حين يسقط إعلامي في الابتزاز أو الرشوة، أو يستغل صوته وموقعه لتحقيق منفعة، يكون طبيعيا أن يدان ويحاسب وفق القانون. فمن يستخدم الكلمة للابتزاز يسيء إلى المهنة ويضعف ثقة الناس بالإعلام. لكن من الخطأ أن تتحول إدانة إعلامي فاسد، إلى إدانة للإعلاميين جميعاً. فهناك في الوسط الإعلامي من يساوم ويبتز، وهناك أصوات نزيهة وشجاعة كشفت الفساد وواجهت المتنفذين وتحملت الكثير بسبب مواقفها. ولا يجوز أن نضع من يكشف الفساد بصفّ من يتستر عليه أو ينتفع منه.
وهذا يعيدني إلى شعار(تردون الصدك.. كلهم حرامية)، الذي جرى ترديده إبّان الاحتجاجات، ولم أقتنع به يوماً. أتفهم الغضب الذي يقف وراء هذا الشعار، بعد ما شهده العراقيون من نهب للمال العام واستغلال للمناصب وتضخم للثروات. لكن التعميم لا يساعد على تحديد الفاسدين وملاحقتهم، بل قد يؤدي، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى حمايتهم.
عندما نقول إن الجميع حرامية، يضيع الحرامي الحقيقي وسط الجميع، ونساوي بين من نهب ملايين الدولارات ومليارات الدنانير، وبين من تولى مسؤولية عامة وصان نزاهته. وهكذا يتحول الفساد من جريمة يرتكبها أشخاص معينون وتحميها مصالح معروفة، إلى تهمة عامة تطال الجميع.
هذا لا يعني التقليل من حجم الفساد في العراق. فهو واسع، ومتغلغل في مؤسسات الدولة، وقد تحول في مواقع كثيرة إلى منظومة مصالح ونفوذ. وفي ظله تكونت طغمة راكمت ثروات هائلة من المال العام والعقود والمناصب والمصارف والمضاربات، ووفرت لنفسها حماية سياسية وإدارية وإعلامية. وهؤلاء هم من ينبغي أن تتركز عليهم الأنظار، لا أن نخفيهم وراء اتهام يشمل الجميع. فليس كل من دخل العملية السياسية وتولى منصباً عاماً، فاسد. وقد عرفنا مسؤولين خرجوا من مواقعهم نظيفين كما دخلوها، وآخرين رفضوا أن يكون المنصب طريقاً إلى الثروة. قد تكون هذه النماذج أقل ظهوراً، لكنها موجودة، ومن الخطأ مساواتها بمن حوّل الدولة إلى مصدر للإثراء.
التعميم يشيع فكرة خطرة: ما دام الجميع يسرق، فالسرقة تصبح أمراً عادياً، والنزاهة حالة شاذة. وهذا يضرب قيمة النزاهة نفسها. لهذا فإن مكافحة الفساد تحتاج إلى التشخيص، لا إلى التعميم. نريد أن نعرف من سرق المال العام، وكيف تكونت هذه الثروات، ومن وفر الحماية لأصحابها، ولماذا بقيت ملفات معروفة سنوات من دون حسم. وعلينا في المقابل أن نقف مع الإعلامي الذي يكشف الفساد، والموظف الذي يرفض الرشوة، والمسؤول الذي يحافظ على المال العام، لا أن نضعهم مع الفاسدين في سلة واحدة.
مكافحة الفساد لا تكون باتهام الجميع، وإنما بكشف الفاسدين وملاحقتهم، واستعادة الأموال المنهوبة، والوصول إلى من وفر لهم الغطاء، خاصة كبار الفاسدين الذين ظلوا بعيدين عن المساءلة.
حين نقول (كلهم حرامية)، قد نعبر عن غضب مفهوم، لكننا نضيع الفارق بين الحرامي والنزيه، ونمنح الحرامي فرصة للاختباء بين الجميع. ومحاربة الفساد لا تكتمل بملاحقة الفاسدين وإنما أيضا بحماية النزاهة ومساندة أصحابها.