل الوضع القانوني لهذه القوات، وعن مدى مصداقية المتشككين فيها، الذين وصفوا هذه الخطوة بأنها مجرد استعراض سياسي.
ترحيب محلي ودولي
وذكر التقرير أن رئيس الحكومة رحب بتلك المواقف، والتقى بممثلي أصحابها، وشكّل لجنة مشتركة للإشراف على مشروع "حصر الأسلحة في أيدي الدولة"، فيما أشاد المبعوث الرئاسي الأمريكي، توماس باراك، بالقرار المبدئي القاضي بإعادة جميع الأسلحة إلى الدولة العراقية، باعتباره بادرة تسهم في بناء النظام. كما حظي هذا التحول ـ بحسب التقرير ـ باستحسان واسع في الأوساط السياسية والاجتماعية. وأشار التقرير إلى أن بعض الفصائل رفضت المشروع، واعتبرت السلاح المنضبط مقدساً ولا يمكن التخلي عنه، وإن قرار نزع سلاحها جاء تلبية لأوامر من واشنطن لا من النجف، متهمة رئيس الحكومة بالكذب.
مواقف متباينة
وفي موقع المجلس الأطلسي، كتب منقذ داغر مقالاً ذكر فيه بأن المشروع مرتبط بالتغييرات السياسية التي تشهدها إيران وما ترتب عليها من تطورات تنظيمية، داخلية وإقليمية، أفرزت تأثيرات كبيرة على حلفاء طهران، وبرز بعضها في معضلات روحية وتنظيمية باتت تهدد وجودهم بشكل خطير.
ووجد الكاتب تبايناً حاداً في مواقف الفصائل العسكرية، إذ ينخرط العديد منها بصورة كبيرة في العملية السياسية وما تُقدمه من امتيازات اقتصادية مغرية، مما يجعل تخليها عن أسلحتها أكثر ترجيحاً. أما الفصائل الأكثر تشدداً، فستكون معالجة ملفها أكثر صعوبة، خاصة وإن قرارها الاستراتيجي والأمني والسياسي، يظل مرهوناً بتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق واضح بشأن هذه القضية.
مطالب أمريكية ملحّة
وفي موقع مركز الأبحاث الأمريكي (ستيمسون) كتب عمر النداوي مقالاً أشار فيه إلى أن نزع سلاح حلفاء طهران في العراق شكّل دوماً ركيزة أساسية في سياسة إدارة ترامب تجاه العراق، وازدادت أهميته إلحاحًا منذ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، من دون أن تتضح الأليات التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك، خاصة وأن هؤلاء الحلفاء يعملون خارج سلطة الدولة، رغم أن ميزانيتهم تموّل من المال العام، ويتمتعون بنفوذ كبير يفوق في بعض الأحيان نفوذ المؤسسات الرسمية.
وتوقع الكاتب أن يكون لهذا النفوذ تأثير كبير على رئيس الحكومة الجديد، وهو رجل أعمال غير مجرب، ولا يُعرف ما إذا كان قادراً على إعادة هيكلة جذرية للنظام السياسي العراقي ما بعد عام 2003، بما يحد من هذا النفوذ ويبعد أصحابه عن مؤسسات الدولة. لكنه استدرك بالقول إن بعض الفصائل ترى اليوم بأن المقاومة المسلحة قد حققت غايتها، وإن الانخراط في العمل السياسي أصبح الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق مصالحها، خاصة وأنها باتت تشكّل جزءاً مهماً من سلطة الدولة. لذا، فمن المتوقع أن تتحول هذه الفصائل إلى فاعلين سياسيين تقليديين، بغض النظر عن الوسائل التي استخدمها كثيرون للوصول إلى السلطة.
المعنى الحقيقي لنزع السلاح؟
ونوه المقال إلى أن هناك فصائل رفضت المشروع رفضاً تاماً، وعرضت شراء أسلحة من قرر التخلي عنها، ورعاية أسر مقاتليه القتلى. وين هاتين الرؤيتين المتنافستين، تساءل الكاتب عن المعنى الحقيقي لنزع السلاح، وعن مدى شموله لجميع الأسلحة أم اقتصاره على الثقيلة فقط، كالصواريخ والطائرات المسيّرة، مع الاحتفاظ بقواتها البشرية والهياكل التنظيمية وإمكانية الحصول على التمويل الحكومي. وخلص الكاتب إلى أن إحراز تقدم ملموس في استعادة الدولة لهيمنتها يتطلب تحديد غاية نهائية واضحة، وأهدافًا واقعية، واستراتيجية إنفاذ تراعي الواقع السياسي العراقي، فبدون وضوح بشأن معنى نزع السلاح، والجهات التي يشملها، وآليات تنفيذه، سيبقى هذا المسار غامضاً ومحبطاً وغير حاسم إلى حد كبير.
أفكار من اوراق اليسار.. لماذا نحن اشتراكيون؟
إبراهيم إسماعيل
لا تكتمل أرواح السائرين في دروب الحقيقة بخلاصها الفردي، فالنور الذي تبحث عنه قلوبهم يبقى باهتاً ما لم يمتدّ وجدُ العشق ليغمر قلوب الجميع، ويتجسد في الأرض رحمةً وعدلاً. من تلكم الأرواح انبثقت رؤى عميقة، لم ترتضٍ وجود عالم تتكدس ثرواته وسلطاته في أيدي قلّة، فيما تُترك أكثريته مهمّشة، تكاد تفقد آدميتها. ثم تحولت تلك الرؤى إلى فعلٍ جماعي يسعى لتحرير الإنسان من الاستغلال والاضطهاد والأنانية والجشع والعبودية.
ومن هذا الأفق ولدت الاشتراكية، فكرة تأسست على رفض مطلق لما جُبلت عليه الرأسمالية من أرجاس متعددة، يأتي في مقدمتها غياب المساواة السياسية. فبعد أن افتُضحت الادعاءات الليبرالية بالحرية والمساواة والإخاء، وبات جلياً أن المشاركة الشعبية في الحكم والنجاح الاقتصادي المتاح لكل فرد، ليسا سوى أوهام مضحكة في ظل آليات تستعبد الأغلبية وتُجبرها على بيع قوة عملها، جرى التضييق على النشاط السياسي والنقابي، وأُقصيت قطاعات واسعة عن السلطة، ولاسيما الفقراء والنساء وسكان الشعوب المُستعمَرة، وحُصرت حرية التعبير في المتحكمين بوسائل الإنتاج، وسُلبت مكتسبات الناس، وغُيّب وعيهم، فضعفت قدرتهم على التأثير في حياتهم وعملهم ودورهم السياسي. وامتد ذلك ليشمل العالم، حيث راحت المراكز الإمبريالية تخلق تشابكاً مالياً مع قوى طبقية تابعة لها في الدول النامية، وتمكّنها من الهيمنة على هذه الدول وتكيّف اقتصاداتها لصالح رأس المال المعولم، بما يضمن له استثمارات حرة وأرباحاً مضاعفة، دون أن تتورع عن استخدام العنف العسكري والاقتصادي لفرض هذه الاستراتيجيات، وبمستوى لا يُبطل المساواة السياسية داخل تلك الدول فحسب، بل ويمنع أيضاً قيام علاقات دولية متكافئة.
ويتمثل الرجس الثاني بغياب المساواة الاقتصادية، حيث يمتلك واحد في المائة من الأمريكيين والأوربيين 70 و50 في المائة مما تمتلكه بلدانهم على التوالي، وحيث تتسع يوماً بعد يوم الفجوة بين الدول الغنية، التي يتجاوز فيها متوسط الدخل السنوي للفرد 40 ألف دولار، والدول الفقيرة التي لا يصل هذا المتوسط فيها لثلاثة آلاف دولار، في وقت بلغت فيه ديون هذه الدول ترليوني دولار.
لم تنشأ هذه المأساة سهواً، بل جاءت نتيجة لقرارات سياسية واعية، أُعيد من خلالها توجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر ربحية للرأسماليين، على حساب أغلبية تعاني الفقر أو الهشاشة الاقتصادية. فبحجة تمكين الأسواق غير المنظمة من إدارة أكبر قدر من شؤون الدولة، باعتبارها "الأقدر على تحقيق الكفاءة والمرونة الاقتصادية، وبالتالي النمو"، اتُّخذت سلسلة سياسات الغت القيود على أرباح رأس المال، وخفضت الضرائب عليها، وحررت القطاع المالي لتعظيم أرباح البنوك، مقابل تقليص حقوق الشغيلة، كرفع الضوابط على الإيجارات والأسعار، وإضعاف أنظمة الرعاية الاجتماعية، وطرحها للاستثمار الخاص، بما يتيح للرأسماليين تحقيق أرباح من خدمات تموّل أساساً من المال العام.
ورغم أن تنظيم الاقتصاد بهذه القرارات، وليس جراء ندرة الموارد أو الضرورات الاقتصادية، قد أسفر عن حدوث أزمات خطيرة رافقت ارتفاع معدلات الفقر وانتشار المجاعات، وتزايد مشاعر الإحباط، وتراجع الأمن الوظيفي، واشتعال حروب إقليمية وداخلية، وحدوث خراب بيئي يهدد الحياة على الأرض، فإن هناك من لايزال يخاصم اليقين ويتمسك بوهم زرعته مصالحه في وعيه، مفاده أن انهيار التجربة الاشتراكية دليل على عقمها، متجاهلاً أن ثمار تلك التجربة، رغم عدم اكتمالها، ما زالت يانعة في بقاء جذوة الكفاح متقدة، وفي تواصل النضال من أجل العدالة والحرية وحقوق النساء وحماية البيئة، وفي اليقين بعدم إمكانية اصلاح النظام الرأسمالي، الا بتحطيمه.
هل عرفتم الآن، لماذا نحن اشتراكيون!
***********************************
الصفحة الرابعة
بيئيون: حملات التشجير وحدها لا تكفي والحزام الأخضر يحتاج إلى برامج مستدامة
بغداد – تبارك عبد المجيد
في وقت تتصاعد فيه تحديات التصحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الخضراء في المدن العراقية، يعود مشروع الحزام الأخضر إلى الواجهة بوصفه أحد الحلول البيئية المطروحة للحد من آثار التغير المناخي وتحسين الواقع البيئي. وبينما تؤكد الجهات الرسمية إدراج المشروع ضمن الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة التصحر، يرى مختصون وناشطون بيئيون أن نجاحه لا يتوقف على التشجير وحده، بل يحتاج إلى رؤية تنموية متكاملة وإرادة حقيقية تضمن استدامته وتحوله إلى أداة فاعلة لحماية المدن وتعزيز جودة الحياة فيها.
مشروع بيئي وتنموي
تتحدث د. إقبال لطيف، خبيرة في مجال التلوث البيئي رؤية شاملة لمفهوم الحزام الأخضر حول المدن، بوصفه مشروعا بيئيا وتنمويا متكاملا يهدف إلى تطويق المدن بمساحات واسعة من الغطاء النباتي، تُزرع بأنواع من النباتات المعمرة والدائمة الخضرة، مع التوجه نحو إدخال الأشجار المثمرة، ضمن هذه المساحات لتحقيق مردود إنتاجي إلى جانب الدور البيئي.
وبينت اقبال لـ"طريق الشعب"، أن هذا الحزام لا يقتصر على كونه مصدا للرياح أو وسيلة للحد من العواصف الترابية والتعرية، بل يمكن أن يتحول إلى منظومة إنتاجية متعددة الوظائف، تجمع بين حماية البيئة واستثمار الأرض اقتصاديا.
كما أشارت إلى أن امتداد هذه الأحزمة قد يصل إلى مساحات شاسعة تحيط بالمدن لعدة كيلومترات، بما يسهم في إعطاء المدن شكل عمراني منظم، والحد من التوسع العشوائي في البناء.
وأضافت أن للحزام الأخضر دورا بيئيا مهما في تقليل التصحر، وحماية التربة من الانجراف، وتعزيز التوازن البيئي والتنوع الحيوي، من خلال توفير بيئات داعمة للكائنات النافعة، خصوصا الحشرات الملقحة. كما يسهم في تحسين جودة الهواء عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأوكسجين، بما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة.
وتطرقت إلى البعد المائي للمشروع، موضحة أن الغطاء النباتي يساعد في إدارة مياه الأمطار والحد من هدرها، ما يعزز تغذية الخزين الجوفي ويدعم الموارد المائية على المدى البعيد. كما اعتبرت الحزام الأخضر جزءا من مفهوم الاقتصاد الدائري المستدام، إذ يمكن الاستفادة من منتجات الأشجار مثل الأخشاب والأوراق في صناعات مختلفة، فضلا عن إمكانية تحويل هذه المناطق إلى فضاءات سياحية وترفيهية ورياضية تخلق فرص عمل وتنشط الحياة الاجتماعية.
لكنها عبرت في المقابل عن تشاؤم حيال إمكانية تنفيذ مثل هذه المشاريع في العراق في ظل الظروف الحالية، مشيرة إلى أن غياب الاستقرار السياسي والأمني، وتراجع كفاءة الإدارة، وانتشار الفساد، كلها عوامل تعيق تنفيذ مشاريع بيئية كبرى. واستشهدت بما تعرضت له مناطق زراعية وبساتين في عدد من المحافظات من دمار خلال فترات سابقة بسبب العمليات العسكرية أو الإهمال، إضافة إلى خسائر في مساحات زراعية نتيجة الحرائق والتجاوزات.
وختمت بالقول إن مشروع الحزام الأخضر، رغم أهميته البيئية والصحية والاقتصادية، يحتاج إلى إرادة سياسية قوية وإدارة جادة تضع مصلحة المجتمع فوق المصالح الضيقة، مؤكدة أن نجاحه مرهون بوجود دولة قادرة على حماية المجتمع وتنفيذ مشاريع استراتيجية حقيقية بعيدًا عن الفساد والمشاريع الوهمية.
فوائد الحزام الأخضر
وقالت مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة، نجلة الوائلي، إن "ملف الحزام الأخضر يعد أحد المحاور المهمة ضمن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الوطنية لمكافحة تدهور الأراضي والحد من التصحر في العراق".
وأضافت في حديث تابعته "طريق الشعب"، أن "تنفيذ مشروع الحزام الأخضر يتم بالتنسيق مع الجهات القطاعية المعنية في وزارة الزراعة ومجالس المحافظات والسلطات المحلية، وهي من ضمن الجهات الرئيسة المسؤولة عن تنفيذ مشاريع الأحزمة الخضراء وفق الخصوصية البيئية لكل محافظة".
وأوضحت الوائلي أن "دور وزارة البيئة يتجسد في مهامها الرقابية بشكل مباشر من خلال رصد فقدان المساحات الخضراء داخل المدن، مما يزيد من تلوث الهواء وتدهور الصحة العامة، فضلاً عن متابعة الجوانب التنفيذية في مجال التشجير الحضري وتعزيز المساحات الخضراء بما يحقق التوازن بين المتطلبات البيئية والمتطلبات التنموية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية، ويسهم في تحسين نوعية الهواء وخفض آثار التغير المناخي والحد من ظاهرة الجزر الحرارية".
وتابعت أن "الموسم المائي الجيد يمثل فرصة مهمة للتوسع في برامج التشجير واستدامة الغطاء النباتي، بما يدعم جهود الدولة في مكافحة التصحر وتحسين الواقع البيئي وتعزيز قدرة النظم البيئية على التكيف مع التغيرات المناخية".
سياسة بيئية متكاملة
وفي السياق، قالت الناشطة البيئية نجوان علي إن الحديث عن الأحزمة الخضراء يجب ألا يقتصر على كونها مشروعاً للتشجير فقط، بل باعتبارها جزء من سياسة بيئية متكاملة لمواجهة التدهور المتسارع الذي تشهده المدن العراقية. وأضافت أن "العراق خسر خلال العقود الماضية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبساتين نتيجة التوسع العمراني غير المنظم والإهمال والتغيرات المناخية، لذلك فإن أي مشروع للحزام الأخضر يجب أن يكون جزءاً من خطة أوسع لحماية الغطاء النباتي واستعادته".
وأشارت علي في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن التغير المناخي بات يفرض تحديات غير مسبوقة على المدن العراقية، من ارتفاع درجات الحرارة إلى تزايد موجات الغبار والجفاف، ما يجعل الحاجة إلى الأحزمة الخضراء أكثر إلحاحاً من أي وقت مضي.
وقالت علي إن "المدن العراقية أصبحت تفتقر إلى المساحات الطبيعية القادرة على امتصاص آثار التغيرات المناخية، وهذا ينعكس بشكل مباشر على صحة السكان ونوعية الحياة داخل المدن، لذلك فإن الاستثمار في البنية التحتية الخضراء يجب أن يُنظر إليه كاستثمار في الأمن البيئي والصحي".
وأضافت أن نجاح الأحزمة الخضراء يتطلب الابتعاد عن المشاريع الموسمية أو الحملات المؤقتة التي تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية.
وبينت أن "الكثير من مبادرات التشجير السابقة لم تحقق نتائج مستدامة بسبب غياب المتابعة والصيانة وعدم وجود مؤشرات واضحة لقياس النجاح، لذلك من الضروري اعتماد برامج طويلة الأمد ترتبط بخطط تنموية وبيئية واضحة وقابلة للتقييم".
وأكدت أن البعد الاجتماعي للمشروع لا يقل أهمية عن أبعاده البيئية، موضحة أن "المساحات الخضراء تساهم في تحسين الصحة النفسية للسكان وتوفر متنفس عام في المدن المكتظة، كما يمكن أن تعزز ارتباط المواطنين ببيئتهم المحلية وتشجعهم على المشاركة في حمايتها، وهو ما ينعكس إيجاباً على الوعي البيئي والسلوك المجتمعي على المدى البعيد".
من طرفه، اكد الناشط البيئي أحمد علي، ان حملات التشجير التطوعية التي تنفذها الفرق والمنظمات البيئية تمثل جهدا مهما في رفع الوعي وتحريك المجتمع نحو القضايا البيئية، لكنها تبقى محدودة الأثر إذا لم تندمج ضمن خطة وطنية شاملة وواضحة.
وقال علي لـ"طريق الشعب"، أن "الكثير من المبادرات التي نطلقها او تشارك فيها منظمات المجتمع المدني تنتهي بانتهاء الفعالية أو الموسم، دون أن تتحول إلى مساحات خضراء مستدامة يمكن أن تبقى وتكبر مع الوقت، وهذا ما يفقدها تأثيرها الحقيقي على المدى البعيد".
وبين علي أن المشكلة ليست في غياب المبادرات، بل في غياب التخطيط الذي يضمن استمراريتها وربطها بجهات تنفيذية قادرة على الحماية والرعاية.
وتابع إن "التشجير لا يعني زراعة شجرة فقط، بل يعني متابعة وري وحماية وتشريع يمنع التجاوز عليها، وإلا سنبقى ندور في حلقة حملات موسمية لا تغير الواقع البيئي بشكل فعلي".
وأكد أن الوصول إلى أثر حقيقي يتطلب انتقال العمل البيئي من المبادرات التطوعية المنفردة إلى برامج تشجير مرتبطة بسياسات الدولة وخطط البلديات، موضحاً أن "دور الفرق البيئية مهم جداً في الدفع باتجاه التغيير، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن الدولة أو عن استراتيجية طويلة الأمد تضمن تحويل هذه الجهود إلى غطاء نباتي حقيقي ومستدام".
******************************
غيابهم يثقل كاهل المعلمين.. مدارس بلا مرشدين.. دعوات لإنقاذ الطلبة من الضغوط النفسية والرقمنة
بغداد – طريق الشعب
في وقت تتزايد فيه التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الطلبة داخل المدارس، تتصاعد الدعوات إلى تعزيز خدمات الإرشاد التربوي والصحة النفسية بوصفها جزءا أساسيا من العملية التعليمية، وبين ضغوط الحياة اليومية والتغيرات الاجتماعية المتسارعة وتأثيرات العالم الرقمي لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة للتعليم، بل أصبحت مساحة مطالبة بتوفير الدعم النفسي والتربوي الذي يساعد الطلبة على تجاوز المشكلات التي قد تعيق تعلمهم وتطورهم.
تحميل المعلمين مسؤوليات إضافية
هناء جبار، تدريسية، تقول إن وجود المرشد التربوي في المدارس لم يعد ترفا إداريا، بل أصبح حاجة أساسية تفرضها التحديات الاجتماعية والنفسية والتربوية التي يواجهها الطلبة في الوقت الحاضر.
وتؤكد جبار لـ"طريق الشعب"، أن أغلب المدارس العراقية، رغم حاجتها الكبيرة لهذا الاختصاص، ما تزال تفتقر إلى المرشدين التربويين، إذ لا تتجاوز نسبة المدارس التي تضم مرشدًا تربويًا سوى عدد محدود جدًا مقارنة بإجمالي المدارس.
وتوضح جبار أن المدارس الابتدائية على وجه الخصوص تعاني من غياب هذا العنوان الوظيفي، على الرغم من أن هذه المرحلة تعد الأكثر احتياجا للإرشاد والتوجيه. وغالبا ما تُحمل المعلمة أو مرشدة الصف مسؤوليات تربوية إضافية إلى جانب مهامها التعليمية، الأمر الذي يجعلها عاجزة عن أداء دور المرشد التربوي بالشكل المطلوب، بسبب ضيق الوقت وكثرة الالتزامات المرتبطة بالتدريس وإنجاز المناهج الدراسية.
وتشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور العديد من السلوكيات السلبية بين الطلبة، نتيجة ما مر به المجتمع من أزمات وظروف معيشية صعبة، إضافة إلى التأثيرات المتزايدة لوسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح غير المحدود على المحتوى الرقمي.
وترى أن الطالب اليوم يتعرض يوميًا لمؤثرات متنوعة قد تنعكس على سلوكه داخل المدرسة، ما يستدعي وجود شخص متخصص قادر على توجيهه ومساعدته في بناء شخصيته ومعالجة مشكلاته.
وتلفت جبار إلى أن العديد من الطلبة يأتون من بيئات أسرية تعاني التفكك أو الفقر أو فقدان أحد الوالدين أو الخلافات العائلية المستمرة. وهذه الظروف تترك آثارا واضحة على حالتهم النفسية وسلوكهم الدراسي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح المرشد التربوي عنصرًا داعمًا ومساندًا للطالب، يعوض جانبًا من النقص الذي قد لا يستطيع الحصول عليه داخل الأسرة، ويساعده على تجاوز أزماته ومواصلة تعليمه بصورة أفضل.
