برومانسية تشبثت بمقولة الكاتب الأمريكي راي براد بيري إذ ذكر (أنظر إلى العالم، إنه أكثر روعة من أي حلم) عندما مكناني عملي وإقامتي في دولة خليجية قبل سنوات من الحصول على تأشيرة زيارة لعدد من الدول، لكن في الوقت نفسه طالما أطبقت على عنقي غصة مرارة المقارنة بين ما أشاهده وما يحدث في بلدي. هكذا شعرت عند زيارتي لاسبانيا ضمن مجموعة سياحية كنت العربية الوحيدة بينها.
فمثل الثمرة الناضجة التي تسقط فجرا بضربات فجائية رنانة، كان نزولي صباحا بعد رحلة ليلية من مطار أبو ظبي إلى مطار باراخاس الدولي، الذي يعد بوابة رئيسة لشبه جزيرة ايبريا التي تضم "اسبانيا والبرتغال"، وأحد أكثر 10 مطارات في العالم ازدحاما، يستقبل 70 مليون مسافر سنويا آنذاك، سبعة ملايين منهم يزورون مدينة مدريد. مساء توجهت نحو" بلاثا ماير" الساحة القديمة في وسط البلد سيراً على الأقدام سرعان ما انتصب أمامي تمثال بالحجم الطبيعي لكَّناس ينظف الأرض فاسترجعت شخصية "صبحي الجيز- الرفيق الكَّناس" في أغنية زياد الرحباني وفيروز، وكيف التقطاه وهو يقرأ كتابا عثر عليه في الزبالة، ثم عقدت بعدها صداقة بينهما كسب الكناس إثرها زياد للحزب الشيوعي، لكن زيادا يعثر على رفيقه بعد أيام على الرصيف مفارقا الحياة.
تأملت صيغ الاحترام لعامل النظافة الذي خلد بتمثال الى جانب حرص نقابات العمال على الدفاع عنه وعن حقوقه، قارنته بعمال النظافة في بلادي وضيم شظف عيشهم.
المقارنات لم تهدأ حول كل صغيرة وكبيرة، لكن ما استفزني حقا هو الحفاظ على الطراز الإسلامي للمباني القديمة منذ الدولة الاسلامية في الأندلس حتى أصبحت مورد رزق هائل للدولة.
ومثل قاص بارع يتمنى قيادة حروفه بمهارة، حاولت استجماع ما حصلت عليه من معلومات من الذاكرة الالكترونية والكتب ومقارنتها بما يبدو أمامي من مشاهدات بينما تتجه حافلتنا نحو مدن عديدة.
توجهنا جنوبا نحو غرناطة حيث قصرُ الحمراء أحد أهم صروح العمارة الإسلامية في الأندلس. شيد خِلالَ النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي استغرق بناؤه أكثر من 150 سنة. يعد الآن من أهم المعالم السياحية في اسبانيا. بدت سِمات العمارة الإسلامية واضحة فيه من استخدام العناصر الزُخرفية الرقيقة في تنظيمات هندسية كزخارف السجاد، وكتابة الآيات القرآنية والأدعية. في منتصف بهو السباع (نافورة الأسود)، على حوضها المرمري المستدير اثنا عشر أسدًا من الرخام، تخرج المياه من أفواهها بحسب ساعات النهار والليل. استرجعت هنا تماثيل اسود ساحة السباع عندنا التي انجزت على طرازها وكيف اعتراها التآكل والإهمال.
تنبهت لتعليق مرشدتنا السياحية عندما تباهت بالمناظر والثمار المحيطة بالقصر مؤكدة على التين والزيتون بأنهما من ثمار الجنة. قلت في نفسي وماذا عن التين والزيتون عندنا؟ّ! وهذه الزخارف الإسلامية في القصر لا تضاهي عشر زخارف أبنية مساجدنا ومراقدنا المقدسة.. حقا قد تلف العالم بحثا عن زهرة هي في حديقة منزلك.