اخر الاخبار

 

يبدو أن شهية طغمة الحكم لا تقف عند حدود. فبعد نهب المال العام والعقود والمناصب، وتكوين ثروات طائلة، تمتد الأيدي اليوم إلى ممتلكات الدولة ومعاملها وأراضيها، تحت عناوين الاستثمار والخصخصة وإعادة الهيكلة.

ليس هناك اعتراض على الاستثمار ولا دفاع عن قطاع عام متعثر، فالاقتصاد العراقي بحاجة إلى الاستثمار والتحديث وزيادة الإنتاجية. لكن المقصود هو الاستثمار الذي يطور المنشآت ويوسع الإنتاج ويوفر فرص العمل، وليس الاستحواذ على أصول الدولة وأراضيها.

ومعمل الجلود في الكرادة مثال يثير القلق. فهو ليس مجرد أرض مرتفعة الثمن، بل منشأة لها تاريخ وخبرة وعمال وإسهام في الصناعة الوطنية، وكان الأجدر تطويرها وتحديث إنتاجها، لا أن يبقى مصيرها مهدداً بالتصفية.

ومنذ سنوات والقطاع العام الصناعي يتعرض للإهمال والتعطيل، دون اهتمام جدي بتأهيل معامله وتحديثها وإعادتها إلى الإنتاج. وحين تتقادم المصانع وتتراجع قيمتها، تتجه أنظار طغمة الفساد إلى الأراضي التي تقوم عليها، خصوصاً في المواقع الحضرية مرتفعة الثمن، لتصبح الخصخصة والاستثمار مدخلاً للاستحواذ على الأرض، بدلاً من إنقاذ المصنع وتطويره.

ان المشكلة أكبر من معمل واحد. فإهمال الصناعة وتعطيلها وتصفيتها أضعف قاعدة الإنتاج الوطني، وبدد فرص العمل والخبرات والقيمة المضافة، ووسع الاعتماد على الاستيراد. وتعزز الاقتصاد الريعي الذي تصنعه وفرة النفط  وتعيد إنتاجه، بالسياسات التي تضعف الصناعة والزراعة وتحول العراق إلى سوق للسلع المستوردة، بما يخدم مصالح القوى المستفيدة من بقاء الاقتصاد أسيراً للريع.

ولهذا المسار وجه طبقي واضح. فتراجع الصناعة يضعف الطبقة العاملة، ويضيق فرص العمل المنتج، ويسهم في تآكل الطبقة الوسطى وإضعاف البرجوازية الوطنية المنتجة. وفي الجهة المقابلة، تتسع الفجوة المعيشية وتصعد فئات راكمت ثرواتها لا من الإنتاج وموارده، وإنما من العقود والمضاربات والعمولات والامتيازات والاقتراب من مراكز القرار.

وهنا يكمن التناقض الحقيقي. فالصراع ليس بين قطاع عام وقطاع خاص. العراق يحتاج إلى قطاع عام كفؤ وقطاع خاص قوي ومنتج، والصراع هو بين اقتصاد ينتج الثروة ويوفر العمل ويبني قاعدة للتنمية، واقتصاد ريعي طفيلي يعيد توزيع الثروة لمصلحة أصحاب النفوذ من دون أن يضيف إليها.

وفي ظل هذا الاقتصاد تكونت طغمة "اولغارشية"، أقلية داخل الأقلية، راكمت المال والنفوذ من خلال صلاتها بالسلطة، وتجد في ضعف المؤسسات والرقابة بيئة لازدهار مصالحها، حيث يتحول النفوذ إلى ثروة، والثروة إلى مزيد من النفوذ.

لذلك فإن أي عملية بيع أو استثمار لأملاك الدولةُ، يجب ألا تمر خلف الأبواب المغلقة. فأملاك الدولة ليست ملكاً للحكومة التي تديرها اليوم، بل هي ثروة عامة تراكمت عبر عقود، ومن واجب الحكومة حمايتها وتنميتها والتصرف بها وفق المصلحة العامة.

العراق يحتاج إلى استثمار يبني المصانع ويطور القائم منها، ويخلق فرص العمل ويضيف قيمة إلى الاقتصاد الوطني، كما يحتاج إلى قطاع خاص منتج يراكم ثروته من الإنتاج والمنافسة، لا من الريع والعقود والمضاربة والاقتراب من السلطة.

ان أملاك الدولة ليست تركة بلا أصحاب، وأراضي المصانع ليست غنائم توزع على المتنفذين. إنها ملك العراقيين.

وان إضعاف المصنع حتى يفقد قيمته، ثم تعطيله وفتح الطريق للاستحواذ عليه أو على أرضه، ليس خصخصة ولا استثماراً، إنه انتقال من نهب موارد الدولة إلى نهب أصولها، ومن تقاسم الغنيمة إلى خصخصتها.