وترى أن وجود المرشد التربوي يخفف الأعباء عن إدارات المدارس والمعلمين، من خلال متابعة المشكلات السلوكية والنفسية والاجتماعية للطلبة، والعمل على احتوائها قبل تفاقمها. كما يسهم في الحد من ظواهر التسرب الدراسي وترك الدراسة والانخراط المبكر في سوق العمل، عبر تقديم الدعم النفسي والتربوي وتعزيز ارتباط الطالب بمدرسته.
وفي الوقت نفسه، تنتقد جبار ما تصفه بتهميش دور المرشد التربوي داخل العديد من المدارس، إذ يُكلف في أحيان كثيرة بمهام إدارية أو امتحانية أو تعليمية لا تمت إلى طبيعة عمله بصلة.
وتوضح أن بعض المدارس تلجأ إلى الاستعانة بالمرشد التربوي لسد النقص في الكادر التدريسي، فيُكلف بإعطاء حصص دراسية أو أداء أعمال إدارية مختلفة، ما يحد من قدرته على تنفيذ واجباته الأساسية في الإرشاد والتوجيه.
كما تؤكد أن من أبرز مهام المرشد التربوي متابعة السجل المدرسي للطالب وتوثيق مسيرته التعليمية والاجتماعية والسلوكية منذ المراحل الأولى للدراسة وحتى انتقاله إلى التعليم الجامعي، فضلًا عن التنسيق المستمر مع إدارة المدرسة ومرشدي الصفوف لرصد احتياجات الطلبة ومشكلاتهم.
وتختتم جبار حديثها بالدعوة إلى إعادة النظر في واقع الإرشاد التربوي داخل المؤسسات التعليمية، وضرورة توفير عدد كاف من المرشدين التربويين لتغطية حاجة جميع المراحل الدراسية، ولا سيما المتوسطة والإعدادية. كما تقترح الاستفادة من خريجي التخصصات النفسية والاجتماعية عبر التعاقد معهم في المرحلة الأولى لسد النقص الحاصل، الأمر الذي يمنحهم تجربة واقعية مهمة، وربما يمهد ذلك لتثبيتهم على الملاك الدائم، مؤكدة أن الإرشاد التربوي يشكل استثمارا مباشرا في بناء شخصية الطالب وحماية المجتمع مستقبلا.
ضرورة خلق بيئة آمنة وداعمة
أما منى جعفر، ناشطة في مجال التعليم، فتعتقد ان "واقع الصحة النفسية داخل المدارس ما يزال دون المستوى المطلوب، رغم أن الضغوط التي يتعرض لها الطلبة اليوم أصبحت أكبر وأكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق"، مبينهً ان "المدرسة لا تتعامل فقط مع طالب يبحث عن التعليم بل مع أطفال ومراهقين يواجهون تحديات اقتصادية وأسرية واجتماعية ونفسية، تنعكس بشكل مباشر على سلوكهم وقدرتهم على التعلم".
وأضافت جعفر لـ"طريق الشعب"، أن "الكثير من المشكلات التي تظهر داخل الصفوف، مثل العنف والتنمر والانطواء وضعف التركيز والتسرب الدراسي، يتم التعامل معها باعتبارها مشكلات سلوكية فقط، بينما تكون في كثير من الأحيان مؤشرات على أزمات نفسية تحتاج إلى متابعة متخصصة".
وأكدت ان "غياب آليات التشخيص المبكر يجعل هذه الحالات تتفاقم من دون تدخل فعال"، موضحة أن "ضعف الاهتمام بالصحة النفسية لا يرتبط فقط بنقص المرشدين التربويين أو الاختصاصيين النفسيين، بل أيضاً بغياب الوعي المجتمعي بأهمية هذا الملف. فما زالت الكثير من الأسر وحتى بعض المؤسسات التعليمية تنظر إلى المشكلات النفسية باعتبارها أموراً ثانوية أو حالات فردية يمكن تجاوزها، في حين أنها تؤثر بصورة مباشرة على التحصيل الدراسي والاستقرار الاجتماعي للطلبة".
وأكدت أن "الظروف التي مر بها العراق خلال السنوات الماضية، من أزمات اقتصادية ونزوح وصراعات وتراجع في بعض الخدمات الأساسية، تركت آثارا نفسية واضحة على شريحة واسعة من الأطفال واليافعين وهو ما يتطلب استجابة مؤسساتية، تتناسب مع حجم المشكلة، لا أن يترك الأمر لاجتهادات فردية داخل المدارس".
وشددت على أن "تعزيز الصحة النفسية في المؤسسات التعليمية يجب أن يبدأ بإعادة النظر في دور الإرشاد التربوي وتوفير كوادر متخصصة ومدربة، إلى جانب إدخال برامج توعوية تستهدف الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين على حد سواء".
وشددت بالقول على انه ينبغي خلق بيئة مدرسية آمنة وداعمة يشعر فيها الطالب بالثقة والاحترام والقدرة على التعبير عن مشكلاته من دون خوف أو وصمة، لأن نجاح العملية التعليمية لا يقاس بالدرجات وحدها، بل بقدرة المدرسة على بناء إنسان متوازن نفسياً وقادر على التعلم والتفاعل مع مجتمعه.
استقرار البيئة التعليمية مرهون بوجودهم
فيما تشير المعلمة سميرة الخفاجي إلى أن وجود المرشدة التربوية داخل المدرسة ينعكس بشكل واضح على استقرار البيئة التعليمية، مبينة أن المرشدة في مدرستها تتدخل في مختلف المشكلات التي يواجهها الطلبة، سواء كانت سلوكية أو اجتماعية أو نفسية، وتتمكن من حل العديد من القضايا قبل أن تتفاقم.
وتقول الخفاجي لـ"طريق الشعب"، إن نجاح المرشد أو المرشدة التربوية لا يعتمد على وجود العنوان الوظيفي فقط، بل يرتبط إلى حد كبير بشخصية المرشد ومدى اهتمامه بالطلبة وقدرته على بناء الثقة معهم والاستماع إلى مشكلاتهم.
وتضيف أن بعض المرشدين يمتلكون حضوراً مؤثراً داخل المدرسة، ما يجعل الطلبة يلجؤون إليهم لطلب المساعدة والمشورة، في حين يقتصر دور آخرين على الجوانب الإدارية.
وتنبه إلى أن أغلب المدارس الأهلية ما تزال تفتقر إلى وجود مرشدين تربويين أو اختصاصيين نفسيين بشكل فعلي، رغم أن طلبتها يواجهون التحديات نفسها الموجودة في المدارس الحكومية، ما يترك المعلمين والإدارات أمام مسؤوليات إضافية قد لا يمتلكون الأدوات الكافية للتعامل معها.
وتنوه الخفاجي بان تعزيز الاهتمام بالإرشاد التربوي والصحة النفسية داخل المدارس كافة يبدأ من خلال توفير كوادر متخصصة وتدريبها بشكل مستمر، فضلاً عن إشراك أولياء الأمور في متابعة الجوانب النفسية والسلوكية لأبنائهم، لأن معالجة المشكلات في مراحلها المبكرة تسهم في تحسين التحصيل الدراسي وبناء شخصية أكثر توازنا وثقة لدى الطلبة.
**********************************
الصفحة الخامسة
أغطية تُسرق وأخرى تتآكل المنهولات المفتوحة.. فخاخ مميتة تحت أقدام السابلة
متابعة – طريق الشعب
في شوارع بغداد ومدن أخرى، لا تكمن المخاطر دائما في تهوّر بعض سائقي المركبات والدرّاجات النارية، الذين يسيرون بسرعة جنونية. إذ كثيرا ما يكون الخطر تحت أقدام المارة مباشرة، بعد أن تحوّل العديد من فتحات الصرف الصحي وشبكات تصريف مياه الأمطار إلى مصائد مفتوحة تهدد حياة الأطفال والنساء وكبار السن.
ولم تعد تلك المخاطر مجرد احتمالات نظرية. إذ شهدت مدن عديدة خلال السنوات الأخيرة، حوادث متعددة سقط فيها أطفال وكبار داخل فتحات الصرف المكشوفة، انتهى بعضها إلى إصابات متفاوتة الخطورة، فيما أودت حوادث أخرى بحياة الضحايا، لا سيما خلال موسم الأمطار حين تغمر المياه الشوارع وتختفي ملامح الفتحات عن الأنظار. وقد أثارت تلك الحوادث موجات من الغضب والمطالبات الشعبية بإيجاد حلول جذرية للحد من تكرارها.
وتتعرض أغطية المنهولات إلى السرقة من قبل أشخاص يعملون في بيع الخردة لصالح شركات ومعامل تدوير، من أجل الحصول على أموال سهلة وسريعة.
ولا تقتصر المشكلة على سرقة الأغطية المعدنية بغرض بيعها كخردة، بل تمتد إلى أغطية قديمة ومتهالكة لم تعد قادرة على تحمّل الأوزان، فضلا عن رفع بعضها أثناء أعمال الصيانة أو تسليك الشبكات من قبل الجهات المتخصصة من دون إعادتها بسرعة. ويؤكد مواطنون ان بعض المنهولات تبقى مفتوحة لأيام أو أسابيع في الأحياء السكنية والشوارع العامة، ما يحوّلها إلى مصدر خطر دائم.
وأمام بطء المعالجات، يلجأ بعض الأهالي إلى وسائل بدائية لتحذير المارة والسائقين من مواقع الخطر، من خلال وضع أعمدة خشبية أو سعفات نخيل أو إطارات سيارات تالفة أو حتى أكياس نفايات فوق الفتحات المكشوفة. ورغم أن هذه الحلول المؤقتة قد تنبه المارة إلى وجود الخطر، إلا أنها لا توفر حماية حقيقية، خصوصا في الليل أو أثناء العواصف والأمطار.
ولا ينحصر خطر المنهولات المفتوحة على المشاة فقط. إذ تتسبب سنويا في أضرار مادية لعشرات المركبات والدراجات النارية. فالسقوط المفاجئ داخل منهولة مفتوحة أو متهالكة قد يؤدي إلى تحطم الإطارات وأنظمة التعليق، وأحيانا إلى حوادث مرورية نتيجة محاولات السائقين تفاديها بشكل مفاجئ.
انزلاق دون سابق إنذار!
يوم الخميس الماضي، وتحديدا في حي الجهاد غربي بغداد، سقط شاب في فتحة مجارٍ مكشوفة، بينما كان يمسك بشقيقه الصغير، ما عرّضهما إلى إصابات.
يقول الشاب، واسمه علي محمد: "اصطحبت أخي إلى مكان قريب من منزلنا لاشتري له بعض الحلوى وكنت أمسكه بيدي، ولم أشعر إلا بقدمي وقد انزلقت في فتحة الصرف الصحي المجرّدة من غطائها".
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "لحسن الحظ امسكت أخي بيدي بقوة لتفادي السقوط كليا في فتحة المجاري، ولم أصب إلا ببعض الخدوش البسيطة"، مؤكداً انه "تم أكثر من مرة وضع سدادة حديدية على هذه المنهولة القريبة من بيتنا لتفادي سقوط الأطفال، لكننا نتفاجأ كل مرة بسرقة غطاء الفتحة".
فيما تقول المواطنة أم نور، وهي من سكان المنطقة نفسها، أن "سرقة أغطية فتحات المجاري عمل مشين يصل إلى مستوى الجريمة، لأنه يُلحق أضرارا بالمواطنين"، مضيفة في حديث صحفي قولها: "لم أعد أسمح لأطفالي بالخروج واللعب بمفردهم خشية سقوطهم في فتحة الصرف القريبة من بيتنا".
وتشير إلى أن "الحلول التي يضعها الأهالي لغلق الفتحة غير ناجحة، بما في ذلك وضع غطاء حديدي فوقها وصبه بالاسمنت، لأن ضعاف النفوس يقومون بسرقة الغطاء في اليوم التالي".
تصاعد سرقات الأغطية
من جانبها، تؤكد أمانة بغداد زيادة حالات سرقة أغطية المنهولات في الشوارع والأزقة، بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة.
ويقول المتحدث باسم الأمانة عدي الجنديل، أن "الأمانة تنسق مع القوات الأمنية لمتابعة هذا الموضوع ومطاردة عصابات سرقة أغطية المنهولات من خلال عمل كمائن لهم وإلقاء القبض عليهم".
ويوضح في حديث صحفي أن "سرقة هذه الأغطية قضية من القضايا العامة التي تسبب ضرراً في الشوارع وتشكل خطرا على الأهالي"، لافتا إلى أن "أمانة بغداد تقوم بتعويض الأغطية المسروقة، وتبذل جهودا للحد من عمليات السرقة، بالتنسيق مع القوات الأمنية".
ويلفت الجنديل إلى انه "تم وضع سيطرات ونقاط تفتيش في أطراف العاصمة لمتابعة السراق والعصابات. وقد تم القبض على عدد من هؤلاء، واتخذت بحقهم الإجراءات القانونية"، مشيراً إلى "استمرار هذه السرقات بسبب تعامل أصحاب معامل الصهر التي تقع خارج بغداد مع السراق. حيث يشترون منهم الأغطية التي هي ممتلكات عامة يجب الحفاظ عليها".
ويشدد على "ضرورة أن يقوم المواطنون بإبلاغ وزارة الداخلية عبر الاتصال بالرقم 911 في حال مشاهدة أي حالة تتعلق بسرقة أغطية المنهولات".
جزء من المشهد اليومي
في السياق، يقول المواطن زياد الكرخي، أن المنهولات المفتوحة أصبحت جزءا من المشهد اليومي في بعض المناطق، لدرجة أن الأهالي صاروا يعرفون مواقعها ويحذرون أطفالهم منها باستمرار".
ويضيف في حديث صحفي قوله أن "المشكلة تبدأ عندما يمر شخص غريب أو طفل لا يعرف المنطقة، أو عندما تغمر مياه الأمطار الشوارع فتختفي الفتحات تماما"، مشيرا إلى أن "هناك تقصيرا من قبل بعض الدوائر المعنية، التي لا تُسارع إلى معالجة المنهولات المفتوحة، رغم شكاوى المواطنين".
أما سائق الأجرة أحمد جاسم، فيقول أن "المنهولات المتآكلة أو المفتوحة لا تقل خطورة عن الحفر الكبيرة في الشوارع"، مبينا أن "عددا من السائقين تعرضوا لخسائر مالية بسبب تضرر مركباتهم بعد السقوط فيها، خصوصا في المناطق التي تعاني ضعف الإنارة ليلا".
إلى ذلك، يرى مراقبون أن استمرار الظاهرة لا يرتبط فقط بعمليات السرقة، بل يكشف أيضا عن خلل في إجراءات المتابعة والصيانة الدورية للبنى التحتية. إذ يفترض أن تكون هناك جولات تفتيش منتظمة لرصد المنهولات المتضررة واستبدالها سريعا، إلى جانب تشديد الرقابة والملاحقة على تجارة الخردة والمعامل التي تستقبل الأغطية المسروقة.
********************************
في الشعلة.. مطالبات بصيانة شارع متضرر
متابعة – طريق الشعب
طالب عدد من أهالي المحلة 440 في مدينة الشعلة ببغداد، الجهات المعنية، بالإسراع في معالجة الحفر والتخسفات المنتشرة عند مدخل "شارع 20" من جهة مدينة الكاظمية، مبيّنين في حديث صحفي أن هذه المشكلة تسببت في عرقلة حركة المرور وتضرر الكثير من المركبات.
ولفتوا إلى انهم سبق أن قدموا شكاوى إلى البلدية بشأن تدهور الشارع، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة دون حلول ملموسة، رغم أهمية الطريق.
وطالب الأهالي بإجراء أعمال ترميم عاجلة أو إعادة تبليط الشارع بشكل كامل.
********************************
حرق مطمر النفايات يخنق أهالي حي النصر
متابعة – طريق الشعب
اشتكى عدد من أهالي حي النصر التابع إلى قضاء الزوراء (المعامل) في بغداد، من أضرار بيئية وصحية ناجمة عن وجود مطمر نفايات بالقرب من التجمعات السكنية، مؤكدين أن الموقع بات مصدر قلق دائم للسكان بسبب الروائح الكريهة والتلوث المتصاعد.
وأوضحوا في حديث صحفي ان المطمر يشهد تراكم كميات كبيرة من النفايات، ما يؤدي إلى تصاعد الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات والقوارض، فضلاً عن تشويه المشهد العام للمنطقة والتأثير على صحة السكان، لا سيما الأطفال وكبار السن.
وأضاف الأهالي أن المشكلة لا تقتصر على وجود النفايات فقط، بل تتفاقم بسبب قيام بعض الأشخاص بإحراق أجزاء من المطمر أثناء البحث عن معادن ومواد قابلة للبيع وإعادة التدوير، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد سحب من الدخان والغازات الملوثة فوق الأحياء السكنية.
وأشاروا إلى أن استمرار عمليات الحرق العشوائي تسبب في انتشار أمراض خطيرة بين بعض السكان، مطالبين الجهات المتخصصة باتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة المطمر ومنع عمليات الحرق وتأمين بدائل أكثر أمانا للتعامل مع النفايات حفاظا على الصحة العامة والبيئة.
*********************************
سوق عشوائي يغلق شارع محلة بغدادية
متابعة – طريق الشعب
شكا عدد من أهالي المحلة 333 في مدينة الشعب، من أضرار ناجمة عن سوق عشوائي مُقام في المحلة، قرب الزقاقين 54 و56، مبينين أن السوق تسبب في إغلاق الشارع وخلق مشكلات خدمية.
وأوضحوا في حديث صحفي، أن السوق يطرح يوميا أكوام نفايات أصبحت ملاذا للقوارض والحشرات، مطالبين الجهات المعنية بالتدخل لإزالة هذا التجاوز، وإيجاد بدائل نظامية للبائعين، فضلا عن الاهتمام بالواقع الخدمي للمنطقة.
***********************************
أهالي حي القضاة البغدادي يطالبون بمساحات خضراء
متابعة – طريق الشعب
طالب عدد من أهالي حي القضاة التابع إلى منطقة بغداد الجديدة، الجهات المعنية، بتأهيل الجزرات الوسطية والأرصفة في المحلة 701 والزقاقين 36 و37، مع تشجيرها وتطوير المساحات المفتوحة والحدائق المحاذية للطريق السريع، بما يساهم في تحسين الواقعين البيئي والخدمي للمنطقة.
وأوضحوا في حديث صحفي أن المنطقة تعاني نقصا واضحا في المساحات الخضراء والمتنزهات العامة، ما يحرم العائلات والشباب من متنفس مناسب للترفيه وممارسة الأنشطة اليومية، مؤكدين أن تشجير هذه المواقع سيحسن المظهر الحضري ويساهم في خفض آثار التلوث والغبار.
واقترح الأهالي إنشاء ممشى نموذجي داخل المساحات الممتدة من حي القضاة وصولا إلى منطقة الألف دار، مع غرس الأشجار وتوفير ممرات مخصصة للمشاة، بما يجعل المنطقة وجهة ترفيهية وخدمية لسكان الأحياء المجاورة.
وأشاروا إلى أن استثمار هذه الأراضي بالتشجير والتطوير سيحافظ على جمالية المكان ويمنع التجاوزات والعشوائيات مستقبلا، مطالبين الجهات المتخصصة بإدراج المشروع ضمن خططها الخدمية والبيئية لما له من أثر إيجابي على جودة الحياة في المنطقة.
***************************
مواساة
• ببالغ الحزن، تعزي اللجنة المحلية للمثقفين في الحزب الشيوعي العراقي الرفيق قاسم خضير سلمان، سكرتير هيئة المهندسين، بوفاة شقيقه الرفيق د. ماهر خضير سلمان، بعد صراع مع مرض عضال لم يمهله طويلا.
كان الراحل أحد الكوادر الطلابية البارزة في بغداد خلال فترة السبعينيات، وسكرتير فرع جمعية الطلبة العراقيين في مدينة دبرتسن، ونائب سكرتير منظمة الحزب في هنغاريا.
برحيله فقد الحزب رفيقاً مناضلاً كرس حياته لخدمة قضايا شعبه وحزبه.
أحر التعازي إلى جميع أفراد عائلته الكريمة ورفاقه وأصدقائه.. لهم الصبر والسلوان، وللفقيد الذكر العاطر.
• تتقدم اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في الديوانية ومعها اللجنة الأساسية في الشامية، بالتعازي والمواساة إلى الرفيق رشيد محمد، بوفاة ولده ضرغام.
كما تعزي المحلية في هذا المصاب، الرفيق أسعد حبيب (ابو علاء)، خال الفقيد.
له الذكر الطيب ولعائلته وذويه الصبر والسلوان.
***********************************
الصفحة السادسة
الفصائل تبحث مقاربة عملية لتسليم السلاح لجهة فلسطينية
رام الله – وكالات
تواصل الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس، اجتماعاتها في مدينة العلمين المصرية، لنقاش ورقة مقدمة تحت عنوان "خريطة طريق لإتمام تنفيذ خطة ترامب الشاملة للسلام في غزة"، تتضمن 15 بنداً، لاستكمال تنفيذ اتفاق شرم الشيخ في 9 تشرين الأول 2025.
وتركزت الاجتماعات في اليومين الماضيين على إيجاد مقاربة لنقطة تسليم السلاح توافق عليها الفصائل الفلسطينية، وينطلق منها الوسطاء للضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها. وتقوم هذه المقاربة على تسليم تدريجي بشكل متوازٍ للسلاح الثقيل والقديم لدى المقاومة لجهة فلسطينية، مقابل قيام إسرائيل بجملة من الخطوات تنفذ من خلالها التزاماتها في اتفاق وقف إطلاق النار، وتلتزم بحل المليشيات المسلحة وتوقف الاغتيالات والحرب في قطاع غزة.
وبينما أكد مصدر من الفصائل الفلسطينية أن الورقة التي يتم بحثها في الاجتماعات مقدمة من المدير التنفيذي لـ "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف في الدرجة الأولى، أوضح أن هذه الورقة خضعت لتعديلات مصرية، وافقت عليها الفصائل الفلسطينية باستثناء البند الثامن المتعلق بتسليم سلاح المقاومة، حيث عكفت هذه الفصائل خلال اجتماعاتها، وتحديداً مع الجانب المصري، على تقديم مقاربة بشأن تسليم السلاح لا تفجّر اتفاق وقف إطلاق النار، ومن شأنها أن تنقل جميع الأطراف إلى المرحلة الثانية منه.
