اخر الاخبار

يكاد يكون موضع اتفاق بين الفلاسفة والمفكرين، رغم الاختلاف على وسيلة وآلية تحقيق ذلك، بان السياسة وجدت لخدمة المجتمع وتنظيم شؤونه  وتحقيق الامن والاستقرار والعدالة، وتوجيه موارد الدولة لتحسين ظروف حياة المواطنين.

هذا ما يفترض، ولكن الممارسة السياسية أعقد في الواقع من ذلك بكثير. فتجارب الدول، قديما وحديثا، تبيّن ان السياسة قد تنحرف عن دورها النبيل، عندما تتحول السلطة الى وسيلة اكراه وبغضاء وغمط ومصادرة للحقوق، واضطهاد للشعب وحتى لشعوب  أخرى.

 كما ان السياسة تفقد بعدها الأخلاقي والوطني عندما تكون الوظيفة العامة والمنصب العام طريقا للثراء، وليس مسؤولية وطنية عامة لخدمة المجتمع.

ومع تجنب الاطلاق والاعمام ورؤية الاستثناءات، فان التجربة العراقية، على الأقل منذ ٢٠٠٣ حتى الوقت الراهن، تحفز على تقديم مجموعة من  التساؤلات ذات العلاقة بمدى ارتباط السياسة باخلاقياتها ووظيفتها الأساس.

فمنذ التغيير ودفن النظام الدكتاتوري، تدفقت على البلاد إيرادات نفطية تقدر بأكثر من تريليوني دولار، وهو مبلغ لو كان اُحسن توظيفه لكان العراق اليوم في وضع اخر مختلف، ولاختفت أزمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والصحة والتعليم والسكن والنقل، وانخفضت معدلات الفقر والبطالة.

وهذا الامر بحد ذاته يثير تساؤلات مشروعة عن الأسباب، وماهية السلطة ونهجها، وطبيعة الدولة ومهامها، والثروة المتدفقة وآلية توزيعها ولمصلحة من؟

وهنا تمس الحاجة الى تبيان كل هذه العناوين والأزمات وأسباب ودوافع انحراف السياسية العامة للبلد ونكوصها الى نمط قاد الى تمايز اجتماعي واضح شديد الاستقطاب، والى انقسامات افقية وعمودية، نجدها اليوم متجسدة في اقلية حاكمة متنفذة تمتلك وتهيمن وتسيطر، فيما الأغلبية يعانون من قساوة تداعيات النهج المتبع، وهو بالقطع لا علاقة له لا من بعيد او قريب  باي نهج او توجه اشتراكي.  ويزعم البعض انه وراء مشاكل البلد، فيما لم يزر هذا النهج المزعوم بلادنا ولو حتى لساعات معدودات، وما القول بهذا الا هروب الى امام من مواجهة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا التدهور المريع على مختلف الصعد.

من جانب اخر يصعب تفسير ما يحصل بالفساد المستشري وحدهه، ما يؤشر  قضايا أخرى تمتد الى  منهج إدارة الدولة وبناء مؤسساتها، وتوظيف مواردها وطبيعة اقتصادها.

وبدلا من ان تتطور الحياة السياسية نحو أحزاب وبرامج ومؤسسات ديمقراطية راسخة، تشكلت كتل وتجمعات يقوم العديد منها على الولاءات الشخصية او الطائفية او العشائرية او المناطقية، وغدت المنافسة بينهم لا رابط بينها وبين اخلاقيات السياسة وطبيعتها، وصارت تدور حول تقاسم النفوذ والمناصب والامتيازات، ولا علاقة لها بالبلد وتنميته ودرء المخاطر عنه وضمان سيادته وقراره الوطني، والتحكم بموارده، كما ظهر جليا الان في ظل الازمة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط.

وزاد من تعقيدات المشهد هذا الخلط المقصود والتوظيف غير السليم للدين والمقدس في الصراع السياسي، ومن بين ما آل اليه ذلك منح الشرعية لقوى واشخاص على أساس الانتماءات بدلا من الكفاءة والنزاهة والقدرة على الأداء، ولعل هذا  من بين الأسباب التي جعلت النقد والمحاسبة والمساءلة وتطبيق القانون اكثر صعوبة.

كما اسهم الطابع الريعي للاقتصاد في تعميق الظاهرة.  وإذ تعتمد الدولة على اكثر من ٩٠ في المائة المتحصلة من إيرادات النفط الخام المصدر، فهذا يفتح الشهية للسيطرة على مؤسسات الدولة التي تغدو هدفا اقتصاديا، والهيمنة على السلطة بما يتيح الوصول الى الوظائف والعقود والامتيازات والمال العام. وهكذا يتحول التنافس الى صراع على إدارة الريع النفطي وتقاسمه.

وقد انعكست هذه الاختلالات العميقة والانحرافات الحادة على بنية الدولة ذاتها، فالتوسع الكبير في التوظيف  الزبائني، واعتماد المحاصصة وتراجع معايير الكفاءة، والفساد المستشري، والسلاح المنفلت، كلها وغيرها أسهمت في اضعاف هيبة الدولة ومؤسساتها والقدرة على التخطيط والتنفيذ السليمين، وعلى إمكانية إنفاذ القانون على الجميع، حتى زعزعت  ثقة المواطنين بالمنظومة الحاكمة، فيما تزايد الشعور بان السياسة بالنسبة للمتنفذين هي مطية  للنفوذ والثراء لا اكثر، وعلى من  يساوره ادنى شك في ذلك ان يتمعن مليا في المليارات المسروقة التي كشف عنها  مؤخرا، وما خفي كان اعظم.

لذا فمن الواجب الملح على القوى الساعية للتغيير، ان تعمل على التخلص من تلك الانحرافات والاختلالات الكبيرة، والعودة بالسياسة الى وظيفتها كخدمة عامة، وكقوة بناء وتقدم واستقرار وسيرعلى طريق التنمية والعدالة الاجتماعية.