اخر الاخبار

تكشف الصور التي نُشرت خلال الأيام الماضية للأموال المضبوطة عند بعض المسؤولين المتهمين بالفساد، من أكوام النقد المخزنة في المنازل إلى الأموال المدفونة أو المحروقة لإخفاء آثار الجريمة، جانباً من حجم الكارثة التي ألحقها الفساد بالدولة والمجتمع. فالمسألة لا تتعلق بمجرد أموال منهوبة، بل بثروة جرى انتزاعها من الدورة الاقتصادية وتحويلها إلى قوة معطلة للتنمية ومنتجة للأزمات.

المال العام، حين يُنفق في مشروعات إنتاجية أو خدمية، يتحول إلى طرق ومدارس ومستشفيات ومصانع وفرص عمل. أما حين يُنهب ويُهرّب أو يُخزّن في البيوت والأقبية والقاصات، فإنه يخرج من دورة الاقتصاد ويكف عن أداء وظيفته الاجتماعية والتنموية. وبذلك لا تقتصر الجريمة على سرقة المال، بل تمتد إلى حرمان المجتمع مما كان يمكن أن ينتجه هذا المال لو وُظف بالصورة وفي المكان الصحيحين.

والأخطر من ذلك أن الأموال المنهوبة لا تبقى معطلة دائماً، بل قد تعود إلى السوق بصورة مشوهة. فهي تتحول إلى مضاربات عقارية، واحتكارات، وصفقات نفوذ، ووسائل إعلام، وجيوش إلكترونية، وشبكات مصالح تعمل على حماية الثروة غير المشروعة وتعظيمها. وهكذا لا يصبح الفساد مجرد استيلاء على المال العام، بل وسيلة لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع وفق مصالح الفاسدين.

وليس مصادفة أن يشهد العراق، في الوقت الذي تُكتشف فيه هذه المليارات المنهوبة، أزمة سكن خانقة، وبطالة واسعة، وتراجعاً في الخدمات، وصعوبات متزايدة أمام الشباب الباحثين عن فرص عمل أو عن مساكن أو حياة مستقرة. فالأموال التي كان يفترض أن تذهب إلى الاستثمار والتنمية وتحسين البنية التحتية، جرى تحويل جزء كبير منها إلى ثروات خاصة راكمها أفراد على حساب المجتمع بأسره.

إن الفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق الفرص أيضاً. يسرق فرصة الخريج في العمل، وفرصة الفلاح في الدعم، والمريض في العلاج، والطالب في التعليم، والأسرة في السكن الكريم. ولهذا فإن كلفة الفساد لا تُقاس بما يُنهب من خزائن الدولة فحسب، بل بما يفقده المجتمع من إمكانات للتقدم والتنمية.

ثم إن مشهد الأموال المحروقة أو المدفونة أو المخبأة لا يكشف حجم الثروة المنهوبة فقط، بل ويكشف طبيعة الثروة نفسها. فهي أموال لا تستطيع الظهور بصورة طبيعية لأنها نتاج مسار غير طبيعي. ولذلك يحتاج الفاسد إلى إخفائها، أو غسلها، أو تحويلها إلى أصول وعقارات ومشروعات ظاهرها الاستثمار وحقيقتها حماية المال المنهوب.

ومن هنا فإن الحديث عن الفساد بوصفه جريمة مالية وحسب يبقى حديثاً ناقصاً. فالفساد في جوهره عملية تخريب اقتصادي واجتماعي وسياسي متكاملة. إنه يعطل التنمية، ويعمق الفوارق الطبقية، ويضعف الثقة بالدولة، ويحول المؤسسات العامة إلى ساحات لتقاسم المنافع بدلاً من خدمة المواطنين.

إن أخطر ما في الفساد ليس حجم الأموال المنهوبة، مهما بلغ، بل هو شبكة الحماية التي تنسجها الطغمة حوله. فالأموال المسروقة لا تختفي فقط، بل تتحول إلى ثروة، والثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى حماية سياسية وإدارية وإعلامية. وعندها لا يعود الفساد مجرد انحراف عابر، بل يصبح جزءاً من بنية النظام نفسه، وآلية من آليات إعادة إنتاج السلطة والمصالح.

ولهذا، لا يعود السؤال: كم سُرق من المال العام؟

بل: كم من فرص التنمية ضاع؟ وكم من المشاريع لم يُنجز؟ وكم من الشباب حُرم من العمل؟ وكم من الأجيال دفع ثمن فسادٍ لم يكن طرفاً فيه؟