******************************
كوبا: مستعدون للحوار أو المواجهة مع واشنطن
هافانا – وكالات
أكّد سفير كوبا لدى الأمم المتحدة، أرنستو سوبيرون غوزمان، أن بلاده لا تواجه مجرد حصار اعتيادي، بل تتعرض لـ "حرب اقتصادية" ممنهجة مستمرة منذ نحو 67 عاماً، مشدداً في الوقت ذاته على جاهزية هافانا التامة لجميع الاحتمالات، سواء بالانخراط في حوار قائم على الندّية والاحترام، أو بالثبات والمواجهة في حال تعرضها لأي عدوان.
وفي مقابلة خاصة مع شبكة "الميادين"، استعرض غوزمان المآل العصيب للوضع الإنساني في كوبا نتيجة الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطلع هذا العام، كاشفاً عن أزمة طاقة حادة تضرب البلاد؛ حيث لم تتلقَ كوبا سوى ناقلة نفط واحدة من روسيا كـ "مساعدات إنسانية" في نهاية آذار الماضي، في وقت يحتاج البلد إلى 8 ناقلات شهرياً ليعمل بشكل طبيعي. وأوضح السفير الكوبي أن غياب الوقود شلّ حركة الآلات، ما أثّر مباشرة في إنتاج الغذاء، والوصول إلى المياه النظيفة، محذراً: "من دون النفط لا مجال لاستخدام الآلات، إن لم نتمكن من تصنيع وإنتاج الأغذية اليوم، فلا مجال لنا لنقتات غداً".
وفي ختام حديثه، شدد غوزمان على أن هافانا لن تساوم على سيادتها أو تفرط في هويتها السياسية تحت وطأة الضغوط، قائلاً: "لا يمكن لكوبا أن تبدل مبادئها، وأن تغير سياساتها الخارجية، ولن نغير النظام السياسي لمجرد أنه لا يعجب بلداً هنا أو هناك".
**********************************
الرئيس الصيني يصل إلى كوريا الشمالية ويشيد بصداقة {لا تقهر}
بكين – وكالات
وصل شي جينبينغ إلى كوريا الشمالية الإثنين في زيارة تستغرق يومين، وهي الأولى لرئيس صيني منذ سبع سنوات، وفق ما أفادت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) الرسمية. وتعد الصين داعماً دبلوماسياً واقتصادياً وسياسياً رئيساً لكوريا الشمالية التي تخضع لعقوبات من الأمم المتحدة تحظر عليها تطوير الأسلحة النووية واستخدام تكنولوجيا الصواريخ الباليستية. وأشاد الرئيس الصيني الذي يزور كوريا الشمالية، حيث من المقرر أن يلتقي زعيمها كيم جونغ أون، بالصداقة "التي لا تُقهر" بين هذين البلدين الحليفين. وكتب شي في مقال في الصفحة الأولى لصحيفة "رودونغ سينمون"، وهي صحيفة الحزب الحاكم في بيونغ يانغ، "مهما تغيرت الظروف أو تطورت الأوضاع الدولية، فإن الصداقة التقليدية بين الصين وكوريا الشمالية ستبقى راسخة لا تُقهر".
وهذه أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس صيني إلى بيونغ يانغ منذ عام 2019. وستستمر حتى الثلاثاء وتأتي مع تعثر المحادثات بين بيونغ يانغ وواشنطن في شأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية.
******************************************
{آن الأوان لوضع حدّ لهذه الحرب}
إيران توقف عملياتها ضد إسرائيل وتضع شرطاً لاستئنافها.. وترامب يتمسك بالتفاوض
طهران – وكالات
بعد قرابة شهرين من الهدنة الهشة، خرجت إيران عن صمتها الاستراتيجي، ليلة أمس الأحد، بموجة صواريخ متتالية على إسرائيل ردا على استهدافها ضاحية بيروت الجنوبية، وهو ما سبق واعتبرته طهران خطا أحمر، لكن إيران عادت وأعلنت وقف عملياتها ضد إسرائيل.
اللافت في التصعيد الأخير أنه جاء متزامنا مع وصول رسالة أمريكية "رفيعة المستوى" إلى طهران عبر الوسيط الباكستاني، ورجح مراقبون في إيران أن الهجوم الإسرائيلي على الضاحية لم ينفصل عن مضمون الرسالة، بل حصل على "ضوء أخضر" من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وفي هذا التزامن تكمن الرسالة الإيرانية التي تلقت المبادرة الدبلوماسية والضربة العسكرية في آن واحد، فاختارت أن ترد عليهما معا، لتقول لواشنطن وتل أبيب – وفق مراقبين – إن لغة الرسائل والمفاوضات لا يمكن أن تسير في مسار منفصل عن لغة النار، وإن الردع الإيراني ليس مرهونا بجدول الدبلوماسية ولا بتوقيت الوسطاء.
رد مؤلم
في الاثناء، اعنت قيادة مقر خاتم الأنبياء وقف العمليات ضد اسرائيل، مؤكدة "توجيه ردٍّ مؤلم إلى الكيان.
وأضاف، انه "على إثر اعتداءات وشرور الكيان الصهيوني الوحشي في جنوب لبنان ومنطقة الضاحية، والتي جرت بدعم من الولايات المتحدة، قامت القوات المسلحة الإيرانية، دعماً للشعب اللبناني المظلوم، بتوجيه رد مؤلم لهذا الكيان".
واشارت القيادة، إلى ان "على الكيان الصهيوني وحماته أن يتخذوا من الرد الإيراني عبرة"، لافتة إلى أنه "في حال استمرار الاعتداءات والشرور، بما في ذلك في جنوب لبنان، فإن إجراءات أشد وأقسى من السابق ستكون في الطريق".
لن تؤثر بالاتفاق
قبل ذلك، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إسرائيل وإيران بوقف إطلاق النار فوراً، في أحدث محاولة لاحتواء أخطر تصعيد منذ بدء الهدنة في 8 نيسان، بعدما تبادل الجانبان الضربات وهدد الحوثيون في اليمن بتعطيل الملاحة في البحر الأحمر.
وقال ترامب، في منشور على منصته "تروث سوشال": "على إسرائيل وإيران وقف إطلاق النار فوراً"، وذلك بعدما قالت إسرائيل إنها ضربت مجمعاً للبتروكيماويات في جنوب غربي إيران وأهدافاً عسكرية أخرى، رداً على إطلاق صواريخ من طهران.
وجاء التصعيد بعد قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت، الأحد، رغم طلب أمريكي سابق بالتراجع عن التصعيد. وقال ترامب، في حديث لشبكة "فوكس نيوز"، إنه "غير سعيد" بالضربات الإسرائيلية على بيروت"، وإنه "سيطلب من نتنياهو عدم الرد على إيران".
وأكد ترامب أن الضربات الإيرانية لن تغيّر رغبته في إنجاز المفاوضات الأمريكية - الإيرانية، قائلاً إنها "لن يكون لها أي تأثير على الاتفاق". وأضاف: "قد ينجح الاتفاق بفضل مضمونه، أو لا ينجح، لكن هذا لن يؤثر عليه بأي شكل من الأشكال".
زيادة الشكوك وانعدام الثقة
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أن الهجمات الإسرائيلية على بيروت وإيران تُنفذ "بتنسيق كامل" مع الولايات المتحدة، قائلا إنه "لا أحد يصدّق أنها تتم من دون التنسيق معها"، وموضحا أن التطورات خلال الساعات 24 الماضية "ستزيد من الاضطراب القائم في المسار الدبلوماسي".
وفي ما يتعلق بتداعيات هذه المواجهة على العملية الدبلوماسية والمفاوضات مع الولايات المتحدة بواسطة باكستان، قال بقائي في مؤتمره الصحفي إن التوترات ستؤدي بالتأكيد إلى زيادة الشكوك وانعدام الثقة، موضحا أن تبادل الرسائل مع الجانب الأمريكي كان يتم أصلا في أجواء من انعدام الثقة الشديد.
وأضاف بقائي أنه من الواضح أن تحركات الجيش الإسرائيلي في المنطقة لا يمكن فصلها عن السياسات الأميركية، مشيراً إلى أن "اضطراب المسار الدبلوماسي" يعود إلى "التناقضات" في المواقف الأمريكية حتى الآن، إلى جانب التصرفات والبيانات التي وصفها بأنها "مربكة". وحذر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية من شن هجمات باسم إيران في المنطقة، مؤكدا أن القوات المسلحة الإيرانية تتبنى الهجمات التي تقوم بها.
وردّاً على التصريحات الأمريكية التي نفت أي دور للولايات المتحدة في الهجمات الإسرائيلية، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن بلاده، "رغم الادعاءات الأمريكية، على اطلاع بأن القيادة المركزية الأمريكية تنسّق بالكامل مع الجيش الإسرائيلي في مجالي الدفاع والهجوم".
وأوضح بقائي أن الإدارة الأمريكية، بصفتها طرف وقف إطلاق النار المعلن في الثامن من نيسان الماضي، تتحمل مسؤولية مباشرة، سواء من خلال الهجمات على السفن التجارية الإيرانية، أو استهداف المناطق الجنوبية في البلاد، أو عبر ما يقوم به الجيش الإسرائيلي في لبنان، وبـ "التواطؤ" مع الولايات المتحدة. وأضاف أن واشنطن ستتحمل أيضاً تداعيات أي تصعيد إضافي.
فتح مضيق هرمز
دعت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إيران وإسرائيل إلى التهدئة، مؤكدة مرة أخرى ضرورة وقف الحرب وفتح مضيق هرمز.
وقالت كالاس خلال اجتماع غير رسمي لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي: "شهدنا ليلا تصعيدا آخر للوضع. أعتقد أن المنطقة لا تحتاج إلى تصعيد، بل يجب على الأطراف الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق".
وفي حديثها عن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، صرحت كالاس بأن الأطراف يجب أن تتوصل إلى تسوية دبلوماسية للمسألة.
وقالت كالاس: "نحن على اتصال مع كلا الجانبين لنبلغهما بأن وقف إطلاق النار الآن مهم للغاية. أي أنه في هذه اللحظة، من الضروري وقف الحرب وفتح مضيق هرمز، ثم استخدام هذا الوقت لإجراء مفاوضات طويلة الأجل حول قضايا معقدة مثل القضية النووية، بالإضافة إلى مواضيع مهمة أخرى. لكن قدراتنا محدودة، ولذلك نحاول قدر الإمكان نقل هذه الرسائل".
من جانبه، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان جميع الأطراف إلى ضبط النفس.
وأضاف أنه من الضروري أن تغتنم الأطراف -لا سيما إيران والولايات المتحدة- هذه الفرصة، مشيرا إلى أن هذه الحرب استمرت طويلا أكثر مما ينبغي.
وقال: "آن الأوان لوضع حدّ لهذه الحرب".
**********************************
توجيه اتهامات خطيرة لتركيا بتهديد حياة 3 وزراء دفاع أوروبيين
أثينا – وكالات
اتهمت تقارير إعلامية يونانية تركيا بـ "قطع الاتصالات" عن طائرة عسكرية كانت تقل وزير الدفاع اليوناني، ووزيري دفاع فرنسا وهولندا في أجواء قبرص. ووفقا لموقع "كاثيميريني" اليوناني، فإن الحادثة تعلقت بطائرة عسكرية كانت تقل وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس، وكذلك طائرة أخرى كانت تقل وزيري دفاع فرنسا وهولندا. وذكرت التقارير أن المراقبين الأتراك الذين يعملون من مطار إرجان في الجزء الشمالي من قبرص، قاموا بقطع الاتصالات مع الطائرة التي تقل المسؤولين الأوروبيين. كما تردد أن مقاتلتين تركيتين من طراز "إف 16" أقلعتا من المنطقة وتعقبتا هذه الطائرة الحكومية أثناء اقترابها من قبرص، مع الحفاظ على مسافة أمان منها. ووقع هذا الحادث قبل ساعات قليلة من توقيع كل من قبرص وفرنسا على اتفاقية وضع القوات، وذلك اليوم الاثنين. وتعد هذه الاتفاقية بمثابة تعاون دفاعي يرسي الإطار القانوني الذي ينظم تواجد الأفراد العسكريين الفرنسيين في الجزيرة.
***********************************
في ألبانيا.. استمرار الاحتجاجات ضد مشاريع بيع البلاد
عادل محمد
لليوم السادس على التوالي استمرت، السبت الفائت، احتجاجات عشرات الآلاف من الألبان، ضد منتجع فاخر يخطط له مقربون من عائلة الرئيس الأمريكي. وقد تحول هذا الاحتجاج البيئي إلى حركة مناهضة لرئيس الوزراء إيدي راما.
وتجري الاحتجاجات تحت شعارات، "افيانكا عودي إلى بلدك" و "ألبانيا ليست للبيع"، لإلغاء مشروع بناء منتجع فاخر من قبل شركة الاستثمار الأمريكية التابعة لابنة الرئيس الأمريكي افيانكا وزوجها كوشنر، قطب العقارات المعروف. تشمل منطقة المشروع جزيرة سازان، أكبر جزر البلاد، وهي غير مأهولة بالسكان ومنطقة عسكرية محظورة منذ عقود، بالإضافة إلى مئات الهكتارات من محمية فيوسا-نارتا، وهي منطقة رطبة ساحلية حساسة تضم فقمات ومواقع تعشيش للسلاحف البحرية وطيور "الفلامنغو".
لقد أصبحت طيور الفلامنغو، رمزًا للاحتجاجات الجماهيرية: يتجمع المتظاهرون في ساحة سكاندر بك في العاصمة تيرانا، ويسيرون إلى مقر الحكومة حاملين مجسمات كرتونية لطيور الفلامنجو. وما بدأ كانتفاضة ضد بيع البلاد، تحول منذ زمن بعيد إلى حركة مناهضة للحكومة، او ما يعرف بـ "ثورة الفلامنجو".
خلفية الاحتجاجات
اندلعت الاحتجاجات إثر انتشار فيديو. ففي 30 أيار الفائت، قام منتسبو شركة أمنية خاصة، يرتدون قمصانًا سوداء دون أي علامات تعريفية، بأسقاط أحد المتظاهرين أرضا وضربه، بينما ظلت شرطة الحكومة مكتوفة الأيدي واستخدمت الغاز المسيل للدموع . لقد حوّلت الصور، التي انتشرت على نطاق واسع، نزاعًا محليًا إلى أزمة وطنية. وفي أعقاب أعمال العنف، سُحبت تراخيص شركتين أمنيتين، وأُلقي القبض على أحد منتسبيها، واحتُجز 15 متظاهرًا، ودعا وزير الداخلية نفسه إلى معاقبة المسؤولين بسرعة.
تتولى شركة "زفيرنيك ساوث أدرياتيك ديفيلوبمنت"، المسجلة في هولندا كصندوق استئماني خارجي، إدارة موقع البناء، مع مالكين مستفيدين مجهولين. وتتحدث تقارير إعلامية إلى ان المشروع يعود أساسا لشركة "أفينتن" العائدة لكوشنر ولم تُنشر أي تراخيص أو تقييمات للأثر البيئي. ولا يزال حجم الاستثمار في المشروع غير واضح: تشير بعض المصادر إلى حوالي 1,6 مليار يورو، بينما تُشير تقديرات أخرى إلى 4 مليار يورو - لمجمع يضم قرابة 10 آلاف غرفة، ويشمل أيضاً جزيرة زفيرنيك الصغيرة في بحيرة نارتا.
وتعود بداية القصة إلى فترة سابقة: ففي وقت مبكر من عام 2024، انتشرت تقارير عن خطط صندوق كوشنر، أفينيتي بارتنرز، "لتطوير" منتجعات على سواحل ألبانيا برأس مال خليجي واستثمارات إسرائيلية. لم يُثبت بعد وجود دور إسرائيلي في مشروع جزيرة زفيرنيك، لكن رئيس الوزراء الالباني راما مُنح أعلى وسام مدني في دولة الاحتلال من قبل رئيسها إسحاق هرتسوغ في نيسان 2025 .
مطالب المحتجين
من بين المطالب "غير القابلة للتفاوض" للمتظاهرين استقالة حكومة راما وإلغاء الوضع الخاص للمستثمرين الاستراتيجيين، وما يرتبط به من معاملة تفضيلية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والزراعة والسياحة. كما يطالبون بإلغاء ما يُسمى "حزمة الجبال" التي تُسهّل مشاريع البناء في المناطق النائية، وإلغاء التعديلات التي أُدخلت على القوانين المتعلقة بالمناطق المحمية والتراث الثقافي.
ومن أهم التداعيات القانونية، فتح مكتب المدعي العام الخاص بمكافحة الفساد والجريمة المنظمة تحقيقًا في قضية زفيرنيك. ويحقق المكتب في خطط تغيير وضع المنطقة وعمليات شراء الأراضي المشبوهة التي قامت بها شبكة من الشركات والأفراد.
من جانبه، تهرب رئيس الوزراء راما من الاستجابة لمطالب المحتجين، وظلّ متمسكاً بالمشروع. وأعلن أنه يمكن "إلغاؤه" بمجرد توفر الوثائق اللازمة، ووصف الاحتجاجات بأنها لا أساس لها من الصحة. وفي الوقت نفسه، روّج لرواية التدخل اليوناني: فقد عُرضت على التلفزيون صورة منتجة بالذكاء الاصطناعي لحافلات تحمل أعلاماً يونانية كدليل مزعوم على ارتباط الاحتجاجات باليونان، على الرغم من أن تحقيق النيابة نفى صراحةً وجود مثل هذه "الحافلات اليونانية".
وبدا التوتر واضحاً الأربعاء الفائت، عندما اخترق المتظاهرون في تيرانا طوقاً أمنياً فرضته الشرطة، وكانت الحواجز نفسها قد نُصبت خصيصاً لمباراة كرة قدم ي أقيمت مساءً بين منتخب ألبانيا ومنتخب الكيان الصهيوني. وقد عمق الحدث ٌ، في ظل أجواء، التوتر، البعد السياسي للاحتجاجات التي تواصلت لاحقا.
يرفض الألبان بوضوح مشاريع بيع بلادهم لمراكز الهيمنة الرأسمالية، ترى ماذا سيكون الرد في العراق، في سياق التطورات الجارية، ارتباطا بالمتغيرات الدولية والإقليمية، على ملامح مشروع بديل يقوده رأس المال التجاري مباشرة، لبيع قدرات البلاد الاقتصادية للولايات المتحدة الامريكية وشركائها في المنطقة؟
**************************************
الصفحة السابعة
اليسار البوليفي.. من الهزيمة المدوية إلى نهوض جديد
رشيد غويلب
في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في بوليفيا في 17 آب 2025، منى حزب "الحركة من أجل الاشتراكية" اليساري، الذي حكم بوليفيا وحاز على الأكثرية المطلقة في جميع الانتخابات السابقة، منذ فوز ايفو موراليس، كأول رئيس من سكان البلاد الأصليين بالانتخابات الرئاسية في 18 كانون الأول 2005. لقد كانت هزيمة قاسية جدا فلم يصل أفضل مرشحي اليسار إلى 9 في المائة من الأصوات وخرجوا، منذ جولة الانتخابات الأولى، جميعا بخفي حنين. وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في اليوم نفسه، فقد اليسار تمثيله الكامل في البرلمان الجديد.
لماذا خسر اليسار؟
في مواجهة الأزمة الاقتصادية، التي فشلت حكومة آرسي في إيجاد حل لها، والصراع العنيف على السلطة بين الرئيس الأسبق إيفو موراليس وتلميذه السابق، عاقب نفس القادة الذين انتصروا على مدبري الانقلاب في عام 2020 اليسار بأكمله. لقد حقق إيفو موراليس ولويس آرسي ما سعت إليه القوى المحافظة عبثًا طيلة عشرين عامًا. لقد دمرا اليسار وأفقدا "حركة من أجل الاشتراكية" أهميتها.
ومنذ تولي إيفو موراليس مهام منصبه، شُنّت حملة مُمنهجة لإضعافه. تهتم الشركات فوق القومية بالليثيوم والمعادن الأرضية النادرة. وظهرت تهديدات بحرب أهلية، وإعلانات انفصالية من قِبل مقاطعات الأراضي المنخفضة، وفي نهاية المطاف، انقلاب اليمين ضد موراليس عام ٢٠١٩، بدعم العسكر وهروبه إلى الارجنتين، ثم عودة اليسار بعد أقل من عام، في الانتخابات التالية عام ٢٠٢٠.
في تحليل سريع لنتائج الانتخابات، كتب نائب الرئيس السابق في حكومة إيفو موراليس، والمسؤول في الـ 14 عاما الاولى عن رسم الاستراتيجية السياسية للحكومة، وكذلك وضع الأسس النظرية للحزب الحاكم "حركة من أجل الاشتراكية"، ألفارو غارسيا لينيرا:
"لا يخسر اليسار والتقدميون في الحكومة الانتخابات بسبب متصيدي وسائل التواصل الاجتماعي، ولا لأن اليمين أكثر عنفًا، ولا لأن المستفيدين من السياسات الاجتماعية جاحدون للجميل. ومن يدّعي أن هزيمة اليسار تعود إلى "جحود" القطاعات التي استفادت منه سابقًا، يتناسى أن الحقوق الاجتماعية لم تكن يومًا عملًا خيريًا حكوميًا، بل كانت مكاسب اجتماعية تحققت في النضال والنزول إلى الشوارع وبالتصويت. لكل هذه الأسباب، ودون أي عذر، تخسر أي حكومة تقدمية أو يسارية الانتخابات اولا بسبب أخطائها السياسية. وهذه الأخطاء قد تكون كثيرة. لكن هناك خطأ واحد يجمعها: الفشل في إدارة الاقتصاد باتخاذ قرارات تؤثر على جيوب الغالبية العظمى من مؤيديها ".
كان الخطأ الجوهري هو الخضوع لمنطق الدولة. فبمجرد تولي اليسار السلطة، توقفت الحركة عن التفكير النقدي. لم نختبر حدود الممكن. كان بالإمكان المضي قدمًا: فرض ضرائب على الثروات الطائلة، وتنظيم القطاع الزراعي، وفرض قيود على البنوك الخاصة. لكنهم لم يعززوا جذرية سياساتهم. وأفسد الارتباط الوثيق بالدولة الحركات الاجتماعية نفسها: فقد تحول قادة نقابيون إلى انتهازيين يسعون وراء المقاعد البرلمانية. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك قصور في التثقيف السياسي، لأن المعرفة النظرية دون ممارسة نقدية تظل غير فعالة.
