اخر الاخبار

في مساء ليلة رأس السنة كنت ضمن "كروب" نظمته إحدى شركات السياحة المرموقة في محافظة بابل، التي اعتادت كل عام على ضم مجموعة مختارة من أدباء وفناني ومثقفي المحافظة يقودهم الصديق قاسم محمد حميو في رحلة سياحية إلى مدينة البصرة.. ويا لسعادتي وأنا أقابل تلك النخبة من المسرحيين، منهم الفنان غالب العميدي نقيب فناني بابل لسنوات عديدة، والفنان علي التاجر، والفنان محمد المرعب عضو فرقة المسرح الفني الحديث أيام مجدها في السبعينات، والفنان جواد الصايغ. ومن الأدباء والباحثين الأساتذة أحمد الناجي، محمد علي محي الدين، ذياب آل غلام، باسم محمد حمزة، عدنان الحسيني، جليل الجباوي، جعفر المرعب، منور ناهض الخياط، نبيل الربيعي، محمد القريشي، مهدي صالح أبو نضال، مهدي الفحّام، عقيل الجبوري والتشكيلي مكي عمران والموسيقي زهير بدران.

 شعرت حينها بأني ضمن "كروب" ثقافي لم يتوان عن تقديم مسرحيتين الأولى في قاعة الفندق، وأخرى في بيت السياب في جيكور، مع قراءة القصائد، والخوض في نقاشات أدبية وتاريخية بعيدا عن السياسة، بحثا عن فسحة ترفيه تزيل ولو جزءا من همومنا اليومية.

 ازدان وجودنا بجو شتائي دافئ تماهى مع دفء ترحاب البصريين وكرمهم الباذخ.. فسائق التكسي يرفض أجرته بمجرد معرفته بأننا ضيوف البصرة، وكذا بائع الفواكه والخضار، وأينما حللنا تطرب اسماعنا العبارة الساحرة التي اشتهرت أيام خليجي 25 عبر أغنية الفنانة رحمة رياض "عين غطا وعين فراش" فنكمل همسا مع انفسنا وبكل حبور "عاش عاش العراق" .

وقبل نحو ساعتين فقط من انتصاف الليل كنا مجتمعين عند تمثال السياب على الكورنيش، نتبادل الأحاديث ونراجع قصائده وظروف مرضه، مستمتعين بنسائم شط العرب، وسماع الأغنيات البصرية المنبعثة من الزوارق المضيئة بألوان قوس قزح على مقربة من الشاطئ. إنها البصرة الحقة كما نعرفها بطيبة أهلها وسخائهم وبفنها الجميل..

انفض جمعنا بعدها خشية أن نعلق في الازدحام، وقد لاحظنا تدفق العائلات البصرية والقادمة من باقي المحافظات للتنزه على الكورنيش وإحياء ليلة رأس السنة، لا سيما بعد أن عرفنا أن الشوارع المؤدية إلى فندقنا ستقطع بعد قليل..

لم يدر في خلدنا ولو للحظة أن المكان نفسه سيشهد بعد حين أبشع مجزرة أخلاقية تشهدها البصرة، بل العراق كله. إذ جاءتنا الأخبار صباح اليوم التالي عن جريمة التحرش الجماعي بطفلة حضرت رفقة أهلها، لتمارس حقها الطبيعي في الفرح والاحتفال بليلة رأس السنة.

ذهل البصريون للزخم الشبابي الشنيع المشارك في تلك الجريمة، متسائلين: ترى هل هؤلاء من أهالي البصرة حقا؟ من أين جاءوا وتجمعوا بهذه الطريقة البشعة؟ أين غيرة البصري وهو يصور تلك الفاجعة دون أن يرف له جفن وكيف لم يسهم  في إنقاذ الطفلة من تلك الوحوش البشرية، وقد ملأ صراخها الآفاق وطغى حتى على أصوات الألعاب النارية.. أية ازدواجية عاشها آنذاك كورنيش البصرة؟َّ!

أهالي البصرة اتفقوا جميعا على أن في المدينة جماعات تسعى إلى محو مدنيّتها.. فهل يا ترى سيبقون صامتين متفرجين إزاء ذلك؟! ثم السؤال الأهم: ما الذي سيحدث بعد هذا؟!