يعتقد البعض أن الوقت ليس سوى ومضة تمر أمامهم دون أن يعنيهم بشيء وهذ البعض قد يكون من عامة الناس الذين لم يدخلوا في حساباتهم القيمة الحقيقية للوقت، فقد يكون بين هؤلاء عامل يمضي وقت عمله في أنشطة ثانوية دون حساب للكلف المترتبة على إضاعة ساعات العمل مع الاعتذار لطبقتنا العاملة التي تمثل قوة الإنتاج الحقيقية، او نائب في البرلمان لا يحضر في قاعة البرلمان إلا لماما خلال الدورة البرلمانية ربما يعتقد أن حضوره او غيابه لن يضر منهجية البرلمان بشيء فهناك من يعوض عنه من رفاق كتلته، او رئيس دولة يقصر نشاطه في أولويات جزئية دون أن يتعب نفسه في وضع برنامج محدد يسهم في تطوير بلده توخيا للحاق بالبلدان المتطورة وكأن قوانين التطور تعبر عن مفاعيلها من تلقاء نفسها، او وزير لا يكلف نفسه في تحسين أداء وزارته تاركا الأمر لخلفه فليس عند هؤلاء جميعا أية قيمة للوقت دون إدراك ان ليس للزمن رجعة.
فللوقت قانون يسمى قانون الوقت وهو من أهم القوانين في الاقتصاد شأنه شان قوانين العرض والطلب وقوانين التراكم المالي وغيرها، ولم يقتصر وجود هذا القانون على الاقتصاد فحسب بل يشمل كامل النشاط الإنساني. ومن المفيد الإشارة إلى بعض القوانين والنظريات التي تبحث في قانون الوقت، فنظرية مصفوفة الأولويات (لستيفن كوفي) تقوم على قاعدة أمور مهمة مستعجلة كالطوارئ والإنتاج وأمور مهمة لكنها غي مستعجلة كالجودة والفاعلية. وقانون 20/80 لباريتو الذي يقول إن هناك من يستطيع في 20 في المائة من وقته أن ينجز 80 في المائة من العمل المطلوب إنجازه، وقانون باركنسون الذي يقوم على مفهوم مؤداه أن العمل يتم التوسع فيه لكي يملا الوقت المتاح إنجازه وهذا القانون يدعو إلى عدم تخصيص وقت أطول لتنفيذ عمل ما.
وحين نستعرض هذه النظريات والقوانين نستطيع القول وبكل ثقة عدم وجود أي تعبير فعلي لها على أرض الواقع في بلادنا، فأكثر من اثنتين وعشرين سنة مضت لم نر سوى بعض المشاريع التي لا تتناسب مع طول هذه الفترة التي كانت كفيلة بنقل أوضاع بلدنا نقلة نوعية أسوة بالتطورات الجارية في العالم البعيد والقريب على مستوى الإنتاج ومستوى الخدمات، فالقطاعات الإنتاجية يعوزها الشيء الكثير لتسد حاجة البلاد من متطلبات الاستهلاك الاجتماعي الضرورية ويصار عوضا عن ذلك إلى الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية وما يصاحبها من إعادة عوائد الريع النفطي إلى الخارج مرة أخرى، وحرمان البلاد من العملة الصعبة وحصول الخلل في الاحتياطي النقدي. أما الخدمات فهي الأخرى متخلفة بشكل كبير خاصة طرق النقل والمواصلات والخدمات البلدية والتعليمية والصحية وغيرها. إن غياب قانون الوقت يقف حائلا أمام التقدم في انجاز المشاريع النافعة ولطالما يتأخر انجاز المشاريع بأضعاف المدة المقررة لها والمثبتة في العقود بسبب الفساد والفشل الإداري، ولنأخذ مثالا بسيطا نعيشه يوميا وهو عدم وفرة سيارات الإسعاف في نقل المصابين في حوادث الطرق والحرائق في الوقت المناسب إلى أقرب مؤسسة صحية وما يترتب على ذلك من خسران المصابين، وعجز الحكومة من تطوير مشاريع النقل الاستراتيجية كالمترو والقطار المعلق أسوة بدول الجوار الإقليمي كإيران وتركيا والسعودية ودول الخليج الأخرى التي تسبقنا كثيرا في مجال خطوط النقل السريع وتنوع اليات النقل البري الداخلي والخارجي وأدواته، والمثال الآخر طول فترة الوصول إلى المحافظات البعيدة بسبب تعدد السيطرات على الطرق الخارجية. إن الأمثلة على ضياعات الوقت وعدم المعرفة بقانون الوقت من الناحية العملية والنظرية تكاد تكون معدومة في المناهج التعليمية وفي البرامج الحكومية مما تتسبب بشكل مريع في تضييع فرص التقدم والخروج من شرنقة التخلف الأمر الذي أدى في التحليل النهائي إلى هيمنة اليأس والإحباط لدى الطاقات الشبابية الماهرة فهل نرى استحضار قانون الوقت في حيتنا اليومية ودور الإعلام الحكومي في التثقيف بهذا القانون؟