انتفاضة شعبية غير مسبوقة
استطاع اليمين العودة للسلطة، لكنه لا يملك أي مشروع حديث؛ إنما يسعى فقط إلى إعادة إحياء الليبرالية الجديدة وملاحقة قيادات حزب الحركة من أجل الاشتراكية قضائيا. وهذا ليس برنامجًا سياسيًا، بل مشروع انتقام. لم تكتسب الأوليغارشية الزراعية، ولا سيما كبار ملاك الأراضي في منطقة سانتا كروز، ثرواتهم بجهودهم الذاتية، بل من خلال الديكتاتوريات العسكرية التي توالت على حكم البلاد، والأراضي الممنوحة، والقروض الملغية، والإعانات الحكومية. إنهم يعيشون على حساب الدولة، ومع ذلك ينكرونها، ويتصرفون بعقلية ما قبل الحداثة، تكاد تكون ما قبل الرأسمالية، خالية من المصالح الطبقية طويلة الأمد. أيديولوجيًا، استند انقلاب 2019 إلى حملة دعائية موجهة ضد الرئيس اليساري الاسبق إيفو موراليس والمخاوف الدينية، والتي حشدت الفئات الوسطى الحضرية. لم يكن استخدام رئيسة الانقلاب جانين آنييز، التي حوكمت لاحقا، للكتاب المقدس مصادفة، بل كان جزءًا من هذا الخطاب الرجعي. لذلك بدأ هذا التحالف، الذي يجمعه كره حزب الحركة من أجل الاشتراكية، بالتفكك.
ولم يكن غريبا ان تندلع انتفاضة شعبية بعد ستة أشهر من تنصيب الرئيس الليبرالي الجديد رودريغو باز، نتيجة لتفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بوليفيا. ومع بدء إضراب عام مفتوح، يواجه البلد تصعيدًا في الصراع الاجتماعي. ودعت "الرابطة العمالية البوليفية المركزية" القوية، وهي اتحاد عمالي جامع يمثل قرابة مليوني عامل في الصناعة والقطاع العام والتعدين، إلى إضرابات عن العمل وتعبئة على مستوى البلاد. وبالتعاون مع منظمات السكان الأصليين وجمعيات المزارعين ونقابات المعلمين والنقل، وبدعم ملموس من أنصار الرئيس اليساري الأسبق موراليس وأوساط يسارية أخرى. لقد شلّ هذا التحالف الاحتجاجي أجزاءً كبيرة من البلاد.
يقاوم العمال هجومًا تشنّه الحكومة اليمينية. ويسعى الرئيس اليميني باز، الذي يتولى منصبه منذ تشرين الثاني 2025، إلى خصخصة الشركات المملوكة للدولة، و"اصلاح" قانون العمل، وفرض "إصلاح ضريبي" يضرّ بالشركات الصغيرة والفقراء. وردًا على ذلك، يطالب العمال، من بين أمور أخرى، بزيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 20 في المئة، ورفع المعاشات التقاعدية إلى 100 في المئة من متوسط الأجر، وحماية الشركات المملوكة للدولة من المزيد من الخصخصة، وإلغاء قانون زراعي مثير للجدل، يُسهّل، وفقًا لمجتمعات السكان الأصليين، على كبار مُلّاك الأراضي الوصول إلى الأراضي ويقوّض حقوق الملكية الجماعية. ومن بين المطالب الأخرى خفض رواتب كبار موظفي القطاع العام بشكل كبير. وقد أعلن الأمين العام لاتحاد العمال، ماريو أرغولو، أن الشعب سيطالب باستقالة رودريغو باز إذا تجاهل هذه المطالب. وهذا ما يحدث هذه الأيام.
وبسبب عدم تنفيذ مطالب المنتفضين. واصلت النقابات والحركات الاجتماعية حصاراتها ومظاهراتها ضد العودة لسياسات الليبرالية الجديدة، دون هوادة، على الرغم من القمع والتدخل من الولايات المتحدة والأرجنتين إلى جانب الحكومة اليمينية المتطرفة.
لقد تم قتل أحد المنتفضين أثناء مقاومته لمحاولات الشرطة والجيش فك الحصار. وفي العملية التي أُطلق عليها اسم "الممر الإنساني"، بقيادة وزير البنية التحتية ماوريسيو زامورا، حاولت قوات الأمن إزالة الحواجز. إلا أنها واجهت مقاومة منظمة من المتظاهرين الذين استخدموا المقالع ضد الشرطة. وبعد أن أزالت الجرارات عددا منها، أعاد المزارعون بناء الحواجز على الفور باستخدام التراب والحجارة وجذوع الأشجار. وبعد عطلة نهاية الأسبوع، أفادت هيئة المرور بوجود 59 حاجزًا مروريًا في ستة من أصل تسعة مناطق في البلاد.
في أعقاب تصاعد واتساع القمع، نأى نائب الرئيس إدموند لارا بنفسه عن باز في بيان له، واتهم لارا الحكومة بالرد على "جوع الناس وخوفهم وإرهاقهم" بـ "القمع ومذكرات الاعتقال". وقال إنه بدلاً من عملية إنسانية، كان هناك "غاز مسيل للدموع وديناميت، وأمهات يصرخن ويتوسلن لوقف ذلك". من جانبها، دعت جماعات اليمين المتطرف باز إلى إعلان حالة الطوارئ لقمع الاحتجاجات بشكل أكثر قسوة.
ونفت الحكومة مسؤوليتها عن وفاة المتظاهر، وصرّح باز، الذي وصف المتظاهرين، كعادة كل المستبدين، باستمرار بالمخربين، بأنه سيبذل قصارى جهده "للوصول إلى حل قائم على الحوار"، لكنه استبعد إجراء محادثات مع بعض قادة الإضراب وهدد بإعلان حالة الطوارئ.
وبعد وقت قصير تجاوزت حركة الإضراب حدود أماكن العمل. فقد نظمت منظمات السكان الأصليين في منطقة الأمازون مسيراتٍ لأسابيع احتجاجًا على قانون الزراعة الجديد، محذرةً من استغلال الأراضي تجاريًا، وهي أراضي محمية دستوريًا باعتبارها ملكية عائلية وجماعية غير قابلة للتصرف. وفي نهاية نيسان الفائت، تعرض معلمون يحتجون على محاولات خصخصة نظام التعليم، مطالبين بزيادة الإنفاق على التعليم وتحسين الأجور، لاعتداءاتٍ جسدية ورشّهم بالمواد الكيميائية المهيجة من قبل ضباط الشرطة. ويتصاعد الوضع أيضًا في قطاعات أخرى من القطاع العام، حيث يحتج العاملون في مجال الرعاية الصحية على تسريح العمال ونقل إمدادات في المستشفيات، بينما ينتقد عمال النقل رداءة نوعية الوقود، مما يُلحق الضرر بالمركبات ويُهدد سبل عيشهم. ويسود استياء اجتماعي واسع النطاق في بوليفيا يتجاوز بكثير النزاعات العمالية التقليدية.
ومن مظاهر تصاعد الانتفاضة، استمرار "مسيرة الحياة"، التي نظمها أنصار الرئيس اليساري الاسبق إيفو موراليس، إلى مدينة إل ألتو بعد مسيرة امتدت لقرابة 170 كيلومترًا. ويتهم الرئيس الأسبق موراليس الحكومة والولايات المتحدة بالتآمر لاغتياله، بدعم من إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية والقيادة الجنوبية الأمريكية، وسبق له ان أعلن في أنه "سيقاتل في الشوارع"، إذا تطلب الأمر ذلك. كما يتهم الحكومة بالتآمر "لتدمير النظام الدستوري". وبذلك يتصاعد الضغط على حكومة اليمين. وتستمر الاشتباكات مع الشرطة، وتعرضت مؤسسات عامة، كالمحكمة الإقليمية ومحطات التلفزيون للهجوم. ووفقًا للشرطة، اعتُقل 127 متظاهرًا، وأصدر القضاء مذكرات توقيف بحق ماريو أرغولو، الأمين العام لاتحاد عمال بوليفيانا المركزي، وشخصيات بارزة أخرى في الحراك.
والعاصمة لاباز ومدينة إل ألتو، ذات الأغلبية السكانية من السكان الأصليين، محاصرتان بالحواجز، وتعاني المستشفيات من نقص حاد في الأوكسجين. وتُسيّر الحكومة عمليات نقل جوي لجلب اللحوم، وقد أرسلت الأرجنتين طائرتين عسكريتين لهذا الغرض. وأحصت هيئة الطرق البوليفية قرابة 70 حاجزًا في أنحاء واسعة من البلاد خلال، واستخدم 3500 من أفراد الشرطة والجيش الغاز المسيل للدموع لإزالة الحواجز في مدينة ألتو، والتي أُعيد نصب العديد منها فور إزالتها. لكن هذه الحواجز تُؤثر أيضًا على الشعب البوليفي: المزارعون الذين تتلف محاصيلهم، وسائقو الشاحنات العالقون منذ أيام، والذين يعتمدون على أجورهم اليومية. وتُقدّر غرفة التجارة البوليفية الخسائر الاقتصادية حتى الآن بما يُعادل 500 مليون دولار أمريكي. إن محاصرة الشعب المنتفض للحاكمين يعود إلى تقاليد مقاومة الاستعمار في بوليفيا. هذه المرة، الرئيس اليميني باز هو الهدف.
تدخل خارجي
ومع تصاعد زخم الانتفاضة، تصاعدت وتيرة تدخل الولايات المتحدة وحكومات اليمين المتطرف في المنطقة. وكتب وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو على منصة "إكس" بأن واشنطن "لن تسمح" بالإطاحة بالحكومة البوليفية، واصفًا ذلك بأنه هجوم من "قوى إجرامية" على النظام الدستوري. ووصف نائبه، كريستوفر لانداو، الاحتجاجات بأنها "انقلاب". وفي الوقت نفسه، تتزايد الاتهامات الموجهة ضد الأرجنتين: فقد أكد الرئيس الأسبق موراليس أن أفرادًا عسكريين أكدوا أن طائرتين أرجنتينيتين من طراز "هيركوليز سي-130" نقلتا معدات لمكافحة الانتفاضة إلى بوليفيا. وإلى جانب الارجنتين تدعم ثماني حكومات يمينية السلطة في بوليفيا.
لقد أثارت عملية النقل الجوي إلى بوليفيا انتقادات واسعة داخل الارجنتين. وتطالب منظمات حقوق الإنسان وأعضاء البرلمان والنقابات العمالية بإجابات شافية. وتتضارب المعلومات حول رحلات القوات الجوية الأرجنتينية إلى بوليفيا.
وتخشى منظمات حقوق الإنسان وأعضاء البرلمان والنقابات العمالية أن "النقل الجوي" الذي أطلقته الحكومة الأرجنتينية إلى لاباز في منتصف أيار لا يقتصر على المساعدات الإنسانية فقط، بل يشمل أيضاً معدات لقمع الاحتجاجات البوليفية. ولذلك، يطالبون الحكومة في بوينس آيرس بتقديم توضيحات بهذا الخصوص.
وفي بيان مشترك، طالب برلمانيون وممثلو النقابات العمالية ومنظمات حقوق الإنسان الحكومة الأرجنتينية بتوفير شفافية كاملة بشأن عملية نشر الطائرات. فبينما لم تُعلن حكومة الرئيس خافيير ميلي سوى عن إرسال طائرة مروحية واحدة، في حين شكر المتحدث باسم الرئيس البوليفي الحكومة الارجنتينية علنًا على توفير طائرتين عسكريتين.
من جانبه، رفض وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو مزاعم نقل الطائرات معدات لقمع الاحتجاجات، مصرحًا بأن الحكومة وفرت طائرة لنقل المواد الغذائية و"تجاوز الحواجز التي أقامها أنصار إيفو موراليس". وكان الرئيس البوليفي الأسبق، موراليس، قد ادعى سابقًا أن حكومة ميلي أرسلت الطائرات محملة بمعدات لضرب الانتفاضة.
ويشير ممثلو حقوق الإنسان إلى سابقة تاريخية لمثل هذا الدعم، ولذا يطالبون بإنشاء لجنة لحقوق الإنسان لمراقبة هذه الرحلات. ففي عام 2019، أرسلت الحكومة الأرجنتينية برئاسة الرئيس ماوريسيو ماكري طائرة عسكرية إلى بوليفيا لدعم محاولة الانقلاب. إلى جانب عناصر من الدرك الوطني، قامت الطائرة أيضاً بإلقاء ما يقارب 70 ألف طلقة من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع ومعدات قمعية أخرى عُثر عليها لاحقا، في مستودعات القوات الجوية والشرطة البوليفية.
تحرك يميني مضاد
في هذه الاثناء، تحشد النخبة الاقتصادية في بوليفيا صفوفها ضد المتظاهرين. ففي سانتا كروز، دعت "لجنة المواطنين المؤيدة لسانتا كروز" اليمينية المتطرفة إلى "مسيرة من أجل الديمقراطية". في كوتشابامبا ولا باز، تظاهر سكان الأحياء الثرية، المعروفة باسم "بيتيتاس"، ضد الحواجز، محملين الرئيس الاسبق إيفو موراليس مسؤولية تنظيم الاحتجاجات.
لكن موراليس نفسه يحذر من أن قمع إدارة باز، بالتعاون مع الولايات المتحدة وحكومات اليمين في المنطقة، قد يتصاعد. وسيؤثر ذلك بشكل أساسي على حركات السكان الأصليين والعمال. وتُغذى حملات الكراهية ضد السكان الأصليين بالفعل عبر المنصات الرقمية في الأرجنتين. في الوقت نفسه، دعا إريك برينس، مؤسس شركة الأمن الخاصة "أكاديمي" (بلاك ووتر سابقًا، المعروفة للعراقيين) ومقرها الولايات المتحدة، والمتحالف مع ترامب، إلى التدخل ضد "حركات التمرد الشعبية"، وهكذا أصبحت بوليفيا بؤرة صراع إقليمي آخر.
أما الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، فقد رأى الأمر من منظور مختلف: "تشهد بوليفيا انتفاضة شعبية. إنها رد فعل على الغطرسة الجيوسياسية". يهتم اليمين العالمي اساسا بالموارد الطبيعية للبلاد، وخاصة الليثيوم.
نهوض جديد لقوى اليسار
شكلت الانتخابات المحلية التي جرت في الثلث الأخير من آذار الفائت محطة أولى لنهوض قوى اليسار السياسي، حيث تمكن التحالف اليساري الجديد "التحالف المتحد من أجل الشعوب" من تحقيق نتائج باهرة، ورسّخ نفسه كقوة سياسية جديدة في بوليفيا. تأسس التحالف في شباط الفائت، ويضمّ ليس فقط مؤيدي الرئيس الأسبق إيفو موراليس، بل أيضاً حلفاء خليفته، والمنشق عليه لاحقا لويس آرس. وقد أدى الصراع بين هاتين المجموعتين إلى الانقسام النهائي لحركة الاشتراكية، منها فوزهم برئاسة بلدية العاصمة ومدن أخرى، على الرغم من استبعاد 34 مرشحا يساريا من 47 في مقاطعة كوتشابامبا بمفردها.
بالنسبة للرئيس اليميني رودريغو باز، الذي يتولى منصبه منذ تشرين الثاني الفائت، تمثل الانتخابات الإقليمية انتكاسة مريرة أخرى، إذ فشل تحالفه في الفوز بأي مقاطعة في الجولة الأولى. وفي خمس مقاطعات وست بلديات، تجاوز عدد الأصوات الباطلة عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحوه. وكانت محاولة الحكومة لخفض دعم الوقود قد فشلت بالفعل في كانون الثاني الفائت، وأتت بعدها الهزيمة في صناديق الاقتراع.
لقد حقق ليوناردو لوزا، المقرب من الرئيس الأسبق موراليس، أكبر فوز على مستوى البلاد في الجولة الأولى من الانتخابات، حيث حصد 40,43 في المئة من الأصوات في مقاطعة كوتشابامبا، ليضمن بذلك منصب الحاكم ويرسل إشارة واضحة لدعم التحالف اليساري. واستند لوزا في فوزه إلى أصوات مزارعي الكوكا من المنطقة الاستوائية وسكان الريف. وحتى بعد فوزه، أعلن موقفه بوضوح ضد الحكومة وتأييده لموراليس، قائلاً: "لن أتفاوض مع أحد". وأضاف: "سأظل مؤيدًا لإيفو ورجلا من الشعب حتى الموت". كما أشار إلى أنه لن يكون مستعدًا للحوار مع الحكومة إلا إذا كان الأمر يتعلق بمشاريع وتمويل لصالح مقاطعته.
لقد تحقق هذا النجاح رغم الملاحقة القانونية التي استهدفت اليسار السياسي في الأشهر الأخيرة. ففي عهد باز، اعتُقل العديد من الوزراء السابقين من حزب حركة من أجل الاشتراكية بالإضافة إلى الرئيس السابق آرسيه نفسه، بينما صدرت مذكرة توقيف بحق موراليس. مما اضطره إلى الاختفاء في منطقة كوتشابامبا الاستوائية، تحت حماية أنصاره ونقابة مزارعي الكوكا.
************************************
الصفحة الثامنة
كتاب {الآلة الشرهة: كيف غزت الرأسمالية العالم}
ترجمة كفاح عادل
يواجه الراغبون في فهم تاريخ الرأسمالية تحديًا هائلًا. فتعقيد الموضوع واتساع نطاقه التاريخي يستدعيان تناوله في مجلدات ضخمة، سواء كانت كلاسيكية أم حديثة، تتطلب من القارئ جهدًا كبيرًا. ولعلّ من ينكبّون على قراءة هذه الأعمال الضخمة يتمنون لو كان هناك عرضٌ أكثر إيجازًا لأهم ظاهرة اقتصادية تُشكّل عالمنا المعاصر.
من المثير للإعجاب أن كتاب تريفور جاكسون الجديد ، "الآلة الشرهة: كيف غزت الرأسمالية العالم" ، الذي يتناول تاريخ الرأسمالية ، يتميز بحجمه الصغير نسبيًا، إذ لا يتجاوز 250 صفحة. وقد سعى جاكسون، الأستاذ المساعد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي في مادة التأريخ الأقتصادي، إلى تقديم عمل شامل يترجم أحدث نتائج الاقتصاديين الأكاديميين إلى سرد تاريخي سلس لغير المختصين. ويُعدّ تناوله المتأني للقضايا الخلافية في التاريخ الاقتصادي من أبرز مميزات الكتاب.
يسعى جاكسون إلى الأجابة على السؤال المهم: كيف أصبحت الرأسمالية القوة الاقتصادية المهيمنة عالميًا بحلول نهاية القرن التاسع عشر؟. ويجادل بأن هيمنة الرأسمالية لم تكن نتيجة تخطيط مسبق، بل كانت نتيجة غير متوقعة لسلسلة من القرارات التي اتخذها فاعلون اقتصاديون على مر القرون سعياً وراء مصالحهم الخاصة. ولم يقتصر انتشارها على رفع مستويات المعيشة فحسب، بل جلبت أيضًا معاناة كبيرة وكوارث بيئية. ورغم أن هذه الملاحظات ليست جديدة تمامًا، إلا أنها تُعدّ عناصر أساسية في أي دراسة تاريخية وافية للرأسمالية.
على عكس الكثيرين ممن ينتقدون الرأسمالية، لا يكتب جاكسون من منظور ماركسي، أو من منظور أي فكر أيديولوجي آخر واضح المعالم. إلا أنه يُقرّ بأن سرديته تتوافق إلى حد كبير مع كل من الماركسية والتقاليد السائدة في التاريخ الاقتصادي. المنظور الوحيد الذي ينأى جاكسون بنفسه عنه بوضوح - وهو محق في ذلك - هو الموقف المستوحى من آدم سميث، والذي يعتبر الرأسمالية تعبيرًا منطقيًا عن الطبيعة البشرية.
الرأسمالية من لوثر إلى لينين
يُقسّم جاكسون كتابه إلى ثلاثة فصول قصيرة تتناول شخصيات تاريخية بارزة: مارتن لوثر، وإسحاق نيوتن، وفلاديمير لينين. هذه الفصول ليست سير ذاتية لهؤلاء الشخصيات بقدر ما هي محطات فارقة للتأمل في الشكل المتطور للرأسمالية الذي كان موجودًا (أو غير موجود) في العصر الذي عاش فيه كل منهم. لقد تطورت الرأسمالية بسرعة فائقة، خلال فترة تاريخية قصيرة، لدرجة أن الشكل الذي واجهه لينين في أوائل القرن العشرين، كما يؤكد جاكسون، هو "غير مألوف" لنيوتن قبل مئتي عام، فضلًا عن عالم لوثر في أوائل القرن السادس عشر.
يتم شرح جوهر الكتاب في فصول موضوعية مخصصة لفترات تاريخية متسلسلة ومتداخلة: المال 1415-1650، والتمويل 1650-1720، والأرض والعمل 1640-1800، والصناعة 1710-1830، والإمبراطورية 1840-1914.
لعلّ أكثر الفصول إثارةً للجدل بالنسبة لمن يرون أن أصول الرأسمالية انبثقت من صراع الطبقات هو الفصل الأول، الذي يتناول النقود. يعتبر جاكسون تدفق السبائك الذي غمر العالم بعد غزوات العالم الجديد ليس مجرد حدث تضخمي، بل شرطًا أساسيًا لولادة الرأسمالية. فقد وحّدت ما يُسمى بثورة الأسعار العالم على نظام نقدي واحد قائم على الفضة الإسبانية بحلول عام 1650. وبذلك، أضفت طابعًا نقديًا على التبادل، مما وسّع نطاق الأسواق بشكل كبير، ووفر حوافز للمنتجين للإنتاج من أجل التبادل بدلًا من استهلاكهم الخاص. يكتب جاكسون: "لم تخلق (فضة العالم الجديد) و(ثورة الأسعار الرأسمالية) وحدها، ولكن ما كان للرأسمالية أن تظهر لولا الظروف التي أفرزتها".
