التحرش في المجتمع من السلوكيات السيئة والمهينة، ويتسبب بأضرار وتأثيرات (جسدية، لفظية، نفسية، أو رقمية)، تُنتهك من خلالها خصوصية الفرد (ذكرًا أو أنثى)، أطفالًا وبالغين. وللأسف أخذت هذه السلوكيات بالانتشار في مجتمعنا لأسباب وعوامل عدة، منها نفسية واجتماعية وثقافية وقانونية (مثل ضعف التشريعات أو الخلل في تطبيقها إن وُجدت)، وتترك آثارًا سلبية عميقة على الضحايا (قلق، اكتئاب، عزلة، خوف، واضطرابات عدة تنعكس على الذات)، وعلى المجتمع ككل (العنف، والتدهور بالقيم)، وتتطلب مواجهتها وعيًا، وإجراءات حازمة، وقوانين صارمة، ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا، وتغييرًا جذريًا في الثقافة المجتمعية.
قد نكون جميعًا متفرجين، بينما تتسارع الأحداث من حولنا يوميًا. وفي لحظة ما سنلاحظ وجود شخص في خطر، وعرضة للتحرش والأذى، وعندها سنقرر إما أن نفعل أو نقول شيئًا (ونصبح متفرجين فاعلين)، وهو الموقف المناسب، أو أن نتجاهل الأمر ببساطة (ونبقى متفرجين سلبيين)، ونترك الظواهر السلبية تنتشر من حولنا. وفي كل الأحوال يجب علينا التدخل كي نوجه رسالة إلى الجاني مفادها أن سلوكه غير مقبول، ومرفوض، وخاطئ. وإذا ما تم تعزيز هذه الرسائل باستمرار داخل مجتمعنا، فسنتمكن من توسيع دائرة التصدي لهذه الظواهر، وبالتالي يمكن وقف السلوكيات السيئة والضارة.
نحن بأمسّ الحاجة إلى توفير البيئة الآمنة والحماية من التحرش، والتي تتطلب إجراءات ملموسة، وتثقيفًا مستمرًا، وتوفير قنوات إبلاغ آمنة في الأماكن العامة ومواقع العمل، وحتى داخل البيت وفي المدرسة، مع التركيز على بناء ثقافة الاحترام، وتحديد الحدود الشخصية للفتيات والأطفال، وتدريبهم على قول "لا"، وضمان استجابة سريعة وداعمة عند وقوع أي حادث، مع إعطاء الأولوية لسلامة المتضررين.
اليوم نحن بحاجة إلى سياسات واضحة وصارمة ضد التحرش والتمييز، لا تترك مجالًا للشك بأن هذه السلوكيات غير مقبولة، ويجب تطبيقها على الجميع. والتدريب، والتوعية، والتعرّف على التحرش، وفهم حدوده وأشكاله، وكيفية الإبلاغ عنه، وتوفير موارد كافية للتعامل معه، هي مسؤولية مجتمعية تقع على عاتق الجميع. وتتطلب تعزيز آليات الإبلاغ، وتوفير قنوات آمنة وسرية، وتعيين مسؤولين معنيين ومختصين بالاستجابة للشكاوى والحالات الطارئة، ونشر ثقافة داعمة تكرّس الاحترام والمساواة والعدالة، حيث يشعر الجميع بالأمان للتعبير عن أنفسهم، مع تقييم البيئات التي تدعم سلامة الأماكن التي يتواجد فيها الأشخاص، وخصوصًا النساء والفتيات والأطفال. وأن بناء بيئة آمنة هو جهد مشترك يتطلب سياسات قوية، وتثقيفًا مستمرًا، ودعمًا فعّالًا لضمان احترام كرامة وحقوق الأفراد، وخاصة الفئات الأكثر ضعفًا كالنساء والأطفال.