يسرد الفصل التالي نشأة المؤسسات المالية، مع التركيز بشكل أساسي على التجارب الإنجليزية والهولندية. وقد ظهرت العديد من هذه الابتكارات المالية، كالبنوك العامة والبيروقراطيات الضريبية المتخصصة، لأغراض عسكرية وسياسية في المقام الأول، لا لأغراض اقتصادية بحتة. في الواقع، على الرغم من أن ما يُسمى بالثورة المالية قد أوجد عددًا من المؤسسات المتنوعة، إلا أن تأثيرها على التطور المباشر للرأسمالية لا يزال غامضًا إلى حد ما. ويشير جاكسون، بعد دراسة معمقة لهذه الآليات المالية، إلى أن "إحدى أكبر معضلات التاريخ المالي هي لماذا لم تُسهم البنوك إلا بشكل ضئيل في الثورة الصناعية".
بعد لقاء وجيز مع نيوتن، يروي جاكسون قصة تحويل الأرض والعمل إلى سلع في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد اتخذت هذه التحولات أشكالاً مختلفة باختلاف المناطق، منها: "الغزو، والاستعمار، والعبودية، والعمل بالسخرة". إلا أن أهم تطور في مجال العمل خلال هذه الفترة كان نشأة قوة عاملة رأسمالية، أي كتلة من العمال تعتمد على الأجور لتأمين قوتها اليومي.
يؤرخ الفصل الرابع للثورة الصناعية التي دشنت الرأسمالية بوصفها "النمط الاقتصادي السائد على كوكب الأرض". لم يتمكن الساخطون من كبح جماح انتشار الصناعة بكل ما ترتب عليها من عواقب وخيمة. ويحرص جاكسون بشكل خاص على الإشارة إلى الآثار البيئية للتصنيع، والتي شملت إزالة الغابات، وتلويث السماء بغبار الفحم، وصيد الحيتان حتى كادت تنقرض. أما الفصل التاريخي الأخير فيفصّل كيف نشرت القوى الإمبريالية الرأسمالية بالقوة في بقية أنحاء العالم.
النهب والربح
بشكل عام، قصة صعود الرأسمالية وانتشارها مألوفة للكثيرين و لكن ما يميز سرد جاكسون هو معالجته البارعة لعدد من القضايا الخلافية في التاريخ الاقتصادي، والتي لا تزال طبيعتها وأهميتها موضع جدل حتى اليوم.
تتعلق إحدى القضايا بدور النهب في صعود الرأسمالية. فقد أشار بعض مؤرخي الرأسمالية، بشكل أو بآخر، إلى أن النهب التاريخي لدول الجنوب العالمي كان ضروريًا وكافيًا لازدهار دول الشمال العالمي. إلا أن جاكسون يرفض هذه الفكرة، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن تاريخ النهب يعود إلى العصور القديمة، فإن وجود الرأسمالية يتطلب وجود مجموعة من المؤسسات (يؤكد جاكسون على المؤسسات المالية كالبنوك والشركات المساهمة والأرباح والسندات الحكومية) التي لا يمكن لأي قدر من النهب أن يؤسسها. إن تاريخ السعي وراء الربح حافل بالمكاسب والخسائر على حد سواء، وقدرة رأس المال على تجديد نفسه وإعادة إنتاجها لا تتحقق إلا في ظل الظروف الرأسمالية. بعبارة أخرى، "النهب لا يُقارن بالربح".
يتناول جاكسون أيضًا "الموضوع الأكثر جدلًا في مجال التاريخ الاقتصادي"، ألا وهو الجدل الذي أثاره إريك ويليامز )رئيس وزراء ترينداد وتوباكو ومؤلف كتاب حول الرأسمالية والعبودية – المترجم) حول العلاقة بين العبودية والثورة الصناعية. ورغم أن قلةً قد تتفق مع الرأي القوي لويليامز بأن تجارة الرقيق كانت سببًا في تصنيع بريطانيا، إلا أن الجميع تقريبًا يُقرّ بأن العبودية ساهمت بشكلٍ ما في إثراء بريطانيا. أما جاكسون، فيُبدي تشكيكًا في الادعاءات الأكثر طموحًا، إذ يرى أن "الحجم الإجمالي لاقتصاد السكر وأرباحه لم يكن كبيرًا إلى هذا الحد". (في أشارة الى نهب السكر من جزر الهند الغربية – المترجم)
يُقدّم جاكسون توضيحًا أيضًا فيما يتعلق بطبيعة الإمبريالية في القرن التاسع عشر. فعلى عكس المناقشات التي تتناول هذا الموضوع وكأن الدول نفسها تمتلك القدرة على إخضاع الدول الأضعف، يُحدّد جاكسون رأسماليين مُعيّنين في الدول المركزية باعتبارهم مُحرّكين رئيسيين للديناميكية الإمبريالية.
"نتحدث عن الإمبريالية "البريطانية" أو "الأوروبية"، لكن العنف الإمبريالي كان في كثير من الأحيان مسألة مبادرة محلية خاصة، ذات طابع ريادي تقريبًا، وجاء تدخل الدولة كنوع من الإنقاذ عندما واجه الفاعلون من القطاع الخاص مشاكل، مما أدى إلى تعميم التكاليف وخصخصة المكاسب."
كثيراً ما افترض النقاد الاشتراكيون المعاصرون لرأسمالية نهاية القرن التاسع عشر، مثل لينين، أن الأرباح المُكتسبة من الاستغلال الإمبريالي للمناطق غير الرأسمالية في العالم كانت تُدعم اقتصادات الشمال العالمي بشكلٍ حاسم. ويشير جاكسون إلى أنه آنذاك، كما هو الحال الآن، كان الجزء الأكبر من الاستثمار يتم بين اقتصادات الشمال العالمي، وأن الاستثمار الإمبريالي في القرن التاسع عشر لم يكن ضخماً أو مربحاً بشكلٍ خاص. ومع ذلك، كان لينين ورفاقه مُصيبين بشأن الأثر المُدمر للإمبريالية على الأممية العمالية والنتائج المُدمرة للعنف الإمبريالي. يكتب جاكسون: "على الرغم من أن الاشتراكيين في ذلك الوقت كانوا مُخطئين بشأن الأرباح وأنماط الاستثمار، إلا أنهم كانوا على ما يبدو مُصيبين تماماً بشأن السياسة".
ضد "التاريخ الجديد للرأسمالية"
على عكس بعض الكتابات المعاصرة عن الرأسمالية، لا يتبنى جاكسون منهج "التاريخ الجديد للرأسمالية" (NHOC) المرتبط بباحثين مثل سفين بيكرت، ووالتر جونسون، وإدوارد بابتيست. ويُضمّن كتابه انتقاداتٍ عديدة لهذا المنهج، مُجادلاً بأنّ مقاومته الشديدة لتعريف الرأسمالية قد أعاقت قدرة الباحثين على تراكم المعرفة حول موضوع مُتفق عليه. علاوةً على ذلك، فإنّ اتساع مفهوم الرأسمالية ليشمل كل شيءٍ تقريباً في كل زمانٍ قد صعّب تحديد تاريخ ما قبل الرأسمالية أو تخيّل مستقبل ما بعد الرأسمالية.
يُخصّص جاكسون صفحات عديدة لتحديد تعريف للرأسمالية. ورغم أنه يبدأ على غرار الاقتصاديين التقليديين بالقول إن الرأسمالية نظام اقتصادي يتكون من أسواق عوامل الإنتاج - أي الأرض والعمل ورأس المال - إلا أنه يُحدّد في النهاية خصوصية الرأسمالية في الاعتماد على السوق: "إن السمة الأساسية للرأسمالية هي أن... اليوم يكاد الجميع يعتمدون على الأسواق من أجل العيش".
إن توسع الرأسمالية لتشمل كل شيء محتمل في جميع الأوقات جعل من الصعب تحديد تاريخ ما قبل الرأسمالية أو تخيل مستقبل ما بعد الرأسمالية.
كثيرًا ما يحاول باحثو حركة تاريخ العبودية (NHOC) إثبات أن "العبودية لم تكن مجرد شكل من أشكال الرأسمالية، بل كانت تمثل جوهرها بطرق شتى". إلا أن جاكسون يرفض هذا الطرح لعدة أسباب. إذ يتجاهل منظور حركة تاريخ العبودية الفرق الجوهري الذي يُحدثه العمل الحر في الاقتصاد مقارنةً بالعمل القسري. ولذلك، يرى جاكسون أن مجتمع المزارع القائم على العبودية، كما هو الحال في باربادوس في القرن السابع عشر، لا ينبغي اعتباره مجتمعًا رأسماليًا.
بالإضافة إلى ذلك، تمكن النظام الرأسمالي من التوسع والازدهار بعد إلغاء العبودية. ففي الولايات المتحدة، استُبدل النظام الاستعماري الاستخراجي الضعيف الذي كان سائداً في الجنوب قبل الحرب الأهلية بنظامٍ استطاع زيادة إنتاج صادراته الرئيسية، القطن، بشكلٍ كبير. وعلى أي حال، كان إنتاج القطن في الجنوب أقل أهميةً للاقتصاد الأمريكي من السلع الزراعية الأخرى كالقش والقمح.
يعارض جاكسون سردية أتباع مدرسة "التاريخ الجديد للرأسمالية"، معتبراً أن الأدق اعتبار شركات رأس المال، بدلاً من مزارع العبيد، الشكل الأمثل للرأسمالية الأمريكية. ويشير أيضاً إلى الهجرة الواسعة النطاق والمتواصلة من أوروبا والتوسع غرباً نحو المناطق الداخلية للقارة كعوامل ينبغي أن تُشكّل "قصة أكبر" من عبودية المزارع في تفسير مسار التطور الاقتصادي للولايات المتحدة. يقول جاكسون: "يمكننا مناقشة الافتراض البديل حول ما إذا كانت الثورة الصناعية والرأسمالية الحديثة قد ظهرتا لولا عبودية الجنوب، ولكن يبدو من المؤكد أنه ما كان ليحدث ذلك لو احتفظ الأمريكيون الأصليون بنظامهم الخاص لحقوق الملكية على كامل أراضي أمريكا الشمالية والجنوبية".
أصبحت الآلة بغيضة للغاية
عادةً ما يتسم أسلوب جاكسون بالحيادية والدقة التقنية، لكنه يتخلى عن هذا الأسلوب الرصين عند شرح مخاطر مواجهة الرأسمالية. يكتب: "العالم الذي أعيش فيه سيُدمَّر خلال حياتي. إن مسألة نوع العالم الذي سيخلفه تعتمد كلياً على ما إذا كنا سننجح جميعاً في القضاء على الرأسمالية أم أنها ستقضي علينا أولاً". ويبدو أن التدهور السريع الذي تُسببه هذه الآلة الجشعة للنظم البيئية للأرض هو الدافع الرئيسي لجاكسون في حثنا على تغيير مسارنا جذرياً ومحاولة بناء نظام اقتصادي جديد.
يرى جاكسون أن الوضع، رغم خطورته، ليس ميؤوسًا منه. فهو يحث على التفاعل مع التاريخ لكي يدرك الناس جماعيًا أن مصالحهم المشتركة تشير إلى مواجهة مع رأس المال. يكتب: "إن نضال الشعوب ضد رأس المال... خالد"، و"يبدأ التضامن والترابط والمعنى بالاعتراف بالوضع المشترك والنضال المشترك". ولعل من المناسب أن يكون لينين هو الشخصية التي تختتم الكتاب؛ ففي الصفحات الأخيرة، يبدو أن جاكسون يحاول استحضار بعض من كتابات لينين.
إن دعوة جاكسون إلى تغيير المسار الكارثي الذي يدفع به النظام الرأسمالي البشرية نحوه تُعيد إلى الأذهان خلاصة الانتقادات الماركسية للرأسمالية، حتى وإن كان سرده يُركز بشكل أكبر على المسائل النقدية والمالية. ومع ذلك، فقد قدّم جاكسون سردًا مفيدًا لتطور الرأسمالية يتجنب المزالق التحليلية التي أعاقت العديد من السرديات المنافسة.
*********************************
{إيفين .. حفرٌ في الذاكرة}، مرثية جيل مطارد
مزهر بن مدلول
قرأت كتاب "إيفين .. حفرٌ في الذاكرة" للكاتب والاعلامي جورج منصور، الصادر عام 2023 عن داري الرواق وأهوار للنشر والتوزيع في بغداد، بمقدمة للكاتب والروائي زهير الجزائري، فوجدت نفسي أمام شهادة موجعة عن سحق الإنسان تحت وطأة الظلم، رحلة تأخذ القارئ تدريجيا إلى قاع الجحيم، حيث يفقد المرء أي أمل بالنجاة.
لم يكن سجن إيفين (تأسس عام 1972 بإدارة جهاز السافاك لاحتجاز أصحاب الرأي ومعارضي نظام الشاه)، مجرد بناية اسمنتية عند خاصرة جبل توجال في منطقة سعادت آباد شمالي طهران، بل كـ (هوّة) سوداء تُلقى فيها الأرواح لتذبل ببطء، وقد ارتبط اسمه في الذاكرة السياسية الإيرانية بموجات الاعتقال الواسعة، خصوصا في فترتي ما قبل الثورة وبعدها، حتى غدا رمزا لأحد أكثر مراكز الاعتقال التصاقا بالقمع والتعذيب الوحشي والتصفية الجسدية. هناك لا يُعذب الجسد وحده، بل تُسحق الكرامة تحت ثقل الخوف والعتمة والاستجواب، حتى يشعر الانسان انه يتحول يوما بعد آخر إلى كائن بلا ملامح ولا ذاكرة.
بينما كنت اقرأ، تخيلت ذلك السجن بأبوابه الحديدية الثقيلة التي لا تُفتح لاستقبال البشر، بل لابتلاعهم. الممرات الطويلة الرطبة، الجدران العارية، الرائحة المختلطة بين العفن والخوف والدم، كلها كانت تمنح الاحساس بان الداخل إلى هذا المكان لا يخرج منه كما كان أبدا.
ما أرعبني في الكتاب لم يكن التعذيب وحده، بل فكرة الاستنطاق نفسها. تلك اللحظات التي يُسحب فيها السجين من عزلته إلى غرفة التحقيق، وهو لا يعرف ان كان سيعود إلى زنزانته أم سيختفي إلى الابد. تخيلت وقع الاحذية العسكرية في الممرات، والعصابة السوداء على العينين، واليد المرتجفة وهي تتحسس الجدار كي لا يسقط الجسد من فرط ما اعتراه من وهن. في إيفين، لا يبحث الجلاد عن الحقيقة، بل عن اللحظة التي ينكسر فيها المتهم ويتحول إلى خصم لنفسه.
لا يكتفي جورج منصور بسرد تجربته الفردية، بل يسلط الضوء على مسار جيل كامل من الشيوعيين والأنصار الذين حملوا احلام العدالة إلى جبال كردستان، قبل أن يجدوا أنفسهم مطاردين بين الحدود والمنافي، وكأن العالم بأسره قد تحول إلى زنزانة واسعة.
وصف الكاتب للعتمة النفسية داخل السجن، ترك أثرا قاسيا في داخلي. هناك يبدأ الانسان بالتآكل من الداخل، الليل بلا نهاية، والصمت أخطر من الصراخ. تخيلت نفسي في زنزانة ضيقة أعد قطرات الماء المتساقطة من السقف كي لا أفقد عقلي، أحدق طويلا في الجدار، حتى يتحول إلى مرآة لوجوه أحبتي. داخل السجن، لا يكون الخوف من الموت هو الاشد، بل من حياة تمضي وسط القسوة.
بدت لحظات الانتظار هي الأصعب على الاطلاق: انتظار فتح الباب، انتظار التحقيق، انتظار الصرخة القادمة من غرفة مجاورة، انتظار سماع اسمك يُنادى. هناك يتحول الزمن إلى وحش ثقيل، والدقائق إلى سكاكين بطيئة، حتى الجسد يغدو غريبا عن صاحبه، ترتجف اليد بلا سبب، ويصبح القلب كعصفور مذعور لا يتوقف عن الارتطام بالقفص!
وسط الزنزانة الخالية من النوافذ، يطلّ الحلم كشيء وحيد عجز السجّان عن مصادرته، فيغدو غذاءً روحيا يتشبث به جورج منصور كي لا ينهار. في إيفين، لا يملك السجين سوى فتات الأمل، وحين تُنتزع منه الحرية، ويُحاصر بالجدران والصمت والاصفاد، يصبح الحلم فعل مقاومة داخلية، صامتة وصلبة في آن. لهذا شعرت ان الكاتب / السجين، لم يكن يتمسك بالحلم لأنه واثق من النجاة، بل لأنه يخشى ان يفقد انسانيته، فالذكريات الصغيرة: وجه الأم، ابتسامة الحبيبة، رائحة البيت، جبال كردستان، وأصوات الرفاق، كأنها نار خافتة يحاول السجين حمايتها وسط عاصفة البرد. الحلم داخل السجن لا يمنح السجين السعادة، بل يمنحه سببا إضافيا للاستمرار يوما آخر.
عمق الألم في كتاب "إيفين .. حفرٌ في الذاكرة" ينبع من الصدق العاري لمنصور، الذي كتب دون ادعاء البطولة، بل كإنسان واجه قلقه وخوفه وارتباكه، فغدت التجربة مؤلمة، تُعرض فيها الصورة بعيدا عن القوالب المثالية للبطولة.
ستبقى المشاهد في كتاب "إيفين .. حفرٌ في الذاكرة" حاضرة كأثر لا يبهت بسهولة، يرافق القارئ حتى بعد انتهاء القراءة، لأنها تلامس جوهر المعاناة الانسانية في لحظاتها الأكثر قسوة، وتترك بصمتها في الاحساس قبل الوعي.
***********************************
الدين والدولة.. أين يكمن الخلل؟
سعد عزيز دحام
في كتاب (الدولة الممكنة)، يطرح حسين سميسم سؤالاً بالغ الحساسية: كيف تحوّل الدين، بوصفه منظومة قيم روحية وأخلاقية، إلى أداة صراع سياسي وأيديولوجي؟ ولماذا أخفقت تجارب الإسلام السياسي في التعايش مع مفهوم الدولة الحديثة؟
ينطلق الكتاب من محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى الدين، عبر فصله عن الاستخدامات السياسية التي أرهقته وشوّهت صورته.
فالمشكلة، كما يراها المؤلف، لا تكمن في الدين ذاته، بل في القراءات التي أُلبست له، حين جرى تحويله إلى مشروع حكم، وإخضاعه لتأويلات تخدم السلطة أكثر مما تخدم الإنسان.
يُفكك سميسم بنية الخطاب الذي تتبناه حركات الإسلام السياسي، كاشفاً عن آليات اشتغاله، وكيف أعاد إنتاج النصوص الأولى ضمن سياقات تاريخية مغايرة، ليصنع منها منظومة فكرية مغلقة، تدّعي امتلاك الحقيقة، وتُقصي كل ما عداها.
هذه المنظومة، بحسب الكتاب، لا تعبّر عن التدين الشعبي البسيط، القائم على الفطرة والتسامح، بل تمثل انقطاعاً عنه، واغتراباً عن روحه.
ولا يقف التحليل عند حدود النقد، بل يتجاوزه إلى بيان التناقض العميق بين هذه الحركات ومفهوم الدولة الحديثة، التي تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات.
إذ تسعى تلك الحركات، في كثير من نماذجها، إلى إعادة المجتمع إلى أزمنة سابقة، متجاهلة التحولات التاريخية، ومتطلبات الواقع المعاصر.
واحدة من أهم أفكار الكتاب هي الدعوة إلى فك الارتباط بين الدين والتخلف، وهي فكرة جريئة في سياق طالما جرى فيه تحميل الدين مسؤولية الإخفاقات الحضارية.
هنا يميز المؤلف بوضوح بين الدين كقيمة عليا، وبين توظيفه السياسي الذي قاد إلى أزمات حادة، بل ومآسٍ إنسانية.
إن (الدولة الممكنة) ليس مجرد نقد للإسلام السياسي، بل هو محاولة لفتح أفق جديد للتفكير في العلاقة بين الدين والدولة، أفقٍ يحرر الدين من أعباء السياسة، ويحرر الدولة من هيمنة التأويلات المغلقة.
وهو بذلك يضع القارئ أمام مسؤولية إعادة النظر في المسلمات، والبحث عن صيغة أكثر إنسانية وعدالة للتعايش.
**********************************
الصفحة التاسعة
برونزية آسيوية لثنائي التجديف العراقي في تايلاند
متابعة ـ طريق الشعب
حقق لاعبا المنتخب العراقي للتجديف أحمد إبراهيم ومحمد كريم الميدالية البرونزية في بطولة آسيا الشاطئية المقامة حالياً في تايلاند، ضمن منافسات فعالية "الزوجي للمتقدمين"، بمشاركة 18 دولة آسيوية.
وقدم الثنائي العراقي أداءً مميزاً خلال منافسات البطولة التي شهدت مستويات فنية عالية وحضوراً لأبرز أبطال التجديف في القارة، ليتمكنا من الصعود إلى منصة التتويج وإضافة إنجاز جديد للرياضة العراقية.
ويعد هذا الإنجاز مؤشراً على التطور الذي تشهده رياضة التجديف في العراق، وقدرة لاعبيها على منافسة المنتخبات الآسيوية المتقدمة في واحدة من أقوى البطولات القارية من حيث عدد المشاركين ومستوى المنافسة.
وتأتي هذه النتيجة امتداداً للنجاحات التي حققها الثنائي العراقي في المشاركات الآسيوية السابقة، في إطار مساعي التجديف العراقي لتعزيز حضوره في المحافل الخارجية وتحقيق المزيد من الإنجازات على المستوى القاري.
**************************************
أسود الرافدين يواصلون التحضيرات في شيكاغو قبل ودية فنزويلا
متابعة ـ طريق الشعب
يواصل المنتخب العراقي لكرة القدم تحضيراته في مدينة شيكاغو الأميركية استعداداً لخوض آخر مبارياته الودية أمام فنزويلا قبل الدخول رسمياً في أجواء كأس العالم 2026، حيث أوقعته القرعة في المجموعة التاسعة إلى جانب منتخبات فرنسا والنرويج والسنغال.
ووصل وفد “أسود الرافدين” إلى شيكاغو فجر السبت بعد رحلة طويلة استمرت نحو عشر ساعات قادمة من مدينة لاكورونيا الإسبانية، وسط حالة من الإرهاق بين اللاعبين نتيجة السفر وإجراءات المطار المطولة، التي تأخر بسببها المهاجم أيمن حسين لنحو سبع ساعات.
وفي رسالة عبر الموقع الرسمي للمنتخب، دعا المدرب الأسترالي غراهام آرنولد الجماهير العراقية في الولايات المتحدة إلى مؤازرة المنتخب في مواجهة فنزويلا.
قال أرنولد: “نحن هنا في شيكاغو ونشعر بحماسة كبيرة ونواصل استعداداتنا لمباراة فنزويلا. نحتاج إلى دعمكم مجدداً بعد المؤازرة الكبيرة التي قدمتموها لنا في مونتيري بالمكسيك خلال مباراة بوليفيا التي شهدت تأهلنا إلى كأس العالم”.
وختم رسالته قائلاً: “كل التوفيق للاعب رقم 12، استمروا في دعمنا”.
أعرب أرنولد، يوم الاثنين، عن ثقته بقدرة "أسود الرافدين" على مواصلة مشوارهم في كأس العالم 2026، متوقعاً تأهل العراق إلى الدور الثاني من البطولة بعد إنهاء دور المجموعات في المركز الثالث.
من جانبه، أشاد اللاعب الدولي السابق مصطفى كريم بعمل الجهاز الفني، مؤكداً أن آرنولد لم ينجح فقط في الجانب الخططي وإدارة التغييرات، بل أسهم أيضاً في تطوير مستويات عدد من اللاعبين.
وقال كريم: “هناك أربعة لاعبين تطورت مستوياتهم بشكل واضح، هم ماركو فرج، وأكام هاشم، وزيد تحسين، وميرخاس دوسكي الذي أصبح نجماً بارزاً”.
وأبدى كريم تخوفه من تعرض لاعبي المنتخب لإصابات جديدة، خاصة في مركزي الجناح والظهير، مشيراً إلى أن إصابة أحمد يحيى كانت كافية وأن المنتخب بحاجة إلى دخول البطولة بكامل جاهزيته.
وأضاف: “المطلوب في كأس العالم هو تقديم أداء يليق باسم العراق. تحقيق النتائج الإيجابية سيكون صعباً في مجموعة تضم فرنسا والنرويج والسنغال، لكن وجود هذه المنتخبات الكبيرة قد يخفف الضغط عن اللاعبين بعد ارتفاع سقف توقعات الجماهير”.
واعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” إضافة اللاعب أحمد مكنزي إلى القائمة النهائية لمنتخب العراق بدلاً من أحمد يحيى المصاب، وسيحمل القميص رقم 15 خلال البطولة.
ويخوض العراق مباراته الودية الأخيرة أمام فنزويلا فجر الأربعاء المقبل على ملعب “تويوتا” في شيكاغو، قبل أن تتوجه البعثة إلى ولاية فيرجينيا لاستكمال التحضيرات، على أن يبدأ المنتخب مشواره في كأس العالم بمواجهة النرويج يوم 17 حزيران الجاري.
************************************
وقفة رياضية.. ضبط النفس مفتاح النجاح في المونديال
منعم جابر
أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق تجربتنا الثانية في نهائيات كأس العالم. وكانت تجربتنا الأولى عام 1986 صعبة وقاسية، وربما تُعد من أقسى التجارب، إذ تعرض عدد من لاعبينا لعقوبات وانعكس ذلك سلباً على نتائج المنتخب، فكان تسلسله متواضعاً قياساً بمستوى الحدث العالمي.
واليوم نجد أنفسنا أمام تجربة جديدة، وقد نواجه أساليب مشابهة قد تضع لاعبينا تحت ضغط كبير، ما قد يعرّضهم لعقوبات أو حالات طرد نتيجة قرارات تحكيمية صارمة، الأمر الذي قد يؤثر في مسيرة منتخبنا الوطني خلال البطولة.
لذلك أتوجه بنداء صريح إلى لاعبينا بضرورة التحلي بأعلى درجات الانضباط والالتزام بأخلاقيات اللعب النظيف واحترام قرارات الحكام. كما أقترح أن يضم الوفد العراقي أحد الحكام الدوليين الممارسين أو خبراء التحكيم، بهدف إطلاع اللاعبين على آخر التعديلات التي طرأت على قانون كرة القدم والصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وتنبيههم إلى التصرفات التي قد تستوجب العقوبات في البطولات العالمية.
كما أن من الضروري التأكيد على أهمية عدم الانجرار وراء استفزازات المنافسين، والحفاظ على الهدوء والتركيز طوال المباريات، لأن مثل هذه التصرفات قد تكلف المنتخب الكثير في منافسة بحجم كأس العالم.
إن وجود خبير تحكيمي ضمن البعثة سيسهم في توجيه اللاعبين وإرشادهم، ويضعهم في موقف أكثر أماناً، ويساعدهم على التعامل مع الحالات الطارئة والمفاجئة داخل الملعب بحكمة ووعي.
ولا شك أن مهمتنا في كأس العالم 2026 ستكون شاقة، ما يتطلب استعداداً متكاملاً من النواحي الفنية والإدارية والانضباطية، بهدف تحقيق نتائج تليق بسمعة الكرة العراقية وتعكس إمكانات لاعبينا. فالمنتخبات التي سنواجهها تُعد من نخبة منتخبات العالم؛ ففرنسا من القوى الكبرى في الكرة العالمية، والسنغال تمثل أحد أبرز منتخبات أفريقيا، فيما تُعد النرويج من المنتخبات الأوروبية القوية. وهذه المسؤولية الكبيرة تفرض علينا أن نكون في أعلى درجات الجاهزية لننافس هذه المنتخبات ونظهر بأفضل صورة ممكنة.
**********************************
زفيريف يتوج بلقب رولان غاروس ويكسر عقدة البطولات الكبرى
باريس ـ وكالات
حقق الألماني ألكسندر زفيريف إنجازاً تاريخياً بتتويجه بلقب بطولة رولان غاروس للتنس، بعدما تغلب على الإيطالي فلافيو كوبولي في نهائي ماراثوني مثير بنتيجة (6-1)، (4-6)، (6-4)، (6-7)، (6-1)، ليحصد أول ألقابه في البطولات الأربع الكبرى بعد سلسلة من الإخفاقات في النهائيات السابقة.
ونجح زفيريف في التخلص من لقب "أفضل لاعب لم يفز ببطولة غراند سلام"، بعد أربع محاولات فاشلة، ليمنح التنس الألماني لقباً كبيراً جديداً بعد ثلاثة عقود من آخر تتويج ألماني في البطولات الكبرى.
وشهدت المباراة تقلبات كبيرة، إذ فرض زفيريف سيطرته على المجموعة الأولى بسهولة، قبل أن يعود كوبولي ويعادل النتيجة. وتبادل اللاعبان التفوق في المجموعات التالية، لتصل المواجهة إلى مجموعة خامسة حاسمة بعد شوط فاصل مثير في المجموعة الرابعة.
ورغم معاناته من تشنجات عضلية وضغط نفسي كبير، أظهر زفيريف شخصية قوية في المجموعة الأخيرة، فكسر إرسال منافسه مبكراً وفرض أفضليته حتى حسمها بنتيجة (6-1)، ليعلن تتويجه باللقب الأغلى في مسيرته الاحترافية.
وبهذا الإنجاز أصبح زفيريف سابع لاعب نشط يتوج بإحدى بطولات الغراند سلام، لينضم إلى قائمة تضم نوفاك ديوكوفيتش ورافاييل نادال وكارلوس ألكاراز ودانييل ميدفيديف ودومينيك تيم وستان فافرينكا، مسجلاً محطة بارزة في تاريخ التنس الألماني والعالمي.
****************************************
هالاند: منافس العراق في المونديال وهدف ريال مدريد
دورتموند ـ وكالات
عاد مستقبل النجم النرويجي إيرلينغ هالاند إلى واجهة الاهتمام الكروي، بعدما توقع هانز يواخيم فاتسكه، رئيس نادي بوروسيا دورتموند الألماني، انتقال مهاجمه السابق إلى ريال مدريد الإسباني خلال السنوات المقبلة، رغم ارتباطه بعقد طويل الأمد مع مانشستر سيتي الإنجليزي يمتد حتى عام 2034.
وقال فاتسكه إنه يعتقد أن هالاند معجب بريال مدريد ويرغب في ارتداء قميصه مستقبلاً، مرجحاً أن تتم الصفقة خلال عامين أو ثلاثة أعوام، لكنه استبعد حدوثها في المستقبل القريب، مؤكداً أن اللاعب سيواصل مشواره مع مانشستر سيتي خلال الموسم المقبل.
وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه هالاند لقيادة منتخب النرويج في نهائيات كأس العالم 2026، حيث أوقعت القرعة المنتخب الإسكندنافي في المجموعة التاسعة إلى جانب العراق وفرنسا والسنغال، ما يجعل مهاجم السيتي أحد أبرز التحديات التي تنتظر "أسود الرافدين" في البطولة.
ويُعد هالاند السلاح الأبرز للمنتخب النرويجي بفضل قدراته التهديفية الكبيرة، إذ يعول عليه منتخب بلاده لتحقيق نتائج مميزة في المونديال، فيما يترقب الشارع الرياضي العراقي المواجهة المرتقبة بين المنتخبين، والتي ستشهد صراعاً خاصاً مع أحد أفضل المهاجمين في العالم.
ورغم تصاعد التكهنات بشأن انتقاله إلى ريال مدريد، فإن مانشستر سيتي نفى وجود أي مفاوضات أو بنود تسمح برحيل اللاعب، كما نفت وكيلة أعماله رافاييلا بيمينتا ووالده ألفي هالاند صحة الشائعات المتداولة، مؤكدين أن الحديث عن انتقاله إلى النادي الملكي لا يستند إلى أي حقائق حالية.
وبين الجدل الدائر حول مستقبله مع الأندية الأوروبية الكبرى، يبقى تركيز هالاند منصباً على قيادة النرويج في كأس العالم، حيث سيكون أحد أخطر المنافسين الذين سيواجههم المنتخب العراقي في مشواره المونديالي.
********************************
إريكسن يسقط في الملعب بعد 5 سنوات من أزمة يورو 2021
واشنطن ـ وكالات
أثار نجم المنتخب الدنماركي كريستيان إريكسن حالة من القلق بعد تعرضه لانهيار مفاجئ خلال المباراة الودية التي جمعت الدنمارك بأوكرانيا، في حادثة أعادت إلى الأذهان الأزمة القلبية التي تعرض لها خلال بطولة أمم أوروبا عام 2021.
وسقط لاعب وسط فولفسبورغ الألماني أرضاً بعدما وضع يديه على صدره، قبل أن يتدخل الطاقم الطبي سريعاً لتقديم الإسعافات الأولية ونقله بعيداً عن أرض الملعب وسط مخاوف الجماهير واللاعبين.
ورجّح البروفيسور غونار غيسلاسون، كبير الأطباء ومدير الأبحاث في الجمعية الدنماركية لأمراض القلب، أن يكون جهاز مقوم نظم القلب ومزيل الرجفان المزروع في جسد إريكسن منذ حادثة 2021 وراء ما حدث، موضحاً أن الجهاز قد يطلق نبضات أو صدمات كهربائية تلقائية عند رصد اضطرابات خطيرة في نبض القلب، الأمر الذي قد يسبب شعوراً حاداً بالإرهاق وضيق التنفس وفقدان القوة.
كما أشار إلى أن عوامل أخرى، مثل الجفاف أو انخفاض ضغط الدم أو الارتفاع الكبير في معدل ضربات القلب أثناء المجهود البدني، قد تكون أسهمت في الحادث.
وفي المقابل، طمأن الاتحاد الدنماركي لكرة القدم الجماهير بشأن الحالة الصحية للاعب، مؤكداً أنه استعاد وعيه بسرعة وأن وضعه الصحي جيد قياساً بالظروف.
من جهته، أوضح طبيب المنتخب الدنماركي مورتن بوسن أن إريكسن سيخضع لسلسلة من الفحوصات الطبية لتحديد الأسباب الدقيقة للحادث، مشيراً إلى أن اللاعب تواصل مع زملائه وأكد لهم أنه بخير.
وكان إريكسن قد تعرض لتوقف مفاجئ في القلب خلال مباراة الدنمارك وفنلندا في بطولة أمم أوروبا 2021، قبل أن يتم إنقاذ حياته وزراعة جهاز مزيل للرجفان القلبي لمراقبة انتظام ضربات قلبه.
*********************************
الصفحة العاشرة
قصائد {شموع وكناطر} صهيل مهرة أصيلة
ثامر الحاج أمين
شهدت القصيدة الشعبية، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تحولًا كبيرًا على مستوى الشكل والمضمون، وكان أبرز ملامح هذا التحول هو الانتقال من نمط الشطرين "الشطر والعجز" إلى فضاء أكثر حرية في التعبير، والدخول بخطى واثقة إلى مملكة الحداثة. وعلى الرغم من ظهور وتبلور تيار جديد عُرف بـ "تيار الحداثة والتجديد" في بنية القصيدة الشعبية، وتأثيره في ساحة الشعر الشعبي العراقي، والذي حمل لواءه الشاعر الكبير مظفر النواب، وسارت على خطاه أسماء شعرية مهمة أسهمت بشكل كبير في تعزيز مكانة القصيدة الحديثة في مشهد الشعر الشعبي، إلا أن القصيدة الكلاسيكية ظلت حاضرة في الساحة، ولها جمهورها الواسع، من خلال استمرار شعرائها بالكتابة في أجناسها المختلفة، مع الإقرار بأن لكل من المدرستين ـ الكلاسيكية والحديثة ـ نتاجًا متباينًا من ناحية الجودة، وفخامة اللغة، وقوة الصورة الشعرية ودلالتها. ويعزز هذا القول أن كمًّا كبيرًا من الشعر الشعبي الكلاسيكي بقي خالدًا في ذاكرة الأجيال، متمثلًا في أشعار الحاج زاير والملا منفي عبد العباس وغيرهما، ممن انطوت أشعارهم على مزايا، من بينها بلاغة التعبير، والمهارة في اقتناص الصورة، والبناء الفني الرصين.
مؤخرًا أهداني الشاعر "علي تايه"، وهو من شعراء الجيل المتأخر في الكتابة، مجموعته الشعرية "شموع وكناطر"، التي ضمت أكثر من خمس وعشرين قصيدة تنتمي إلى المدرسة الكلاسيكية، وتنوعت قصائدها في أغراضها وبحورها وأوزانها. ومن أبرز ملامح هذه القصائد أنها جاءت محمّلة بالوجع الممزوج بالعناد والكبرياء، ويظهر ذلك في أكثر قصائد المجموعة، حيث يبوح بهمّه وشكواه وعناده في قصيدة "مرايه طبعي"، التي يُظهر فيها عزة نفسه ورفضه للخنوع والذل:
هذا حالي، لا تملّكت الرخيص.. ولا كلت للدوني عالي
راضي أعيش أمنازع ويه الروج كشاية.. ولا منّة الجالي
طبعي مستاحش مثل نجمة صبح عاشت غريبة
حالمه بطاري الليالي
ويستمد الشاعر هذا الكبرياء والاعتداد بالنفس من إرثه الحضاري، الذي يمزج فيه الخاص بالعام، كما هو ظاهر في قصيدته "الوطن فكرة"، التي يتباهى فيها بعراقيته، ويجد في الوطن فكرةً علمته المحبة والعفة والتصالح مع النفس، وكل السجايا الخيّرة التي ترفع من قدر الإنسان، ويعلن عن ذلك بفخر وثقة:
طولي نخله، وطعمي هور ومايي دجله
وخيري سنبل راضع امن الكاع دهله
ترابي ممزوج بألف كون وحضارات ومسله
عزمي فالات الرميثة الشبعت الصوجر مذله
انته يا أعرق حضاره انكتبت وأعظم مسله
انته يا دنية محبه وكبرياء الكون كله
"علي تايه" شاعر يكتب ببساطة متناهية، لا تحتاج إلى قارئ حصيف يمتلك عمقًا معرفيًا وثقافة واسعة لفك شفرات دلالات قصيدته، إنما قصائده تكشف عن نفسها دون تستر بالرموز والأقنعة ويكشف عن هذه البساطة في قصيدة "وطن الجياع" حيث يتفجر الشاعر غضبًا وحزنًا على ما آل إليه حال البلاد من فقر وما تتعرض له من ظلم الحكام وسطوتهم على مقدرات الشعب، إذ يتحملون مسؤولية ما تعرضت له البلاد من خراب وتراجع. وبألم وغصة يبث شكواه من الواقع الذي آلت إليه أحوال الوطن:
علامك يا وطن ويه الظلم موعود.. مشه ظالم اجاك النوب ألف ظالم
يوميه اعله كاعك ينولد جلاد.. وبمحراب صبحك ينذبح عالم
اسمعك تفتخر عمرك سبع تالاف.. وجبت أول حضاره وحرف للوادم
عمي اخذ الحضارة.. الناس خبزه تريد
شتفيده الحضاره بالكهف نايم
ومع كل الإحباط والخراب الذي أحاط بالشاعر، وشدة همجية الطغاة، إلا أنه يظل متشبثًا بالأمل، بعيدًا عن اليأس والتشاؤم، ومؤمنًا بالتغيير وحتمية انتصار الحقيقة، ويتجسد هذا التفاؤل في قصيدة "حلم "
أفرض انباكت حقيقه.. تبقه بمتون الدفاتر
يموت طاغي، يموت حاكم.. بس أبد ميموت شاعر
تطغه ظلمه، يطول ليل.. يبقه دوم الحلم عامر
وفي قصائده الغزلية، وهي كثيرة في المجموعة، يحاول الشاعر أن يُقحم الحكمة في عتابه للحبيب المتمرد:
مو كلتلك ضحك المناجل جذب.. بسنونهن موت السنابل تره
وكتلك الذيب الي يعاشر جدي.. أول وتالي يباوع لمنحره
باجر أكيد اتعض أصبعك ندم.. كبالك تطيح الأقنعه وبالسره
وعندما يتعب الشاعر من معاكسات أيامه، ويقف على أطلال سنواته الآفلة، يتدفق سيل أحلامه البريئة التي تأخذه إلى الماضي الفقير، حيث البساطة وطيبة القلوب والصداقات النقية. كل هذه الأحلام تهمس بها قصيدة "ورقة بيضة ":
أرد أعيشن نشوة أحلام الزغر.. والطيب والحب والتفاؤل
بيّه حنيه لصريفتنه الكصبها.. الهورنا الموال داخل
الخبزة أمي الجنه من ريحتها نشبع.. من على التنور ماكل
وبالعودة إلى القصائد الوطنية، يتغنى الشاعر بالوطن بطريقة تنم عن انتماء صادق وعاطفة جياشة، جسد هذه المشاعر في قصيدة "سر الخلود":
ردت أرسمك شفتك أكبر من مجره.. وكون ما تحويك لوحه
وردت أكتبك كل حرف.. يم هيبتك يزغر ومسحه
إن المجموعة الشعرية "شموع وكناطر" تمثل صهيل مهرة أصيلة في مرعى سادت فيه الأصوات النشاز، كما أن أشعارها تمثل تجربة طيبة تطمح إلى أن تجد لها مكانًا لائقًا في ساحة الشعر الشعبي العراقي، وهي تمتلك مشروعية ومؤهلات هذا الطموح.
***********************************
الشاعر والمهوال
حدود الوظيفة واختلاف الأداة
جواد الدراجي
لا يخفى على المتابع للشأن الثقافي أن الأدب يُعدّ واحدًا من أرقى الفنون التي سعت، منذ أقدم العصور، إلى التعبير عن الحياة وتحولاتها، عبر لغة قادرة على احتواء المشاعر الإنسانية وصياغتها في بناء جمالي يمزج بين الإبداع والدلالة. وكلما تقدّمت الأمم في مدنيتها واتسعت خبرتها الحضارية، ازدادت حاجتها إلى الفنون بوصفها وسيلة لفهم الذات الإنسانية والتعبير عن قلقها وأسئلتها وأحلامها.
ولأن العراق بلدٌ تشكّل الشعر في وجدانه منذ الأزمنة الأولى، فقد ارتبطت الكلمة المغنّاة والمنطوقة بمختلف تفاصيل الحياة اليومية، من تراتيل المعابد وهدهدات الأمهات، إلى الأغاني والأهازيج التي رافقت العمل والحرب والاحتفال والرثاء. وهكذا لم يكن الشعر في العراق ترفًا ثقافيًا معزولًا، بل ممارسة اجتماعية وجمالية متجذّرة في الوعي الجمعي.
وفي العقود الأخيرة، ومع ما شهده العراق من حروب وتحولات سياسية واجتماعية عميقة، تصاعد حضور البنية العشائرية داخل الفضاء العام، واتسعت تبعًا لذلك ظاهرة “المهاويل”، حتى تجاوز حضورها الميدان الشعبي إلى المنصّات الإعلامية والثقافية. ومن هنا بدأ التداخل بين شخصية المهوال والشاعر، على الرغم من الاختلاف الجوهري بين طبيعة الدور الذي يؤديه كلٌّ منهما، وبين الأداة والغاية والوظيفة.
فالمهوال، في جوهر أدائه، ينظم الأهزوجة المرتبطة بالموقف الآني، سواء أكانت في المدح أم الذم أم الرثاء أم الاستنهاض، وهي بطبيعتها تعبير صوتي سريع الصلة بالحدث الاجتماعي أو القبلي أو الديني. أما الشاعر، فإنه يتجاوز حدود المناسبة العابرة ليؤسس نصًا يحمل رؤية إنسانية وفكرية أوسع، معنيّة بالتعبير عن آمال الإنسان وآلامه وأسئلته الوجودية، فضلًا عن انشغاله بالجمال بوصفه قيمة عليا تتصل بالوعي والتغيير.
ومن هذه الزاوية، يختلف الطرفان في طبيعة التكوين المعرفي أيضًا؛ فالمهوال يعتمد غالبًا على الموهبة الفطرية والقدرة على الحضور الصوتي والارتجال، مستندًا إلى معرفته بالأعراف والتقاليد الاجتماعية. في حين يحتاج الشاعر إلى ثقافة واسعة ووعي عميق بطبيعة اللغة ووظائفها الجمالية والدلالية، فضلًا عن امتلاكه حساسية فنية قادرة على التقاط الانفعالات الإنسانية وتحويلها إلى بناء أدبي متماسك.
كما أن الفارق بينهما يتجلّى بوضوح في طبيعة الأداة الفنية المستعملة؛ فالمهوال يرتكز على الإيقاع والتنغيم وقوة الإلقاء من أجل صناعة تأثير مباشر وسريع داخل الجمهور، بينما يتعامل الشاعر مع اللغة بوصفها مادة إبداعية مركّبة، يوظّف فيها المجاز والتشبيه والرمز والتكثيف والاشتغال البلاغي، سعيًا إلى إنتاج نص يمتلك القدرة على البقاء والتأويل وإعادة الاكتشاف.
ولهذا فإن الشاعر لا يكتفي بمجرد الموهبة، بل يحتاج إلى خبرة معرفية وجمالية تتأسس على الاطلاع على علوم عديدة منها ( العَروض والنقد واللسانيات والفلسفة ) والاطلاع على عموم المنجز الإنساني في الآداب والفنون. فالشعر، بوصفه فعلًا إبداعيًا، لا يقوم على الانفعال وحده، بل على وعيٍ قادر على صهر التجربة الإنسانية داخل لغة تمتلك فرادتها وأفقها الفني.
أما المهوال، فعلى الرغم من أهمية حضوره الاجتماعي والشعبي، فإنه يبقى ابنَ الميدان واللحظة، يؤدي وظيفة محددة ضمن سياقها العشائري أو المناسباتي، من دون أن يعني ذلك تطابقه مع وظيفة الشعر أو اشتراكه مع الشاعر في الأدوات والرؤية والغاية الفنية.
********************************
كلــــــك صــــح
محمد جواد الكعبي
خليني أعلى زلفك
ولفي أتمرجح
ياعطر الجنان
أبخدك الما صح
يعطر الرازقي والقداح
يوم الفح
كلك صح
أشجاب الروح عل الوكح
يگمرة ليل
يوم الگمر غاب وشح
أشمن بيك ماأشبع
بوس أعلى الخدود أطبع
بليلة وياك ما أقنع
دخلني بواهسي شماريد
خل أصنع
وين تريد ؟
ماترجع
أخذني وياك حارس
لو ردت تطلع
من يمشي أيتمايل
ميل يترندح
دخليني أعلى زلفك
ولفي أتمرجح
*******************************
اتيّه بيك واَندلّك
ميثاق الهلالي
تجيني من آخر غروب البحر والنّاس
تلگاني اعلى جرف الليل
أصلّيلك نخل عطشان
اتيّه بيك واَندلّك
مطر يشبگ خضار اسمي
وافز من كل كتر غرگان
أريدك للعيون عيون!
عوّدت الدروب عليك
صورة شمس يومية الصبح
تندگ على الحيطان
ياصافي يبستان الصدگ!
بالطيف من نتلاگه روح بروح
واحد يرسم الثاني...
تحطني اعلى القلم بوسة
واحطّك بالورق شبّاچ
اناغيك ويطيرن عافية الواني
يا نورس بياضك طشّه فوگ الغيم
وانزل بالقصايد ماي
خاطر بالمطر والشعر تلگاني
ونكاسر: عطش روحي وندى ايامك،
برِد گلبي ودفو اسهامك
حزن وجهي وتعابيرك
وازيدك بالشعِر ديوان
وي كل بيت أحطلك بيت
وي كل قافية اتلگاك
وتشب القصيدة
منين ما تضحك تصاويرك
بعد غنّي لعطش عيني
بعد ياموسم النسرين..
بيّه من العمر بيبان
الك ومن السنين سنين
لاتكسر بوجهي الشوگ
وتطفّي العطر واللون
بايعني گبل لايشتعل تشرين
شوف الشجرة من تموت
بعيون السواجي شلون تتفطّر گلوب الطي
باچر من تجي الليل الثگيل يموت
والگمرة الشتال تزيد..
ضوّيلي الفرح بعيونك ولايات؟
حتى الصفنة بيهن عيد
غنّيلي الملاگه يريد
متوضي بحچي هلالك
وادوّر (للصلاه) نهران
يا باچر واصلّيلك
واجه الباچر مطر منك
غرگ طولي بقصيدة غيم
واتبلّل عطش روحي بمواويلك
واهد بيباني للضحكة
ويحط عصفور عالعتبة
يغنّيلي و يغنّيلك
واگلك : يا هلا بگلبي !!
واصيحن يا حلاة الجاي!..
من تضحك يطيرن دجلة والنورس
ويتدنّه البحر للهور
ويرگصن مشاحيف العمر للناي
من تضحك يطش الليلو عالجرفين
يتشظّه ويسلطن بالفرات الماي
باچر من تدگ الباب مامش گاع
تتلاگه السفن والغيم
باچر لاعطش لا نار
باچر بس دفو الملگه
يباچر ضاملك دنيا وأمان وروح
ضحكة مغمّسة بشهگة
يباچر من تجي البيبان والدم
والگلب مطلوبلك شبگة.
************************************
اسألك ليش
فقار الكرخي
أسألك ليش من تروح متگــول؟
تخلـيني بسـؤال يزاحـم أفكاري
ولا واحـد أسألـه اعليك وارتاح
غربـة الناس محـد جابـلك طاري
بعـدك روحي ضاگت نكهة الموت
كلـش منتهي و مو زينـة أخباري
تطفـة النار ندري ابرشـة المـاي
أشربت دجلة وبقت مشتعلة ناري!؟
بقت آثار دمـعي بوجهـي شگّين
دواي بلمسة ايدك تنمحـي آثاري
تعـال بطيف مرني ونگعد آنة وياك
ضيف بروحي تگعد مو فقط داري
روح لباب بيتك شوفني شخليت؟
أثر جـدمي أتركت گد انتظـاري
چذب عنتر وقيـس بحبي ينقاسون
فوگ الحب أحبك وانته ماداري؟
أريد اوصف محبتي ولكن احتاريت
قصص قاري شكثر بس هيچ ماقاري
خليك بمكـاني وحس بذية الشوگ
منو الگلك عليّْ، آنة انتــحاري!؟
************************************
الصفحة الحادية عشر
الجديد في المكتبة
• الادب الياباني في القرن العشرين/ الشعر، القصة، الرواية، النقد/ تأليف د. عمران الخياط. منشورات احمد المالكي- بغداد.
• الرؤى الاخراجية في المسرح وتعدد السريات/ تأليف أ. د. عقيل مهدي يوسف. اصدار: اتحاد الادباء والكتاب في العراق.
• جماعة كركوك واوراقهم المبعثرة عند حافات الذاكرة/ تأليف فاروق مصطفى. اصدار: اتحاد الادباء والكتاب في العراق.
• ممنوع اللمس ومسرحيات اخرى/ تأليف احمد الماجد. اصدار: دار الشؤون الثقافية- بغداد.
• لا تقصص رؤياك/ شعر د. هشام الشيخ عيسى. اصدار: دار الشؤون الثقافية.
• حجي سلطان وعواد النسوان/ رواية سهام الطيار، اصدار: دار المتن- بغداد.
• النبوءة والمأساة/ اوديب ملكاً/ تأليف احمد كاظم نصيف. اصدار: دار توليب- بغداد.
• عهود الوجع اليومي/ تأليف عبد الزهرة البياتي، اصدار: مؤسسة الحمامصي- بغداد.
**********************************
الأدب المقاوم وتحولات الخطاب من الفعل السياسي إلى المشروع الثقافي والجمالي
د. زياد أبولبن*
لم يكن الأدب المقاوم الفلسطيني بمعزل عن التحولات الكبرى التي أصابت الأدب العربي الحديث، بل جاء امتدادًا حيّـًا لتلك التحولات وأكثرها التصاقاً بالوجع الإنساني والقومي. فمنذ النكبة الفلسطينية عام 1948، ثم هزيمة حزيران 1967، وجد المثقف العربي نفسه أمام انهيارٍ عميق في الوعي الجمعي، وأمام أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والحرية والمصير، فكان الأدب، شعرًا وسردًا ومسرحًا، من أكثر الحقول الثقافية قدرة على التقاط هذه التحولات والتعبير عنها.
ولذلك لم يكن الأدب المقاوم مجرد خطاب سياسي أو شعاراتي مباشر، بل تحوّل مع الزمن إلى رؤية فنية وجمالية وفكرية، أعادت تشكيل اللغة والصورة والبناء الفني للنص. ففي بداياته الأولى، حمل الخطاب الأدبي نبرة تحريضية واضحة، متأثرًا بالمدّ الثوري والنضالي الذي اجتاح الساحة العربية، حيث ظهرت الأحزاب القومية واليسارية والتنظيمات الثورية التي جعلت من القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا في خطابها السياسي والفكري. ومن الطبيعي أن يتأثر الأدب بهذه المرحلة، وأن تتسرّب إلى النصوص مفردات الثورة والمقاومة والتحرير والهزيمة والمنفى، حتى غدا الأدب في بعض نماذجه أشبه بمنشور سياسي أو خطاب تعبوي موجّه إلى الجماهير.
غير أنّ هذه المرحلة، على أهميتها التاريخية، لم تستمر على صورتها الأولى، إذ سرعان ما بدأت القصيدة العربية، والفلسطينية خاصة، بالخروج من أسر الخطاب المباشر نحو فضاءات أكثر عمقًا وتعقيدًا. ففي مطلع السبعينيات، شهد الشعر العربي تحوّلًا واضحًا على مستوى البنية الفنية والرؤية الجمالية، حيث أخذ الشعراء يعملون على تفجير اللغة من داخلها، وكسر الأنماط التقليدية للقصيدة العربية، والانفتاح على أشكال جديدة في التعبير والتخييل.
وهكذا لم يعد الشعر ملتزمًا بالبناء العمودي الصارم، بل أخذت الصورة الشعرية تنمو داخل النص بحرية أكبر، متكئة على الرمز والأسطورة والتناصّ والإيحاء، ومستفيدة من تجارب الشعر العالمي والحداثة الغربية، مع محاولة إعادة قراءة التراث العربي قراءة جديدة. ومن هنا دخلت إلى القصيدة مفردات لم تكن مألوفة من قبل، بعضها مستمد من الخطاب السياسي والتنظيمي، وبعضها الآخر مستمد من التجربة اليومية للمنفى والمخيم والسجن والانتفاضة، حتى أصبحت اللغة الشعرية نفسها ميدانًا للمقاومة.
لقد عبّر الأدب المقاوم عن لحظة تاريخية شديدة القسوة، لحظة شعرت فيها الجماهير العربية بأن أحلام التحرير الكبرى قد تكسّرت تحت وطأة النكبة والهزيمة. فبعد ضياع فلسطين عام 1948، جاءت هزيمة 1967 لتعمّق الجرح العربي وتفتح الباب أمام مراجعات فكرية وثقافية حادّة، لم تتوقف عند حدود مواجهة العدو، بل امتدت إلى مساءلة الذات العربية نفسها، الأمر الذي جعل كثيرًا من النصوص تمارس نوعًا من جلد الذات وكشف أسباب التراجع والانكسار.
ولذلك لم يعد الأدب المقاوم أدبًا احتفاليًا بالنصر، بل صار أدبًا للوعي والأسئلة والقلق الوجودي، أدبًا يحاول أن يفهم كيف حدثت الهزيمة، وكيف يمكن للإنسان العربي أن ينهض من تحت ركامها. ومن هنا ظهرت مصطلحات عديدة ارتبطت بهذه المرحلة، مثل: الأدب المقاوم، والأدب الملتزم، وأدب النكبة، وأدب النكسة، وشعر الهزيمة، وشعر الانتفاضة، وهي جميعها تعكس التحولات الفكرية والجمالية التي عاشها الأدب العربي في تلك العقود.
وقد حظي الشعر بمساحة واسعة في هذا السياق، لأنه كان الأقدر على التعبير السريع والمكثف عن غضب الجماهير وأحلامها وآلامها. فالساحة العربية آنذاك كانت تغلي بالصراعات الفكرية والحزبية، وكانت الأحزاب القومية والثورية واليسارية تتنافس في استقطاب الشارع العربي، مما جعل كثيرًا من النصوص الشعرية تتلوّن بألوان أيديولوجية واضحة. ومع ذلك، فإن هذا التداخل بين الشعر والسياسة لم يكن دائمًا سلبيًا، بل أسهم أحيانًا في توسيع دور الشعر ومنحه حضورًا جماهيريًا غير مسبوق.
وفي المقابل، ظهر تيار آخر أكثر تمسكًا بالتراث العربي، رافضًا القطيعة الكاملة معه، ومؤمنًا بأن الحداثة لا تعني هدم التراث بقدر ما تعني إعادة تأويله واكتشاف طاقاته الكامنة. وهكذا دخل الأدب العربي في سجال طويل بين تيارات الحداثة والمحافظة، بين الانفتاح على التجارب الغربية والتمسك بالجذور الثقافية العربية، وكان الأدب المقاوم جزءًا أساسيًا من هذا السجال الفكري والجمالي.
لقد تأثّر الشعراء الفلسطينيون والعرب بحدث النكبة والهزيمة وما أعقبهما من انتفاضات شعبية ومواجهات يومية، فانعكس ذلك بوضوح على بنية النص الأدبي ورؤيته. ولم يعد الشاعر يكتب عن ذاته الفردية فحسب، بل أصبح صوتًا لجماعة كاملة تحمل جرحًا تاريخيًا مفتوحًا. ولذلك جاء التعبير الشعري معبّرًا عن حالة عربية عامة، وعن صوت الجماهير الغاضبة واليائسة والمتمسكة في الوقت نفسه بأمل الخلاص.
من هنا يمكن فهم الحضور الكبير لشعراء المقاومة الذين استطاعوا أن يجعلوا من القصيدة وثيقة وجدانية وتاريخية في آنٍ واحد. فقد ظهرت قصائد ودواوين كثيرة تحتفي بالمقاومة الشعبية وتستدعي البطولة والشهادة والمنفى والعودة، لكنها لم تكن جميعها على الدرجة نفسها من النضج الفني؛ فبعض التجارب بقي أسير الانفعال والخطابية المباشرة، بينما استطاعت تجارب أخرى أن تتجاوز الظرف السياسي إلى أفق إنساني وجمالي أوسع.
وفي هذا السياق، يبدو ما يقوله جابر عصفور في كتابه "مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي" شديد الدلالة، حين يؤكد أن الجماعة لا تتأثر بالشعر إلا إذا لامس حياتها وهمومها. فالشعر المقاوم نجح في التأثير لأنه لم يكن منفصلًا عن معاناة الناس، بل كان جزءًا من يومياتهم وأحلامهم وانكساراتهم.
وهكذا استطاع الأدب المقاوم أن يتحوّل من مجرّد ردّ فعل سياسي إلى مشروع ثقافي وجمالي متكامل، مشروع أعاد تعريف العلاقة بين الأدب والواقع، وبين اللغة والتاريخ، وبين الشاعر وجماعته الإنسانية. ولذلك بقي هذا الأدب، رغم تحولات الزمن، شاهدًا على مرحلة عربية عصيبة، وذاكرة حيّة تحفظ تفاصيل الألم والأمل معًا، وتؤكد أن الكلمة كانت، وما تزال، واحدة من أكثر أدوات المقاومة قدرة على البقاء.
ــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب وقاص وناقد/ مدير عام مركز دراسات القدس في عمان/ الاردن.
*************************************
الحروف الأخيرة من رسالة الغفران
فيصل جاسم
لرسالة الغفران بعض من دم الاعمى
و من وحي البصيرة مذعنا لفرادة الرؤيا
سعير الروح يكبر في الفراديس البعيدة
انه فيض الجحيم مؤسسا للويل في ارواحنا
لسنا زنادقة لكي يرتاب منا الناس
من ايماننا بالرب أو من كفرنا بالرب
أنا مؤمنون بدمعنا و بكائنا و عويلنا و نحيبنا
و بما تعطل من مباهجنا
و نعبد غائبا إذ لا نراه
فإن غيمته ترانا
أمطرت حسكا علينا ثم انبت ماؤها شجرا كثيفا
يملأ الساحات و المدن البعيدة و القريبة
ثم تنكشف السريرة، نحن مبتهجون والكلمات
بدءا من حروف الجر حتى احرف العطف
التي من دون عاطفة تأسس حرفها.
لرسالة الغفران بعض من دم الشعراء
قوالين مرتجلين من ريح الجراد
سيأكل الاغصان ثم يهجر ارضنا لبلاد شرق الهند
حيث ملاحم الاجداد يكتنفون سر الله
او سر الطبيعة، كان (ابن القارح) المعجون في ماء التعجب، سائلا عن كل شيء
غير أن جوابنا انا نفيض محبة وكآبة في اخر الزمن الكئيب، سينتهي في ذات فجر غامض كغموض اعمى لا يرى الا ظلاما دامسا
لكنه في الشعر يبصر ثم يبصر ثم يبصر.
ثم لا ينفك يسأل مبصرا عن سر هذا الباصر المفتون
عن فحوى المحبة ثم فحوى الله، فحوى الدين،
فحوى النار، فحوى جنة الفردوس، فحوى الملك الصالح جبرائيل، فحوى الملك القابض عزرائيل،
ثم بسكت مبصرا، لا بل تجيب اصابع الكفين
روح الجسد الغاطس فيها،
راهنا ايامه في المحبسين لانها الأيام تكتب
كل ما تبغي هنا في عقرب الساعات
إذ يلتف محتقنا اذن برقابنا
كالحبل في لحظات اعدام الحقيقة و الكلام
***************************************
مقاربة تفكيكيّة في البنية العلاماتيّة للوحة الفنان حسين نجم
اقتصاد العلامة وانهيار المركز الإدراكي
د. مسار حميد الناصري
حين يفقد الفن وظيفته التمثيلية المباشرة، يبدأ بالتحول من إعادة إنتاج العالم إلى إعادة مساءلته.
وهذه النقلة هي التي منحت التشكيل المعاصر شرعيته الجمالية الجديدة؛ إذ لم يعد العمل التشكيلي يقاس بمدى مطابقته أو محاكاته للمرئي، إنما بقدرته على تفكيك الأنظمة الإدراكية التي تجعل المرئي ممكنًا أصلًا. ومن هنا أصبحت اللوحة بنية معرفيّة تنتج واقعها الخاص، وتعيد كتابة العلاقة بين الجسد والوعي، بين الشكل والمعنى، وبين الحضور وما يتخفى خلفه من غياب.
ضمن هذا الأفق التأويلي تتحرك تجربة الفنان حسين نجم، إذ تتجاوز اللوحة حدود التعبير البصري لتصبح خطابًا تفكيكيًا عن الذات الحديثة وهي تواجه انهيار مركزها الداخلي، لذا نقف هنا أمام بنية قلق وجودي تمارس اشتغالها عبر الاقتصاد العلاماتي، والإزاحة البصرية، وتشظي الكينونة الإنسانية داخل فضاء تتراجع فيه يقينيات المعنى.
فمنذ اللحظة الأولى يواجه المتلقي مفارقة تشكيلية حادة: جسد يحتل مركز اللوحة بحركة انسيابية واسعة، ورأس منزاح إلى الهامش السفلي، منفصل عن الجسد ومستقر فوق كتلة هندسية مغلقة، غير أن هذه المفارقة لا تبنى على هيئة صدمة سوريالية أو تمرينًا تجريديًا، وانما هي استراتيجية تفكيكية تهدف إلى زعزعة مفهوم " المركز" نفسه، وتنبع كثافة هذه المفارقة من حمولتها الفلسفية العميقة إذ يظل الرأس داخل الإرث الفلسفي الغربي، ليمثل موضع السيادة الإدراكية والعقلانية. انه مركز المعنى ومصدر النظام والمرجع الذي يمنح الجسد شرعيته الوظيفية لكن الفنان هنا يعيد تقويض هذه المركزية بوساطة تفكيك العلاقة العضوية بين الرأس والجسد، إذ يتحول الرأس من مركز يقود الكيان إلى أثر معزول فاقد لسلطته القديمة
هنا الرأس لا يبدو مقطوعًا بقدر ما يبدو مستبعدًا. وهذه النقطة بحد ذاتها تكشف عمق الوعي الجمالي للعمل؛ فالفنان يشتغل على العنف الفلسفي الكامن في الإقصاء الهادئ لا على العنف البصري إنه لا يدمر العقل، فهو يجرده من مركزيته، ويضعه في حالة مراقبة عقيمة، ليصبح الوعي شاهدًا على العالم لا فاعلًا فيه.
ولهذا يكتسب الرأس كثافته الدلالية من عزله، فهو موضوع داخل بنية هندسية شبه مغلقة، وكأن العقل نفسه تحوّل إلى منطقة احتجاز معرفي فيما يتمدد الجسد داخل فضاء اللوحة بحرية ظاهرية حيث يبقى الرأس ساكنًا، متخشبًا، أقرب إلى بقايا مركزٍ انهارت سلطته الرمزية.
غير أن المفارقة الأكثر تعقيدًا تكمن في أن الجسد على الرغم من فقدانه الرأس لا يبدو عاجزًا، فهو يبدو أكثر قدرة على الحضور والحركة. وهنا يكمن الاشتغال التفكيكي الحقيقي للعمل؛ إذ لا يمنح الفنان الجسد سلطة بديلة عن العقل، فهو يكشف هشاشة الثنائية نفسها، الجسد يتحرك، نعم، لكنه يتحرك بلا يقين. إنه لا يرقص تعبيرًا عن الحرية، إذ يدور بوصفه كائنًا فقد مركزه ويحاول أن يؤجل سقوطه في الفراغ.
ومن هنا تتحول الحركة الدائرية للفستان إلى واحدة من أكثر العلامات كثافة داخل التكوين. فالدائرية هنا لا تحمل دلالة الاحتفال أو الانسجام، إنما هي دلالة التكرار القلق، وكأن الجسد عالق داخل مدار وجودي مغلق لا يستطيع الخروج منه. إنه دوران أقرب إلى الطقس الصوفي من جهة، لكنه طقس فقد وعده بالخلاص من جهة أخرى.
ففي التجربة الصوفية، يقود الدوران إلى الفناء في المطلق، أما هنا فإن الدوران لا يقود إلا إلى مزيد من التشظي. ولذلك يبدو الجسد وكأنه يتحرك داخل فراغه الخاص، لا داخل العالم. إنه جسد يبحث عن توازنه بعد أن فقد الرأس سلطته، لكنه لا يعثر إلا على المزيد من التيه.
فضلا عن أن الفنان تعامل مع الجسد لا ككتلة تشريحية، فقد أوحى كونه أثرًا ضوئيًا هشًّا. فالخطوط البيضاء التي تحدد الأطراف والثوب لا تمنح الشكل كثافة مادية، بقدر ما تفرغه من امتلائه الواقعي، ليصبح أقرب إلى شبح بصري يتآكل تدريجيًا داخل الفضاء البنفسجي. ومن هنا فإن الجسد لا يمنحنا حضوره إنما احتمال حضور، أو بقايا كينونة لم تعد قادرة على تثبيت ذاتها داخل العالم.
أما اللون البنفسجي فهو ليس اختيارًا لونيًا بقدر ما هو بنية نفسية وفلسفية. إنه اللون الذي يقف في المنطقة الفاصلة بين العتمة والاشتعال، بين الروحي والجسدي، بين الحلم والانطفاء؛ ولهذا يهيمن البنفسجي على اللوحة بوصفه مناخًا شعوريًا لا خلفية بصري.
وفي الحقيقة إن هذا الامتداد البنفسجي لا يحتضن العناصر بقدر ما يعزلها داخل صمتها الداخلي، فهو يخلق فضاء معلقًا، منزوع اليقين، تبدو فيه الكائنات وكأنها تتحرك داخل ذاكرة معتمة أو حلم يتبدد ببطء. وحتى التدرجات اللونية لا تعمل بوصفها انتقالات جمالية، بل بوصفها اهتزازات نفسية تكشف هشاشة الكائن وعدم استقراره.
وفي مقابل هذا الامتداد المعتم، تظهر الخطوط البيضاء كمقاومة هشة ضد الذوبان. فهي تترك لنا الإحساس بأن الشكل على وشك الاختفاء. أما اللمسات الصفراء، فتبدو كشظايا إدراك أخيرة، أو بقايا وعي تتسرب وسط العتمة البنفسجية، وكأن الفنان يريد أن يقول إن العقل لم يمت تمامًا، لكنه فقد قدرته على تنظيم العالم.
ويبلغ العمل ذروته الجمالية في اشتغاله على الفراغ. فالفراغ هنا ليس حيزًا خاليًا، إذ يتجلى كعنصر دلالي يمارس ضغطه الصامت على التكوين. إنه فراغ منتج للمعنى، لأنه يكشف هشاشة العناصر أكثر مما تكشفها الخطوط نفسها؛ ولهذا فإن المسافة بين الرأس والجسد تقرأ كفجوة وجودية تفصل الإنسان عن مركزه الإدراكي.
ونخلص إلى أن الفنان قد اشتغل وفق مبدأ " اقتصاد العلامة" فلجأ إلى تقنين العناصر إلى الحد الذي أصبحت فيه كل علامة حاملة لفائض تأويلي هائل، فلا شيء داخل اللوحة مجاني أو زخرفي؛ كل خط يؤدي وظيفة فلسفية بقدر ما يؤدي وظيفة بصرية. ومن هنا يتحول الاختزال من تقنية تشكيلية إلى موقف معرفي يرى أن الحقيقة تدرك بوساطة التشظي، وهكذا يتحول الاختزال نفسه إلى آلية لإرجاء المعنى لا لتثبيته، إذ تصبح العلامة أكثر اتساعًا كلما ازدادت اقتضابًا؛ ولهذا فإنّ اللوحة لا تمنح معناها دفعة واحدة، فهي تؤجله باستمرار، وترفض أن تستهلك بصريًا بسرعة؛ لأنها تقوم على استدامة السؤال لا على الإبهار الشكلي، فالمتلقي حين يواجه اللوحة يدخل في تجربة تأويلية يصبح فيها شريكًا في إنتاج المعنى وعند هذه النقطة تحديدًا ينفتح العمل على أفقه الفلسفي الأعمق،.
إنها لوحة لا تقدم الجسد كموضوع جمالي، ولا الرأس بوصفه عضوًا تشريحيًا، إنها تقدم الإنسان المعاصر بهيئة كائن فقد انسجامه الداخلي؛ ولهذا فإن الرأس المعزول ليس رأس امرأة في ظاهر الأمر إنما هو رأس الوعي الحديث نفسه؛ وعي يراقب العالم من هامشه بعد أن فقد يقينه القديم.
وهكذا تتحول اللوحة عند حسين نجم إلى خطاب بصري عن انشطار الذات المعاصرة، وعن انهيار المراكز الكبرى التي كانت تمنح الإنسان شعور التماسك. إنها لا ترسم امرأة تدور داخل فضاء بنفسجي، إنما ترسم الكائن الحديث وهو يدور داخل فراغه الوجودي، باحثًا عبثًا عن مركز لم يعد ممكنًا استعادته..
*********************************
قصتان قصيرتان
ياسين الزبيدي
• أبواب موصدة
يبتلع الزّقاق الغارق بالضّباب صوته المتعب وعلى الرغم من أعوامه الفتيّة الغضّة إلا أنه يذوي، ويشيخ ..
يصّلح الأبواب، يفتح الأقفال الّتي ضاعت مفاتيحها
فيما يظلّ الصّوت يملأ الزّقاق
الجّميع يغرقون في النّعاس ولذة الدّفء إلاه.
يتوقف فجأة عن الصّياح.
يتذكر أبواب عمره الموصدة وأقفالا لم يجد يوما سبيلا لفتحها. يبتسم بألم وهو ينظر لعدة العمل الّتي يحملها
تبزغ في رأسه صورة الشّيخ الطّاعن بالسّنين والذي تركه هناك في بيت آيل للفجيعة تتكوم عند رأسه أدوية لا تجدي نفعا..
• زيارة
يأتي من بعيد
ترافقه الرّيح ، شارع مقفر ليس فيه سواه.
رغبتان تتنازعانه.
الرّغبة في الوصول والرّغبة في أن يبقى ماشياً بلا توقف.
الطرق تبدو غاية في الرّوعة كلّما توغلت العتمة و مع ريح مخيفة ونجوم غارقة في النشوة..
يصعد السّدة التّرابية، يتعالى نبض قلبه ،على هذا الدرب يبصر آثار أقدام لصغار كانوا يوما هنا يخطون. يسمع أصوات كركراتهم
تتناسل الذكريات في رأسه..
كانوا هنا.. تتألق في رأسه صورة البيت الطّيني المقام تحت السّدة التّرابية
يواصل السّير..
يقف على حافة المنزلق الذي يقوده لدرب يفضي لذلك البيت يحدق من بعيد ،يبصر البيت الطيني المظلم .
يخيل له أن ثمة كلب ضخم يربض عند عتبة البيت الطيني يتهيأ للوثوب عليه..
تغيم ملامحه، فيجهش بالبكاء.
**************************************
الصفحة الحادية عشر
مدينة الحي تستذكر شاعرها الراحل زاهد محمد زهدي
الحي – طريق الشعب
عقد اتحاد الأدباء والكتاب في واسط بالتعاون مع منتدى الشباب في قضاء الحي، عصر السبت الماضي، جلسة استذكار للشاعر والمناضل د. زاهد محمد زهدي، في مناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله.
الجلسة التي احتضنتها قاعة منتدى الشباب، وسط مدينة الحي (محل ولادة الفقيد)، حضرتها نخبة من الأدباء والمثقفين والإعلاميين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي. وقد أدار الجلسة الشاعر همام قباني، واستهلها بكلمة تناول فيها المكانة الإبداعية والوطنية للشاعر الفقيد، مستعرضاً أبرز محطات حياته ومنجزه الشعري والإعلامي.
بعد ذلك، ألقى رئيس اتحاد أدباء واسط الشاعر طه الزرباطي، كلمة أشار فيها إلى "أهمية استذكار الرموز الثقافية العراقية والحفاظ على إرثها الإبداعي بوصفه جزءاً من الذاكرة الوطنية والثقافية للبلاد".
فيما ألقى الأديب محسن ناصر الكناني كلمة باسم اللجنة المنظمة للفعالية، أوضح فيها أن استذكار الفقيد يأتي وفاء له كواحد من أبناء مدينة الحي الذين تركوا أثراً بارزاً في الشعر والإعلام والثقافة.
وكانت لمنتدى الشباب كلمة ألقاها مديره رشيد حميد سهيل العقابي، أكد فيها استمرار المنتدى في احتضان الأنشطة الأدبية والثقافية والفنية والاجتماعية، انسجاماً مع رسالته في خدمة المجتمع وتنمية الوعي الثقافي بين الشباب.
وفي محور الشهادات والقراءات، قدم الروائي والمترجم د. علي عبد الأمير صالح، ورقة تناول فيها جوانب من تجربة الفقيد الأدبية والفكرية. فيما تحدث الشاعر رضا حبيب الحياوي عن أثر الراحل في الشعر الشعبي العراقي، وقدم الأستاذ بشار قفطان قراءة استذكارية سلط فيها الضوء على جوانب من سيرتي الفقيد الإبداعية والوطنية.
وفي سياق الجلسة، عُرض فيلم توثيقي عن الفقيد ومنجزه الثقافي والإعلامي، من إعداد الإعلامي المعروف وليد حبوش. ويستعرض الفيلم أبرز محطات حياته منذ نشأته في مدينة الحي مروراً بتجربته الشعرية والإذاعية ووصولاً إلى حضوره المؤثر في الثقافة العراقية.
وفي الختام، ألقى مدير الجلسة كلمة أكد فيها القيمة الأدبية والوطنية للشاعر الفقيد، مشيرا إلى ان المبدعين الحقيقيين يبقون أحياء في ذاكرة أوطانهم بما تركوه من أثر وإبداع ومواقف نبيلة.
يُذكر أن د. زاهد محمد زهدي يُعد من أبرز شعراء العراق في القرن العشرين. وقد جمع بين الشعر الشعبي والفصيح والعمل الإعلامي والثقافي. كما ارتبط اسمه بعدد من الأغنيات الشهيرة التي تغنى بها مطربون روّاد، فضلاً عن حضوره الوطني والثقافي الذي لا يزال حاضراً في الذاكرة العراقية حتى اليوم.
************************************
شهداء الصحافة في غزة
يافطة كبيرة تضم صور وأسماء نحو 183 صحفية وصحفيا، استشهدوا على يد الاحتلال الصهيوني في غزة.
وضُعِت اليافطة في قاعة استقبال جمعية الصحفيين المصريين في القاهرة.
************************************
معاً لبناء بيت الحزب.. بيت الشعب
دعماً للحملة الوطنية لبناء مقر الحزب الشيوعي العراقي، تبرع الرفاق والأصدقاء:
• اسيل جبار الخزرجي (100) الف دينار
• نصير صادق فريح (50) الف دينار
الشكر والتقدير للرفاق والأصدقاء على دعمهم واسنادهم حملة الحزب لبناء مقره المركزي في بغداد.
معاً حتى يكتمل بناء بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين.
***********************************
• يُضيّف منتدى "بيتنا الثقافي" في بغداد هذا اليوم الثلاثاء، الشاعر د. عمر السراي، في جلسة حوارية حول الشعر والثقافة وأسئلة الكتابة، يُديرها د. جاسم محمد جسام.
تبدأ الجلسة في الساعة الخامسة عصرا على قاعة المنتدى في ساحة الأندلس.
• يعقد الاتحاد العام للأدباء والكتاب غدا الأربعاء، جلسة احتفاء وتكريم للمترجم عبد الواحد محمد، يُساهم فيها عدد من الباحثين والمترجمين، بمشاركة دار المأمون للترجمة والنشر.
تبدأ الجلسة التي سيديرها د. هيثم الزبيدي، في الساعة السادسة مساء على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد بساحة الأندلس.
*************************************
ليس مجرد كلام.. كنْ محبّاً للخير دائماً..!
عبدالسادة البصري
الأنانية البغيضة وذاتها المتضخّمة تجعل من المرء كائناً عدائياً، لا يتورّع عن فعل أي قبيح في سبيل إرضاء ذاته المريضة، أمّا المحبّة الحقيقية ونكران الذات والتسامح وفعل الخير فإنها من صفات النبلاء، لا يمكن أن يمتلك جزءاً منها أيُّ كائنٍ أنانيّ النزعة يتملّكه الحقد، يكيل التهم جزافاً ويحرّض على قتل الآخرين كي يتسيّد الأمر والمكان ليملأ جوفه بالسحت الحرام ويرضي غروره وأنانيته البشعة التي لا يعرفها إلاّ الممسوسون وخفافيش الظلام ومصاصو الدماء !!
كنّا وما نزال لا نعرف من هذه الصفّة البغيضة والمؤذية للآخرين شيئاً لأننا تربّينا على المحبّة ونكران الذات وفعل الخير، لكن عندما كبرنا ودخلنا الحياة العملية والثقافية صدمتنا هذه الأمراض التي تبتعد كلياً عن التسامح والإيثار وحبّ الخير للجميع، بين آونة وأخرى يظهر شخص يريد السيطرة والاستحواذ على كل شيء،يختلق الخلافات والأزمات ويكيل التهم جزافاً وبكلّ صورها الرديئة بينه وبين مَنْ يختلف معه في الرأي أو لا يقبل أفعاله المشينة !!
أذكر عندما كنّا معتقلين في سجن الرضوانية سيّء الصيت عام 1992 كان المراقِب يسيطر على القاعة وبيده كلّ شيء، من توزيع الأكل وأماكن النوم إلى وقت الذهاب إلى الحمّام والتدخين، ويشترط أن تكون له الحصّة الكبرى في كل شيء،هو الآمر الناهي فإذا اختلف مع أحدنا نتيجة معارضة الآخر لسطوته وفساده نُحرم من الراحة بشكل كامل ويشي بنا لننال عقاباً دون ذنب إرتكبناه !!
سقت هذه المقدمة الآن بسبب ارتكاب البعض افضع الأفعال والكتابات والتصريحات التي تودي بالآخرين إلى القتل دون ذنب اقترفوه سوى أنهم لم ينصاعوا إلى أمره وطلبه بتسيّده وإعطائه زمام أمورهم كما يفعل بعض السياسيين حين تتعارض مصالحهم الخاصة مع أيّ امرئ للأسف،إذ تجد البلاد تدخل في سلسلة من الأزمات والمشاكل التي يدفع ثمنها الأبرياء دائماً وتتجدد هذه الأقوال والتصريحات والافعال كلّما اقترب موعد الانتخابات للأسف !!!
ذات مرة قرأت قصّة اللودي جوديفا زوجة الأمير ليوفريك حاكم ولاية كوفنتري البريطانية في العصور الوسطى التي ارتضت أن تسير في الشوارع عارية لتنفّذ شرط زوجها كي يخفّف الضرائب عن المواطنين الفقراء، حيث قابلها الناس بالمحبّة والتقدير معبّرين عنه بغلق أبواب منازلهم ونوافذها كي تمرّ في الشوارع عارية دون أن يشاهدها أحد، ليرضخ الأمير لطلبها صاغراً ويسمو فعلها الإنساني الكبير عالياً كونها آثرت على نفسها كل ما فرضه الزوج الظالم من شرط في سبيل إنقاذ الناس، وقد خلّدها أحد الرسّامين بلوحة ظلّت مثالاً للإيثار وعمل الخير ونكران الذات، وهناك أمثلة يرويها لنا التأريخ بأحرف من نور، غير الأفعال المشينة التي تودي بصاحبها إلى الحضيض وكره الناس له حين يستفحل المرض النفسي عنده وتتضخّم أناه ليصبح وحشاً لن يتورّع عن ايذاء أقرب الناس إليه !!
العمل الإنساني بكل أشكاله لن يموت، بل يتذكّره الناس بأجمل الحكايات وأحلاها، خلافاً لفعل القبيح والدنيء الذي يظلّ وصمة عار في جبين فاعله، وتطارده لعنة الناس أينما حلّ، فلا تجعل للأنانية مكاناً في حياتك وكن إنساناً محبّاً للخير دائماً لتسمو البلاد وتزدهر بالمحبّة بين الجميع .
*************************************
قف.. إغواءات السلاح
عبد المنعم الاعسم
مقاومة العدوان، والسلطات الاستبدادية، مشروعة بمختلف الوسائل، غير أن استخدام السلاح، هنا، تمليه جملة معقدة من الشروط، وفي أحوال كثيرة، وحين يقع المقاومون تحت اغواء واستسهال القتال، ينقلب ذلك السلاح إلى عبء، ويلحق الأذى بالمدنيين، أكثر مما يلحقه بـ"جنود العدو"، وفي إحصائية عن ضحايا العمل المسلح في شمال إيرلندا، جاء في كتاب (حيوات ضائعة) ألّفه ثلاثة من الأكاديميين الإيرلنديين، أن من بين 1771قتيلا بالمواجهات المسلحة كان القتلى من جنود القوات البريطانية المحتلة لم يزد عن 445 جندياً، أما في الجزائر فلإن المقاومة المسلحة سحقت ما يصل إلى مليون ضحية من الجزائريين، وكان للسلاح ان يتمّ حصره بيد حكومة الاستقلال، لكن سرعان ما استخدم في الصراع على السلطة بين أجنحة جبهة التحرير الجزائرية ليقضي على حياة مئات الألوف من المدنيين، وأجيال من أبناء الثورة، قبل أن تشهره الجماعات الإسلامية الإرهابية لتزج البلاد في محرقة حرب أهلية كارثية امتدت لسنوات، وما تزال فلولها تعربد بالسلاح في أرياف الجزائر.
وفي كمبوديا، ارتكبت جماعات "الخمير الحمر" المسلحة، بعد استلامها السلطة، مذابح مروعة، وعذرها الذي روجته في حملتها ضد أبناء المدن، وانتهت بمليون قتيل، بأن "السلاح مقدس، والارواح رخيصة دونه".
في أنغولا مثلا، يقول السلاح، بلسان فصيح، لقد قاتلتُ من أجل الاستقلال 14 عاما، لكنني واصلتُ 27 عاما أخرى في حصاد الارواح.. وحماية مزارع المخدرات.
*قالوا:
إرمِ بندقيتك.. أكره هذه الآلة الدموية".
موشيني- شاعر إيراني
******************************
حكايات من رحلتي مع الحياة
عن "دار ميزر للطباعة والنشر" في السويد، صدر حديثا كتاب بعنوان "حكايات من رحلتي مع الحياة"، من تأليف النصير حسين عبد السادة.
يتناول المؤلف في كتابه مسيرة حياته والتحاقه بالحركة الانصارية التابعة للحزب الشيوعي العراقي حتى وصوله الى دول اللجوء.
ويقول في مقدمة الكتاب: "هي حكايات صغيرة لوقائع عشتها، من رحلة طويلة، امتدت بين مدن وأمكنة ووجوه لا تنسى، حملت فيها حقيبة واحدة هي الذاكرة - من سراديب النجف الى معسكرات التاجي، ومن البيوت مع الأنصار (البيشمركة) الى شوارع موسكو والسويد".
يقع الكتاب في 172 صفحة. وقد صمم غلافه الأستاذ صباح السبتي.
***************************************
في البصرة رابطة المرأة تحتفل بيوم الطفل العالمي
البصرة – صلاح العمران
أقامت رابطة المرأة العراقية في البصرة مساء الجمعة الماضية، احتفالاً في مناسبة يوم الطفل العالمي، وذلك على مسرح "شارع الفراهيدي" للثقافة والفنون، وبحضور عدد كبير من العائلات وأطفالها، إلى جانب جمع من روّاد الشارع.
ورُفع الأطفال في الاحتفال شعارات تشدد على أهمية حماية الطفولة وضمان حقوقها. فيما قرأت سكرتيرة الرابطة ربيعة الحمزة، بيان الرابطة في المناسبة، والذي أكدت فيه أن "أطفال العراق ثروة الحاضر وصناع المستقبل، وأن مسؤولية حمايتهم وتعليمهم ورعايتهم تقع على عاتق المجتمع بأكمله".
وأشارت إلى أن الكثيرين من الأطفال لا زالوا يواجهون تحديات الفقر والنزوح والعنف والحرمان من التعليم والرعاية والأمان، مجددة الدعوة إلى المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، للعمل المشترك من أجل حماية حقوق الأطفال وفق الاتفاقيات الدولية، ومكافحة عمالتهم وتسربهم الدراسي، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من النزاعات والعنف، فضلاً عن تعزيز ثقافة المحبة والتسامح والمساواة بينهم.
وشارك في الاحتفال الطفلان آدم محمد ويارا مصطفى، في تقديم مجموعة من "الحزورات" والمسابقات الترفيهية. فيما جرى توزيع الهدايا على الأطفال الفائزين وأقرانهم الحاضرين.
كذلك ألقت الشاعرة سهاد بندر قصيدة في المناسبة.
******************************
في الموصل توقيع كتاب {الاشتراكية البيئية}
الموصل - عبدالله عمر
احتضن "مركز يحيى قاف" الثقافي في الموصل، الجمعة الماضية، حفل توقيع كتاب "الاشتراكية البيئية" للمفكر الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، بترجمة عبد العزيز ججو. حضر الحفل المترجم ججو ونخبة من مثقفي المدينة وشبابها المهتمين بالشأنين الفكري والثقافي. واستهل المترجم الحفل بالحديث عن الكتاب، مبينا أنه يطرح فكرة مركزية مفادها بأن "الرأسمالية لا تدمر الاقتصاد وحده، إنما تأكل الكوكب معه. وأن الأزمة البيئية ليست عطلاً تقنياً قابلاً للإصلاح، بل نتاج طبيعي لمنطق النمو اللامحدود". وأوضح أن الكتاب يدعو إلى سياسة اقتصادية ترى في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك منظومة واحدة مترابطة، لا يمكن معالجة أيٍّ من أطرافها بمعزل عن الآخر، مشيرا إلى ان ما تعيشه أوربا اليوم من أزمات بيئية واقتصادية متشابكة لا يمكن فصله عما يجري في العراق. وتابع متحدثا عن التدهور البيئي "كظاهرة كونية تتشارك في أسبابها دول الشمال الغني ودول الجنوب المنهك على حدٍّ سواء، وإن تفاوتت درجة تحمّل كل طرف لتبعاتها"، مضيفا أن "العراق يعيش اليوم جزءاً من هذه المعادلة، في ظل تراجع متسارع في منسوب المياه وتصحر متقدم وسياسات لا ترى في البيئة أولوية، بينما يتواصل الاستنزاف النفطي الذي يُغذّي النموذج الاقتصادي ذاته الذي ينتقده بيكيتي". وأوضح ججو أن اختياره هذا الكتاب تحديداً جاء من إيمانه بأن القارئ العربي يستحق الوصول إلى هذا النقاش، لا أن يظل حكراً على من يقرأ الفرنسية أو الإنكليزية، مبيناً أن مشروعه في ترجمة الكتابات الأكاديمية اليسارية الأوربية يهدف إلى ردم هوّة طويلة بين الفكر الاقتصادي النقدي في الغرب وجمهوره العربي المحتمل.
وفي الختام، وقّع ججو نسخا من الكتاب ووزعها على مقتنيها.